آراء وقضايا إقليمية للمناقشة
4-6-2015

جميل مطر
*
كانت الأيام السبعة الماضية فرصة لأتعرف عن قرب إلى آراء أكبر عدد ممكن من المفكرين ورجال المال والأكاديميين والإعلاميين العرب، أو من ذوي الأصول العربية.
 
الفرصة كانت رائعة ولكن الخلاصات رهيبة، رهيبة في المحتوى ورهيبة في تجسيدها حالة الارتباك وفوضى القيم، وتدهور الآمال والطموحات.
 
لقد شاركت في اجتماعات وحلقات وأمسيات لم أخرج من واحدة منها برأي عام، ولا حتى بفهم عام، حول قضية بعينها. أو حتى حول معلومة معينة.
 
لم أشأ أن أعرض في مقالي هذا الخلاصات التي سمعتها في خلاصة موحدة، ستحمل بالتأكيد بصمات رأيي الشخصي. لذلك تركتها كما سمعتها ورأيتها، وها هي بين يدي القارئ.
 
قيل إن «حزب الله" لايزال القوة العسكرية الأكبر بين مختلف القوى الدينية المسلحة في العالم العربي، ولايزال طرفاً فاعلاً وأساسياً في الأزمة اللبنانية، وبخاصة أزمة البحث عن رئيس للدولة.
وقيل من آخرين إن شعبيته انخفضت لأن شعاراته ارتبكت.
 
قام يحمل شعار حماية الجنوب ثم رفع شعار زعامة المقاومة المسلحة ضد ««إسرائيل»»، وبعدها الدفاع عن نظام الرئيس الأسد، باعتبار أن لبنان مستهدف كخطوة لاحقة لسقوط الرئيس السوري، وأخيراً شعار التصدي لحرب طائفية تسعى«داعش» وأطراف أخرى لشنها ضد الشيعة في كل مكان، وفي لبنان بخاصة.
يقال أيضاً إنه من دون «حزب الله» ينكشف الضعف اللبناني في مواجهة غزو المتطرفين الإسلاميين، وتنكشف هشاشة النظام السياسي اللبناني.
 
هذا الاختلاف في الرأي حول «حزب الله» ودوره في الحياة السياسية اللبنانية والعربية عموماً ليس جديداً، الجديد فيه هو الحدة في التعبير عنه.
 
اختلاف آخر كان حاداً في وقت من الأوقات، وعاد حاداً. إنه اختلاف الرأي حول دور مصر العربي والإقليمي.
 
أغلبية ملموسة تريد أن تخرج مصر من عزلتها لتلعب دوراً.
 
قسم في هذه الأغلبية يشترط أن تلعب مصر الدور الذي يناسب هذا القسم من الناس، وقسم آخر لا يمانع في أن تعود مصر لدور هي تختاره.
 
دار النقاش أمامي مرات عدة حول جدوى أن تقوم مصر بدور الوساطة في أزمات راهنة بعينها، مثل اليمن وليبيا وسوريا.
 
نعم مصر تستطيع، فلديها الرصيد من المكانة والتجربة، هكذا ذهب رأي، ولكن آراء أخرى رأت استحالة نجاح مصر في أداء مهمة كهذه، لسبب أو أسباب تختص بكل حالة على حدة.
 
قيل أيضاً إنها طرف في الأزمة الليبية، فقد تدخلت عسكرياً وتتدخل سياسياً لمصلحة أحد طرفي الأزمة ضد الطرف أو الأطراف الأخرى.
 
ويعتقد أنصار هذا الرأي أن الطرف الأنسب ربما كانت المملكة السعودية، باعتبار أنها لم تتدخل، خلافاً لأطراف خليجية وإقليمية عربية تدخلت وتتدخل في الأزمة الليبية، أما في سوريا، فيقال إن مصر هي الدولة ذات الفرصة الأكبر في أن تستمع إليها الأطراف المعتدلة والمعارضة، وكذلك النظام الحاكم، والسبب هو أنها مازالت تتمسك بمبدأ مشتق من المنظومة العسكرية المصرية، وهو الحفاظ على وحدة الدولة من خلال الحفاظ على وحدة الجيش. وأنه إذا انفرط الجيش انفرطت الدولة.
كثيرون على العكس يعتقدون أنه يمكن جداً الحفاظ على وحدة سوريا حتى إذا انفرط جيشها وانهار نظامها الحاكم.
 
لم تخل جلسة نقاش من إشارات مؤلمة أو جارحة لأجهزة الإعلام العربية وأدوارها المثيرة للجدل.
 
حضر مشاركون يحملون ملفات لمقالات إعلاميين معروفين وتسجيلات لإعلاميات وإعلاميين لم يكونوا معروفين وأصبحوا نجوم فضائيات.
تشي المقالات بتطور خطر في الشأن الإعلامي.
 
قيل إننا كنا إلى عهد قريب نقرأ لإعلاميين أو نشاهدهم منشغلين بشرح وتبرير سياسات خارجية لدول ينتمون إليها بالجنسية أو بالعاطفة أو بغيرهما.
 
كان المألوف، مع استثناءات، أن يكون التعليق على السياسة الخارجية بعد اتخاذ القرار وليس سابقاً عليه.
 
الآن، نقرأ لمن يتنبأ بسياسة لم يتخذ فيها قرار بعد، فتسري الشائعات في كل أنحاء المعمورة الإعلامية بأن فلاناً الإعلامي هو الذي يصنع الموقف الرسمي لبلاده وليس وزير خارجيتها، أو رئيس دولتها.
 
تكرر هذا الأمر في الأسابيع الأخيرة، إلى حد دفع بمراقبين إلى الاعتقاد بأن مصدر بعض القرارات المتخذة مؤخراً في دول عربية بعينها مقال صحفي يزعم كاتبه أنه يعرف دخائل منظومة صنع القرار في بلاده، ويستطيع الكشف عن بعض ما تفكر فيه، وتكون نتيجة هذا المقال أن تتبنى الدولة أفكار هذا الإعلامي وتصدر القرار الذي تنبأ المقال به.
 
الظاهرة الأخرى الجديرة بالاهتمام، هي هذه الجوقة من إعلاميين، فضائيين خاصة، الذين يبذلون جهداً خارقاً لبث الوقيعة بين الشعوب العربية، أو بين الأنظمة الحاكمة فيها، يستطيع أي مراقب أن يتهم الحكومات بأنها وراء تسريبات أو توجيهات تصدر إلى إعلاميين معينين لأداء هذه المهمة، وما أسهل أن تنكر الحكومات علمها المسبق بهذه الإساءات، وتعاقب ولو رمزياً من ارتكبها، ولكن هناك ما يؤكد، أو هكذا شرح إعلامي مخضرم، أن إعلاميين يلعبون الدور أو يؤدون المهمة مدفوعين من سفارات دول أخرى أو مدفوعين بأغراض شخصية ولكنهم واثقون بأن صانعي السياسة في بلادهم منشغلون بأمور أخرى ولن يتنبهوا للأمر إلا بعد فوات الأوان، وبعد أن يكون الضرر قد وقع.
 
جارٍ أيضاً في عديد العواصم العربية الحوار، والخلاف طبعاً، بين الأكاديميين حول طبيعة وشكل مستقبل العرب ومستقبل الشرق الأوسط برمته.
 
هناك ما يشبه الاتفاق على أن النظام الإقليمي العربي، لكي يستمر، يجب أن تعاد صياغته بحيث يسمح لدول صغيرة استطاعت لأسباب غير قليلة الحصول على قواعد إقليمية ودولية للنفوذ والقوة، أن تحتل المكانة المناسبة داخل النظام العربي.
المؤكد في نظر هؤلاء المراقبين من الأكاديميين والسياسيين هو أن الدول الأكبر، وهي أقل عدداً ونفوذاً من أي وقت سابق، لن تتنازل ببساطة عن مكانتها أو نفوذها.
 
أما المختلفون مع هذا الرأي فيعتقدون أن المسألة لم تعد تقتصر على تغييرات انتقالية مطلوبة في النظام الإقليمي العربي، بل تجاوزتها إلى التحولات المتوقعة في نظام شرق أوسطي يفرض نفسه بالتدريج، ويضعف خلال مسيرة بنائه من أوزان عربية تقليدية، ولم يضف، ولن يضيف، إلى أوزان الدول الصغرى الناشئة في المكانة والنفوذ.
 
ولا يخفى أن بعض الدول العربية بدأ فعلاً الاستعدادات ليكون أقرب إلى المواقع المهمة في النظام الشرق أوسطي المزمع قيامه.
 
وكالعادة الجديدة التي نسير عليها منذ سنوات سبقت نشوب ثورات الربيع، لم يعد النقاش في جلسات حوار متعددة الموضوعات يتطرق من تلقاء نفسه إلى موضوع فلسطين.
وقع الاستثناء الوحيد هذا الأسبوع في اجتماع كان مخصصاً لفلسطين وليس لأي موضوع آخر.
 
استفدت شخصياً فائدة كبيرة، ليس فقط لأنني مثل غيرى كثيرين حرموا من مناقشة قضية فلسطين في اجتماعات المثقفين والنخب العربية عامة.
 
ولكن أيضاً لأنني اكتشفت حديثاً فلسطينياً غير مألوفاً على الأذن العربية.
 
قيل وبوضوح إن الداخل الفلسطيني، وأقصد الفلسطينيين العرب المقيمين في «إسرائيل»، يكاد ينجح في فرض نفسه لاعباً أساسياً في صنع مستقبل فلسطين، وربما مستقبل الصراع «الإسرائيلي» الفلسطيني.
 
تأكد لنا، بالاستماع ثم النقاش ثم كثيراً من التأمل والتحليل، أن اللاعبين الآخرين، وهما سلطة رام الله وسلطة غزة، قد وصلا إلى نهاية قدراتهما وكفاءتهما ومشروعهما وربما شرعيتهما.
 
لم يقل أحد في الحوار إنهما سقطا، ولكن سلوك ««إسرائيل»» وأطراف دولية كثيرة وأطراف عربية عدة، وفي مقدمتها الرأي العام العربي، يجسد أصدق تعبير عن حكم يكاد يكون نهائياً وقاطعاً في مستقبل هذين اللاعبين، كطرف فلسطيني أساسي في المسيرة السياسية لشعب فلسطين، وكطرف يمثل فلسطين في أي نظام إقليمي يتشكل في المنطقة.
 
أنا قادم لتوي من بلاد الطوائف والمذاهب والقبائل، أحمل شعوراً قريباً من اليقين، بأن المنطقة على وشك أن تشهد أزمة من نوع جديد.
 
ليس صعباً أن يلاحظ الزائر لهذه البلاد أن أهل طوائفها ومذاهبها وقبائلها تعيش حالة خوف رهيب من المستقبل.
خوف من الإبادة أو الترحيل أو الإذلال والاسترقاق.
 
عاشوا عقوداً، بل قروناً محتمين بظل وإخلاص رؤسائهم ومشايخهم.
أخيراً جاءت اللحظة الحاسمة.
 
ليس سراً أن قادة هذه الطوائف والقبائل والمذاهب يعيشون مأساة قلق وعذاب أليم.
 
يخافون على مصائر «شعوبهم»، أغلبهم عاجز عن حمايتها، بعضهم يتوقع انقسامات وربما انتفاضات، بمعنى آخر شرعية هؤلاء تتعرض لأزمة، وكذلك هوياتهم وعلاقتهم بالدولة الأم.
لم يسعفني الوقت لأسمع تفصيلًا لما يخطط له هؤلاء القادة من المشايخ وأصحاب السماحة والفضيلة، وبعضهم من ذوي التاريخ المشرف في الوطنية والقيادة الحكيمة، للخلاص بشعوبهم في وقت مناسب.
 
---------------------------
*نقلا عن دار الخليج، الخميس، 4/6/2015.

رابط دائم: