بين البيت الأبيض وكامب ديفيد.. «عاصفة الحزم» إلى الهدوء
20-5-2015

طلال سلمان
*
أمام مدخل جانبى للبيت الأبيض فى واشنطن، توجب على الرئيس الأمريكى باراك أوباما أن يستقبل، حسب أصول البروتوكول، أميرين رئيسين لدولتين خليجيتين، وثلاثة أمراء من أولياء العهد، بينهم اثنان ملكيان (السعودية والبحرين) والثالث لدولة الإمارات العربية المتحدة. تصل السيارة بالضيف، يسارع الضابط إلى فتح الباب، يترجل الأمير فيتقدم نحو أوباما الذى يتلقاه مرحبا ثم يصحبه إلى الباب، فيربت على كتفه، ثم يسلمه إلى رجال البروتوكول، ويعود إلى وقفة الاستعداد لاستقبال الضيف التالى. يغلق الباب على الرئيس وصحبه، وينفتح باب التعارف، بغير أن يغفل الرئيس أمر الاطمئنان إلى الغائبين: الملك الأكبر (سلمان بن عبدالعزيز آل سعود) والملك الأصغر (البحرين) فضلا عن أمير دولة الإمارات. وبعد لحظات يهدأ روع الضيوف الذين يملك كل منهم قصرا بل قصورا أكبر بما لا يقاس وأغنى رياشا وأفخم بسجادها وثرياتها والتحف المنتثرة فيها من هذا«البيت» الذى ــ على بساطته ــ يكاد أن يكون مركز حكم العالم. على كل أن يعود إلى حجمه الفعلى الآن. على أن ما يطمئن الضيوف أن مضيفهم «أسمر» مثلهم، بل ربما كان أعظم سمرة منهم جميعا.. ثم إن فى اسمه ما يدل على أنه «مسلم» بنسبة ما، أليس «حسين» اسم والده؟.
 
فى منتجع كامب ديفيد، الذى ابتناه بطل حرب كوريا الرئيس دوايت ايزنهاور، كان الوفد الخليجى قد استعاد ثقته بنفسه، وشعر بأنه فى بيته، ولذا فقد انتشر أعضاؤه من حول «الرئيس»، وخضعوا للبروتوكول الذى يقدم أمير دولة قطر على ولى عهد السعودية، وأمير الكويت على ولى عهد البحرين ومعه ولى عهد الإمارات.. ثم وقف الجميع يبتسمون للمصورين، قبل أن يغلق عليهم الباب ليواجهوا الحقائق فى «بيت السر» الذى طالما شهد مساومات ومناورات فيها قدر من الغواية قبل أن يحسم الأمر بالتوقيع على ما كان مرفوضا والقبول بما كان من المحرمات.
 
كان أعضاء الوفد يعيشون حالة زهو بالانتصار الذى حققه طيرانهم الحربى عبر تدمير اليمن، شمالا وجنوبا، مدنا وقرى ودساكر تعلو رءوس الجبال أو تنطوى على فقرها على أطراف الهضاب فى البلاد التى خسرت ثروتها ذات السمعة العالمية من البن بعدما اجتاح «القات» الأرض ومن عليها.
 
يمكن للوفد المذهّب، وان غاب عنه الملوك أن يتباهى، الآن، بأنه قد باشر صد «الاجتياح الإيرانى» لأرض الذهب العربية!. لقد وضعت «عاصفة الحزم» نقطة النهاية لهذا «التمدد الفارسى»، وبالقوة المسلحة.
 
لكن ذلك كله لم يستولد الحماسة الأمريكية المطلوبة لهذه الحرب التى لا تراها واشنطن حاسمة ويمكن توظيفها لإضعاف إيران.. ثم إنها تبدو بعيدة عن قبول الذرائع بعدها عن التسليم بالنتائج كما يراها أبطال «عاصفة الحزم»:
فواشنطن لا تبدو متحمسة للمنطق القائل إن السعوديين (الوهابيين) ومعهم من رغب من الخليجيين وسائر الدول الحليفة (عربا وغير عرب) قد استنقذوا بحر العرب ومضيق باب المندب، وبالاستطراد البحر الأحمر من الهيمنة الإيرانية. ومع تفهم واشنطن لمشاعر الزهو التى جاء بها الخليجيون، فليس سهلا عليها التسليم بادعائهم، أنهم أصحاب فضل على الولايات المتحدة الأمريكية: «لقد خاضوا حربهم لوحدهم، وانتصروا. هى حربهم الأولى، وقد ربحوها من دون أن يخسروا جنديا واحدا! ولكن السؤال يتصل بما بعد الحرب: هل «الانتصار» ينهى الحرب على إيران باسم اليمن؟
 
إنهم أهل حرب، وليسوا فى هذه اللحظة أهل نفط فحسب. إنهم مقاتلون (ولو من الجو) كما يشهد الركام الآن فى صنعاء وتعز والبيضاء وعدن وخور مكسر والضالع وأبين وحرض وصعدة الخ. ولكن أين يمكن توظيف هذا الانتصار؟ هل انتهت مشكلة الخلل فى العلاقة مع اليمن؟ وهل صارت السعودية القيادة المطلقة بلا شريك؟ هل يبدل ما حدث فيجعل الخليجيين«حلفاء» لأمريكا، لهم حق الشراكة فى القرارات التى تتصل بمنطقتهم جميعا، بقوة حربهم؟ وهل صحيح أنهم قد عوضوا الغياب الأمريكى بعد سحب القوات الأمريكية من العراق؟ وأنهم فى موقع الهجوم فى سوريا بينما واشنطن تتردد فى اتخاذ القرار بحسم الوضع. من حقهم، إذن، أن يقفوا كتفا إلى كتف إلى جانب باراك أوباما. لم يكونوا بحاجة إلى مساعدة أمريكية.. بل إنهم أرادوها، بقرار واع، حربا عربية ضد التمدد الإيرانى. يمكن اعتبارها حرب الأكثرية ضد الأقلية. فهل انتهت هذه الحرب حقا؟!
 
بصيغة أخرى: هم يعتبرون أنهم قد وضعوا نقطة النهاية للتمدد الإيرانى فى المشرق العربى: «الآن ومن موقع المنتصر نستطيع التعامل مع الوجود، بل التدخل الإيرانى فى العراق وسوريا ولبنان.. لا حاجة لمصر الآن.. هى مشغولة بهمومها الثقيلة فلتتفرغ لها ونحن نساعدها. كنا بحاجة إلى «الموقف» لا إلى الرجال والسلاح. نحن مقاتلون كابرا عن كابر».
 
لكن المضيف الأمريكى لم يظهر حماسة لهذا المنطق.. ووعد بمناقشته لاحقا وخلال زيارته للمنطقة بعد عام!
 
لم ينتبه الوفد العربى المذهّب إلى لقاء الرئيس الأمريكى باراك أوباما، لا خلال العشاء الحلال فى البيت الأبيض، ولا خلال المحادثات الرسمية فى منتجع كامب ديفيد إن موعد اللقاء يتزامن مع الذكرى الثامنة والستين للنكبة العربية فى فلسطين.. على أن بعض أصحاب الذاكرة القومية انتبهوا إلى ضرورة الإشارة إلى «القضية المقدسة» فاستدركوا الأمر بإعادة تأكيد المؤكد وهو «ضرورة إقامة دولة فلسطين».
 
وفى أى حال، فالتغلغل الإيرانى فى اليمن، وفى هذه اللحظة تحديدا، أخطر على «الأمن القومى» من إسرائيل. وكيف لعرب الجزيرة والخليج أن يهتموا بفلسطين، بأزمتها المعتقة والمعقدة، بينما «العدو الفارسى» عند الباب. وفى أى حال فإسرائيل بعيدة، أما اليمن فهو خلف الباب.
 
ثم إن تمكين المملكة العربية السعودية، ومعها إمارات الخليج العربى من السيطرة، عبر اليمن، على بحر العرب ومضيق باب المندب يجعل البحر الأحمر بحيرة عربية.. ويمكن احتساب هذا الإنجاز فى خانة الاستعداد لمعركة الحزم الأخرى فى اتجاه فلسطين.
 
على أن الرئيس الأمريكى باراك أوباما عوّض التقصير، فقال فى مقابلة متلفزة خص بها قناة سعودية ما حرفيته: «إننا ملتزمون بأمن إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية»... فماذا يريد المزايدون العرب أكثر من هذا الالتزام بالأمن الموطد فعليا بالسلاح الأمريكى والمفاعل النووى فى إسرائيل، يقابله التصريح الرئاسى المتكرر عن «مشروع» إقامة دولة فلسطينية على ما يفيض عن حاجة إسرائيل إلى الأرض، بينما مساحة دولتها «ضيقة» جدا مما يضطرها ــ بمعدل مرة فى الشهر تقريبا ــ إلى الاستيلاء على أراض فلسطينية جديدة لإقامة مزيد من المستوطنات.. حتى لا تنشب حرب عنصرية بينهم.
 
فى أى حال فقد عاد ضيوف الرئيس الأمريكى من المحادثات معه فى كامب ديفيد أقل اطمئنانا، «فالقمة كانت ناجحة تماما، وقد أكدت واشنطن استمرار دعمها لحلفائها فى الخليج». وهذا الكلام مكرر ومعاد، لكن الموقف من إيران ظل ثابتا: ضرورة التفاهم معها مع تخليها عن مشروعها التوسعى. ولقد أغفل الرئيس الأمريكى الإشادة بنصرهم العسكرى.. بل لعله كان يفضل تجنب هذه الحرب، التى لم يشر إليها بكلمة.
 
صحيح أنهم سمعوا منه ما يريح أعصابهم: احترام كبير للملك (الغائب) سلمان، وتنويه بجهود ولى العهد محمد بن نايف فى مكافحة الإرهاب، وبشراسة ولى العهد محمد بن سلمان فى«عاصفة الحزم»..
 
لكن هذا لن ينهى عتب الملك الذى غاب لإظهار هذا العتب وعدم حماسة الإدارة الأمريكية لعاصفة الحزم أساسا.. مع أنهم سمعوا منه تجديدا للتعهد بمنع إيران من الحصول على «النووى» كما للتعهد بأن «جيوشنا جاهزة، إذا ما تهدد الخطر دول الخليج».
 
ولأن المشكلات أكثر من أن يحلها اجتماع واحد، فقد تم الاتفاق على عقد اجتماع آخر العام المقبل، وقبل أن ينهى أوباما المدة الثانية والأخيرة فى البيت الأبيض.. وفى استراحة كامب ديفيد، حين تدعو الحاجة.
 
ء----------------------------------
* نقلا عن الشروق المصرية، الأربعاء، 20/5/2015.

رابط دائم: