قضايا‮ "‬السياسة الدولية‮" ‬واتجاهات التغير العالمي
6-5-2015

د. أبو بكر الدسوقي
* مستشار تحرير مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام
ظلت‮ "‬السياسة الدولية‮"‬،‮ ‬منذ تأسيسها في يوليو عام‮ ‬1965،‮ ‬بمنزلة عين راصدة للأحداث الدولية،‮ ‬ومرآة تعكس واقع التفاعلات الإقليمية،‮ ‬تخضعها للبحث،‮ ‬والتحليل،‮ ‬والتفسير،‮ ‬من خلال أقسامها المختلفة، وتقدم رؤي موضوعية شاملة لقضايا العلاقات الدولية،‮ ‬علما وممارسة، فكانت،‮ ‬ولا تزال،‮ ‬بمنزلة شاهد عصر علي كافة الأحداث الدولية، ومرجعا أكاديميا موثوقا في الدوائر العلمية والسياسية كافة‮.‬
 
فمن خلال قراءة منتقاة لتطور قضايا‮ "‬السياسة الدولية‮"‬،‮ ‬عبر خمسين عاما،‮ ‬من خلال ما نشر في العام الأول للمجلة،‮ ‬والأعوام الأولي لعقود السبعينيات،‮ ‬والثمانينيات،‮ ‬والتسعينيات من القرن العشرين،‮ ‬والعام الأول من الألفية الجديدة،‮ ‬ثم السنوات الخمس الأخيرة، يمكننا أن نطالع شكل واتجاهات التغير العالمي‮.‬ فعند مراجعة قضايا العام الأول،‮ ‬نجد أن خلاصة ما نشر كان يعكس قضايا التفاعل الدولي بين القوي الكبري في مرحلة الحرب الباردة، حيث شهدت بداية حقبة الستينيات ذروة الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي،‮ ‬إبان أزمة الصواريخ في كوبا‮ ‬1962‭.‬‮ ‬لكن مع وصول الرئيس نيكسون لقمة السلطة في الولايات المتحدة عام‮ ‬1969،‮ ‬بدأ التفكير الجدي بين الدولتين في دخول مرحلة التعايش السلمي وعدم المواجهة، إدراكا لمصالح متبادلة بينهما، فكانت مرحلة الوفاق الوطني،‮ ‬التي استمرت حتي عام‮ ‬1976‭.‬
 
كما برز اهتمام مجلة‮ "‬السياسة الدولية‮" ‬بقضايا العالم الثالث كاهتمام أصيل،‮ ‬بحسباننا ننتمي لهذا العالم، وعلي نحو ما أراد جيل المؤسسين لهذه المجلة‮. ‬فجاءت قضايا‮ "‬السياسة الدولية‮"‬ مرحلة ما بعد الاستعمار في العالم الثالث، حيث اتجهت النخب الوطنية في الدول المستقلة حديثا نحو إعادة بناء بلدانها وتحقيق تطلعات الشعوب في الحرية والتنمية‮. ‬كذلك،‮ ‬عكست صراع القوي الكبري،‮ ‬حول دول العالم الثالث، والأزمات التي كانت قائمة آنذاك،‮ ‬مثل أزمات جنوب‮ ‬غربي إفريقيا وليبيريا، وأزمة فيتنام، والثورة في البحر الكاريبي، والإمبريالية الأمريكية،‮ ‬وقناة بنما، والاستعمار الإسباني في إفريقيا، والاستعمار البريطاني،‮ ‬ومشكلة روديسيا، والسياسة السوفيتية،‮ ‬والدول الأفرو-آسيوية، ودور حركة التضامن الأفرو-آسيوي،‮ ‬وأشكال الاستعمار الجديد والقديم‮.‬
 
كما رصدت قضايا السياسة الدولية علي المستوي العربي محاولات عربية‮  ‬لترسيخ النظام العربي من خلال محاولات جادة لتفعيل جامعة الدول العربية،‮ ‬وإقامة السوق العربية المشتركة، وانتهاج سياسة العمل العربي الجماعي،‮ ‬بعد فشل تجربة الوحدة المصرية‮ - ‬السورية في مطلع الستينيات‮.‬ ويلاحظ خلال هذه الفترة أن التطورات في الإقليم كانت في حالة سكون، ولم تكن هناك تفاعلات واضحة لدول الجوار الإقليمي‮.‬
 
وجاءت قضايا العام الأول من عقد السبعينيات‮ (‬يوليو‮ ‬1970‮ - ‬أبريل‮ ‬1971‮) ‬في الإطار الدولي لتعبر عن ملامح السياسة الأمريكية عبر العالم،‮ ‬سواء في استحواذ الاستراتيجية البترولية الأمريكية علي الشرق الأوسط، أو الدور العسكري الأمريكي المتنامي،‮ ‬مثل المغامرة العسكرية في كمبوديا، وتطورات‮ "‬الحرب الأمريكية في فيتنام‮"‬، وتصفية الاستعمار الأمريكي في الهند‮ - ‬الصينية‮.‬
 
كما أشارت قضايا‮ "‬السياسة الدولية‮" ‬إلي تطورات مغايرة عربيا وإقليميا، حيث تناولت‮  ‬تطورات الصراع العربي‮ - ‬الإسرائيلي بعد هزيمة‮  ‬1967،‮ ‬واحتلال إسرائيل للأراضي العربية، وتصعيد المجابهة العربية لإسرائيل عسكريا ودبلوماسيا، وصولا لوقف إطلاق النار،‮ ‬في إطار حرب الاستنزاف التي شنتها مصر،‮ ‬رفضا منها لاستمرار عدوان واحتلال إسرائيل للأراضي العربية، ولتأكيد قدرة مصر علي المبادرة بعد نجاحها في إعادة بناء قواتها المسلحة، وكذلك مراجعة سياستها الخارجية،‮ ‬بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر في سبتمبر‮ ‬1970‭.‬‮ ‬ثم كان التطور الأكثر أهمية بانتصار العرب في حرب أكتوبر1973،‮ ‬التي أسهمت بشكل قوي في حدوث تغيرات كبري في المنطقة باستعادة توازن القوي بين العرب وإسرائيل، وتحريك المجتمع الدولي للتجاوب مع المطالب المصرية، ووصول هذا الصراع إلي مرفأ التسوية السلمية،‮ ‬بعد مبادرة السادات الشهيرة بزيارته للقدس، ومفاوضات كامب ديفيد، ثم توقيع معاهدة السلام المصرية‮ - ‬الإسرائيلية عام‮ ‬1979،‮ ‬حيث رصدت قضايا السياسة الدولية المفاوضات الثلاثية من أجل فلسطين، ونتائج مفاوضات التطبيع بين مصر وإسرائيل، والدبلوماسية العربية تجاه مدينة القدس، وتطور علاقات مصر مع العالم العربي،‮ ‬بعد المقاطعة العربية لها، وتداعيات ذلك علي النظام العربي الجديد‮.‬
 
كما جاءت قضايا العالم الثالث في صدارة الاهتمام،‮ ‬مثل قضايا روديسيا، وفيتنام، وكمبوديا، وثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق، ومستقبل الأكراد في المنطقة العربية، وقضية إريتريا بين الحكم الذاتي والانفصالية، واليسار الجديد في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، ومشكلة اللاجئين، كما عبرت أيضا عن علاقة المنظمات الدولية بقضايا العالم الثالث، حيث تعرضت لـ‮ "‬دور الأمم المتحدة في تصفية الاستعمار‮"‬، وفي تحقيق التنمية الاقتصادية في العالم الثالث‮.‬
 
أما في بداية عقد الثمانينيات‮ (‬يوليو‮ ‬1980‮ - ‬أبريل‮ ‬1981‮)‬،‮ ‬فقد جاءت قضايا‮ "‬السياسة الدولية‮" ‬لتبرز ملامح الانفراج علي مستوي الصراع الدولي بين القوتين العظميين الذي كان سائدا حتي عام‮ ‬1976،‮ ‬وانتهي فعليا بغزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان عام‮ ‬1979،‮ ‬وتفاعلات القوي الكبري مع القوي الإقليمية،‮ ‬خلال عقد السبعينيات، مثل‮ "‬ظاهرة الحوار في عصر الانفراج الدولي‮"‬، و"مؤتمر القمة الأخير لدول حلف وارسو‮"‬،‮ ‬و"العلاقات السوفيتية‮ - ‬السورية‮"‬، و"اتفاقية الجزائر ومستقبل العلاقات الأمريكية‮ - ‬الإيرانية‮"‬،‮ ‬حيث وقعت في الجزائر اتفاقية بين الولايات المتحدة وإيران،‮ ‬في‮ ‬20‮ ‬يناير‮ ‬1981،‮ ‬لإطلاق سراح‮ ‬52‮ ‬رهينة أمريكية احتجزوا في إيران لمدة‮ ‬444‮ ‬يوما،‮ ‬بعد اقتحام طلاب إسلاميين للسفارة الأمريكية في طهران،‮ ‬دعما للثورة الإيرانية‮.‬
 
وفي الفترة ذاتها،‮ ‬طرح الرئيس الأمريكي ريجان عند توليه الحكم خيارات استراتيجية جديدة للتعامل مع السوفيت، حيث استخدم سياسة الترهيب والقوة، وشرع في استنزاف قدراتهم الاقتصادية في سباق التسلح، وإطلاق مبدأ عسكرة الفضاء،‮ ‬أو مبادرة الدفاع الاستراتيجي‮ ‬(SDI)، وصولا لمبادرة‮ "‬بريجينيف‮" ‬الخليجية، التي أطلقها الرئيس السوفيتي من أجل عدم التدخل في دول جنوب‮ ‬غرب آسيا، بما يعني صراحة خروج الأمريكيين من الخليج العربي،‮ ‬والعمل علي تحييده، وهو ما رفضته الولايات المتحدة،‮ ‬واشترطت خروج السوفيت من أفغانستان‮.‬
 
وعكست قضايا العام ذاته التطورات علي مستوي الأمن والصراع في الشرق الأوسط،‮ ‬في إطار الحرب العراقية‮ - ‬الإيرانية، وكذلك الأبعاد الدولية للبرنامج النووي العراقي، وأبعاد الخطر الذري في الشرق الأوسط‮.‬ وتواصل الاهتمام بقضايا العالم الثالث،‮ ‬مثل قضايا‮ "‬اليسار والعنف السياسي في أمريكا اللاتينية‮"‬، و"ليبيريا بعد الانقلاب العسكري الأول‮"‬، و"الصراع في جنوب إفريقيا‮"‬، و"الهند في مواجهة التيارات الانفصالية‮"‬، و"بوليفيا بين الديمقراطية وحكم العسكر‮"‬، و"مشكلة الخلافة السياسية في يوغوسلافيا‮"‬، و"المقاومة الأفغانية من أجل التحرر الوطني‮"‬، و"مؤتمر جنيف ومستقبل ناميبيا‮".‬
 
كما أبرز العام الأول من عقد التسعينيات العديد من التطورات المهمة دوليا،‮ ‬وعربيا،‮ ‬ومصريا‮. ‬فدوليا،‮ ‬عكست حالة الصراع الدولي بين القوتين العظميين،‮ ‬في ضوء قمة بوش‮ - ‬جورباتشوف،‮ ‬والمقدمات الدالة علي قرب انهيار الاتحاد السوفيتي،‮ ‬مثل التغيرات الاقتصادية في أوروبا الشرقية وأزمة القوميات، وظهور ألمانيا الموحدة بعد انهيار سور برلين، والانهيار الاقتصادي في الاتحاد السوفيتي، وانعكاسات ذلك علي الدول النامية، وأسباب حل منظمة‮ "‬الكوميكون‮"‬،‮ ‬وهي المنظمة الاقتصادية للكتلة الشرقية،‮ ‬التي كانت تسمي مجلس التعاون الاقتصادي المتبادل‮.‬
 
وعربيا،‮ ‬أولت قضايا‮ "‬السياسة الدولية‮" ‬اهتماما خاصا بقضايا الأمن القومي العربي،‮ ‬في ضوء قمة بغداد الطارئة، وأبعاد ونتائج الغزو العراقي‮ - ‬الإيراني، وتطورات واحتمالات‮ "‬أزمة الخليج الثانية‮"‬، ثم حرب‮ "‬تحرير الكويت التي حملت معها رياح التغيير في المجتمع الدولي‮".‬ كما احتلت قضايا الصراع العربي‮ - ‬الإسرائيلي صدارة المشهد الإقليمي،‮ ‬ممثلة في تطورات الأوضاع في مدينة القدس المحتلة، ومخططات إسرائيل في الضفة الغربية، والاتجاه نحو تسوية الأزمة اللبنانية، وصولا لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام الذي فتح الباب واسعا لتطورات وتحولات مهمة علي كافة مسارت الصراع بالتوصل لاتفاقات تسوية سلمية بين‮  ‬العرب وإسرائيل،‮ ‬مثل اتفاق أوسلو عام‮ ‬1993،‮ ‬واتفاق وادي عربة عام‮ ‬‭.‬1994‮ ‬كما شهدت هذه الفترة بداية ظهور أول أزمة في الجزائر بين قوي الإسلام السياسي والتغير الديمقراطي، وبداية التنبؤ بأزمات المياه في الشرق الأوسط وإفريقيا، في حين تراجع الاهتمام بقضايا العالم الثالث كثيرا، ولم يكن هناك ذكر سوي للحرب الأهلية في ليبيريا‮.‬
 
ومصريا،‮ ‬فقد عبر عن تنامي قضايا السياسة الخارجية المصرية،‮ ‬ممثلا في بداية الحوار بين طوكيو والقاهرة في ضوء بروز قوة اليابان الاقتصادية وسياساتها الخارجية الجديدة، وكذلك اهتمام مصر بقضايا النظام الدولي، وظهور إرهاصات التعاون الإسرائيلي‮ - ‬الإثيوبي،‮ ‬وأثره علي الأمن القومي المصري، والبحث في مستقبل العلاقات المصرية‮ - ‬السودانية‮.‬
 
أما في بداية الألفية الجديدة‮ (‬2000‮-‬2001‮)‬،‮ ‬فقد رصدت قضايا السياسة الدولية تغيرات مهمة علي المستوي الدولي، حيث سعت اليابان بحثا عن دور عالمي جديد، وتولي جورج دبليو بوش الذي جاء بسياسات أكثر راديكالية من سلفه بيل كلينتون رئاسة الولايات المتحدة، وكذلك انضمام رومانيا،‮ ‬إحدي دول الكتلة الشرقية سابقا،‮ ‬في الاتحاد الأوروبي والناتو‮. ‬وقبل أن ينتهي العام،‮ ‬جاءت أحداث‮ ‬11‮ ‬سبتمبر‮ ‬2001‮ ‬لتفتح ملفات جديدة في سياسة الولايات المتحدة تجاه العالم،‮ ‬وفي حربها علي الإرهاب الذي ذهب بها بعيدا باحتلال أفغانستان لقتال القاعدة،‮ ‬وإسقاط نظام طالبان، وأيضا احتلال العراق لإسقاط نظام صدام حسين في عام‮ ‬2003‭.‬‮ ‬بل شكلت آحداث‮ ‬11‮ ‬سبتمبر منعطفا جديدا في العلاقة بين العالم الغربي والعالم الإسلامي‮.‬
 
أما علي المستوي العربي، فقد جاءت قضايا الصراع العربي‮ - ‬الإسرائيلي في المقدمة بمعالجة تداعيات وفاة حافظ الأسد علي الصراع العربي‮ - ‬الإسرائيلي، ومستقبل لبنان بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، والتقارب الاستراتيجي الجديد بين إسرائيل والصين، وتطورات الانتفاضة الثانية وهل هي عودة إلي الحرب،‮ ‬أم بحث عن السلام،‮ ‬خاصة في ظل بداية عصر شارون،‮ ‬في حين اقتصرت تطورات العالم الثالث علي قضايا القارة الإفريقية،‮ ‬مثل مستقبل الحكم في السودان، وعودة الاهتمام بقناة جونجلي، والتطورات في كوت ديفوار وطريقها الصعب نحو الديمقراطية، والإيكواس وتسوية الصراعات المسلحة في‮ ‬غرب إفريقيا، وأزمة لوكيربي، ومستقبل إفريقيا علي أعتاب ألفية جديدة‮.‬
 
ثم نأتي لتطورات السنوات الخمس الأخيرة‮ (‬2011‮-‬2015‮)‬، حيث تفجرت خلالها العديد من التطورات الدولية والإقليمية المهمة‮.‬ وقد واكبت‮ "‬السياسة الدولية‮" ‬هذه الأحداث بإصدار ملحقين جديدين منذ عدد أبريل‮ ‬2011،‮ ‬هما‮ "‬اتجاهات نظرية‮"‬، و"تحولات استراتيجية‮"‬، من أجل متابعة أكثر شمولا،‮ ‬وتحليل أكثر عمقا للتطورات الجارية‮.‬
 
فعلي مستوي النظام الدولي،‮ ‬نجد أن هناك عالما دوليا لا تزال تتصدره الولايات المتحدة،‮ ‬رغم كل أزماتها الداخلية والخارجية،‮ ‬مع وجود مؤشرات لصعود روسيا والصين يلاحقهما الاتحاد الأوروبي،‮ ‬واليابان،‮ ‬والقوي الصاعدة في الدول النامية‮.‬ وقد عكست قضايا‮ "‬السياسة الدولية‮" ‬تحولات موازين القوة في عالم بلا أقطاب، وأزمة النظام العالمي، وماذا تبقي من قواعده،‮ ‬وتأثيرات الدول الصاعدة في النظام الدولي، وتقييم أدوار القوي المحورية في مرحلة السيولة الدولية، وأحداث القرم، واحتمالات عودة الحرب الباردة مجددا، وأيضا تأثير التطورات في مجال الطاقة في النظام الدولي‮.‬
 
كما عكست سياسات القوي الكبري الحالة التي تمر بها هذه الدول، مثل‮  ‬الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في منطقة الباسيفيكي، وأزمة القيادة والسياسة الأمريكية تجاه آسيا، وخروج القوي الكبري من مناطق التدخل‮ "‬الولايات المتحدة نموذجا‮".‬ وتُعد هذه القضايا بمنزلة نماذج معبرة عن حالة التراجع الأمريكي، مثلما كانت هناك قضايا تشير لصعود القوي الأخري،‮ ‬مثل عودة بوتين‮ .. ‬تحديات وطموحات روسيا بعد الانتخابات الرئاسية، والقطب العائد‮ .. ‬الدور الروسي في سياق إقليمي جديد، وركائز استراتيجية الصعود الصيني، وفرص ومخاطر عودة القوة اليابانية‮.‬
 
كما عكست هذه القضايا تفاعلات القوي الكبري فيما بينها،‮ ‬وإلي أي مدي،‮ ‬وصلت حالة التنافس بينها،‮ ‬مثل تحولات السياسة الروسية تجاه الولايات المتحدة، ومستقبل العلاقات الصينية‮ - ‬الأمريكية، وحسابات القطب الروسي في الأزمة الأوكرانية، وأبعاد الموقف الغربي من الأزمة الأوكرانية‮.‬
 
وعلي المستوي العربي،‮ ‬تفجرت‮ "‬ثورات الربيع العربي‮" ‬منذ بداية عام‮ ‬2011،‮ ‬التي أحدثت تغيرات كبري في المنطقة العربية‮. ‬حيث شهدت المنطقة حالة من‮ "‬الانتفاضات المتتالية‮" ‬تسببت في انهيار النظم السياسية،‮ ‬بعد أن ثارت الجماهير ضد النخب الفاسدة والمستبدة‮. ‬ومن ثم،‮ ‬كانت هناك ضرورة للتعرف علي المفاهيم الخاصة بتحليل وانهيار النظم السياسية، والأطر التحليلية لفهم التحولات الكبري في مراحل ما بعد الثورات‮.‬ كما عرضت قضايا هذه الفترة لأزمات ما بعد التغيير،‮ ‬وفي مقدمتها فشل الحقبة الإسلامية،‮ ‬وإشكاليات تأسيس نموذج إسلامي في السياسة العربية، وتعثر الدول في المراحل الانتقالية،‮ ‬وأزمات العدالة الانتقالية، والقيادة، وعدم الاستقرار، وصراعات ما بعد الثورات العربية، وظهور أزمات التفكك، وانتشار ظاهرة العنف، وظهور أجيال جديدة للعنف والإرهاب،‮ ‬وفي مقدمتها تنظيم‮ "‬داعش‮"‬،‮ ‬وتناقضات الحرب الدولية في مواجهته، وتنامي خطاب المؤامرة، وصناعة الكراهية في المنطقة العربية‮.‬
 
ولا يمكن إغفال ما أحدثته الثورات العربية من تغيرات كبري شملت السياسات الخارجية لدول الثورات العربية، وتفاعلات القوي الدولية معها، وتأثير الثورات العربية في سياسات القوي الكبري تجاه المنطقة، حيث شهدت تغيرا في السياسات الروسية والأمريكية تجاه سوريا،‮ ‬ومصر،‮ ‬وليبيا،‮ ‬ودول الخليج العربي‮.‬ بل الأكثر من ذلك،‮ ‬تناول أثر الثورات العربية علي التحولات في هيكل النظام الدولي‮.‬ ويلاحظ في هذا الإطار أن الإقليم العربي أصبح صانعا للأحداث ومؤثرا فيها علي المستويين الإقليمي والدولي،‮ ‬محدثا زخما متسارعا لم تشهده المنطقة منذ عقود‮.‬
 
كما كان هناك اهتمام خاص بتقديم نماذج مختلفة للثورات،‮ ‬سواء في سوريا، أوفي مصر،‮ ‬بعد ثورتي‮ ‬25‮ ‬يناير، و30‮ ‬يونيو، ومتابعات للأحداث المستمرة في ليبيا،‮ ‬وتونس،‮ ‬واليمن‮.‬ كما أولت أهمية للقوي الجديدة الأكثر تأثيرا في مرحلة ما بعد الثورات،‮ ‬مثل دور الشارع، والفاعلين من‮ ‬غير الدول‮.‬
 
كما تراجعت قضايا الصراع العربي‮ - ‬الإسرائيلي عن موقعها التقليدي في صدارة الأحداث الإقليمية لمصلحة القضايا الداخلية في البلدان العربية وتقدمها علي ما سواها، والاكتفاء بمتابعة المستجدات،‮ ‬مثل العدوان الإسرائيلي علي‮ ‬غزة، وحصول فلسطين علي وضع‮ "‬دولة مراقب‮" ‬في الأمم المتحدة، ومعضلات الدولة الفلسطينية في سياق إقليمي مغاير، وتعقيدات تبادل الأراضي، وتحديات المصالحة الفلسطينية،‮ ‬ودوافع وآفاق المفاوضات الفلسطينية‮ - ‬الإسرائيلية، والحرب الإسرائيلية الثالثة علي‮ ‬غزة، وجدوي الاعتراف بدولة فلسطينية‮.‬
 
إقليميا،‮ ‬عبرت قضايا‮ "‬السياسة الدولية‮" ‬عن حالة‮ "‬السيولة الإقليمية‮" ‬التي يمر بها الشرق الأوسط،‮ ‬فجاء التفكير في مستقبل الشرق الأوسط،‮ ‬في إطار التطورات الكاشفة عن أزماته، ومحاولة معرفة الملامح الأولية لتشكل بنية استراتيجية جديدة في الإقليم، ومحاولة فهم الواقع في إطار التحولات الهيكلية الكبري في الشرق الأوسط، وكيفية مواجهة الأزمات التي تواجهه،‮ ‬مثل كيفية إدارة العلاقات الإقليمية، واحتمالات الحروب القادمة، وحدود السلطة، وصراعات الهوية، وكذلك محاولة رصد الأدوار المتحولة للاعبين الأساسيين في الشرق الأوسط، مثل بروز الدور التركي في إطار العثمانية الجديدة، كذلك تنامي الدور الإيراني خلال حقبة روحاني، والنظام الإقليمي‮ - ‬العربي في مواجهة مخاطر الانقسام والطائفية‮.‬  والشيء اللافت للنظر أن القضايا العربية والإقليمية قد نالت الاهتمام الأكبر،‮ ‬بعد تفجر ثورات الربيع العربي علي حساب قضايا النظام الدولي‮.‬
 
وخلال هذه الفترة،‮ ‬برز الاهتمام مجددا بدائرة السياسة الخارجية المصرية لتواكب التطلعات الثورية بعودة دور مصر الإقليمي الفعال،‮ ‬في إطار سياسة خارجية مستقلة تسعي لتحقيق المصالح الوطنية المصرية‮. ‬ولذلك،‮ ‬كانت قضايا السياسة الخارجية مادة ثرية لمناقشات‮ "‬المائدة المستديرة‮"‬، و"الحلقات النقاشية‮"‬،‮ ‬و"حوارات السياسة الدولية‮"‬،‮ ‬حيث حرصت،‮ ‬خلال الفترة التي تشرفت فيها برئاسة تحرير مجلة‮ "‬السياسة الدولية‮" (‬2012‮-‬2014‮)‬،‮ ‬علي أن تكون المجلة بمنزلة مركز للتفكير وللنقاش الحر بين الخبراء وصناع القرار، بهدف وضع تصورات وطرح رؤي لسياسة خارجية فعالة، ومحاولة تحديد دور ومكانة مصر في واقع إقليمي جديد، وعرض للإشكاليات والتحديات التي تواجه السياسة الخارجية المصرية، مثل أزمة سد النهضة، وعلاقات مصر بالقوي الكبري‮ (‬الولايات المتحدة، وروسيا الاتحادية، والصين‮)‬، والموقف المصري تجاه الأزمة في سوريا، وتداعيات المفاوضات الغربية‮ - ‬الإيرانية،‮ ‬في إطار البرنامج النووي الإيراني،‮ ‬علي أمن الخليج العربي، وصورة مصر في العالم العربي، ومستقبل الدور الخليجي في ظل التطورات الراهنة، والعلاقات المصرية‮ - ‬الإريترية، ودور الجامعة العربية ومواقفها تجاه تطورات الربيع العربي، وكذلك مناقشة ثوابت ومستجدات السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة‮ ‬30‮ ‬يونيو،‮ ‬والتحديات الخارجية التي تواجه مصر في ظل الجمهورية الثالثة‮.‬
 
وقد بدا خلال الفترة ذاتها أن هناك تقدما لقضايا القارة الإفريقية،‮ ‬وتراجعا لقضايا العالم الثالث، حيث تمت معالجة الأزمات في ساحل العاج،‮ ‬وجنوب السودان،‮ ‬ونيجيريا،‮ ‬وشمال مالي،‮ ‬وإفريقيا الوسطي، ومعالجة شاملة لأزمة سد النهضة وتأثيراته في حصة مصر والسودان المائية من نهر النيل‮.‬ في حين كانت هناك معالجات محدودة لقضايا العالم الثالث، وجاءت في شكل الاهتمام بكل دولة علي حدة،‮ ‬طبقا لتطورات الأحداث، مثل حدود التغير في السياسة الخارجية البرازيلية، وحدود التغيير في فنزويلا بعد شافيز، والتمييز الطائفي ضد المسلمين في ميانمار‮.‬
 
كما احتلت دائرة الاهتمام قضايا جديدة،‮ ‬مثل تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وآثارها السياسية والاقتصادية، وقضايا القرصنة السياسية عبر الفضاء السياسي، ومخاطر إدارة الإنترنت علي الأمن الشخصي المعلوماتي، والإعلام الرقمي وأثره علي السياسة العربية، وإشكاليات التجسس الإلكتروني في العلاقات الدولية،‮ ‬والعولمة ودور المنظمات‮ ‬غير الحكومية، وكذلك دور الفرد كظاهرة جديدة في العلاقات الدولية‮.‬
 
هكذا،‮ ‬تغير العالم، ولكن كيف كانت اتجاهات التغير؟‮. ‬لعلنا نلاحظ،‮ ‬من خلال قراءة قضايا السياسة الدولية عبر الأعوام الخمسين الماضية،‮ ‬أن العالم قد تغير في اتجاهات عدة‮:‬
 
أولا‮- ‬إتجاه تدافعي، فهناك تغير شهدته قمة النظام الدولي‮. ‬فمن عالم‮  ‬تسوده مرحلة القطبية الثنائية،‮ ‬إبان الحرب الباردة، إلي عالم تسوده القطبية الأحادية والهيمنة الأمريكية، إلي عالم آخر تتدافع فيه القوي العالمية‮  ‬لكي تحجز مقعدا في قمة النظام الدولي،‮ ‬في ظل اتجاه يسير نحو عالم التعددية القطبية‮.‬
 
ثانيا‮- ‬اتجاه كوني إدماجي،  فهناك تغير علي المستوي الاقتصاد العالمي‮.‬ فمن نظام اقتصادي عالمي منقسم بين الكتلتين‮ - ‬الاشتراكية والرأسمالية‮ -  ‬إلي اقتصاد عالمي تسوده الرأسمالية وتدمجه العولمة‮.‬ فقد انتقل الثقل الاقتصادي العالمي من منظمة الكوميكون الاقتصادية لدول الكتلة الشرقية،‮ ‬إلي الاتحاد الأوروبي،‮ ‬ومجموعة الثماني الكبار، فضلا عن صعود التنين الصيني الذي لايتوقف عن الصعود، ومن محاولات التعاون الاقتصادي المحدود بين الدول النامية إلي تكتل‮ "‬بريكس‮" ‬الذي يضم الدول النامية الصاعدة،‮ ‬ويسعي لكسر الاحتكار الغربي للاقتصاد العالمي‮.‬
 
ثالثا‮- ‬اتجاه ثوري، حيث يسود المنطقة العربية حالة تغير كبري بما أحدثته ثورات الربيع من تغيرات تمس البنية الداخلية للنظم السياسية، وما سببته من ارتباك لسياسات القوي العالمية،‮ ‬وما فرضته من سيولة في التفاعلات الإقليمية، وأيضا استمرارية الحدث الثوري،‮ ‬حيث نجد دولا تتماسك وتتقدم بسبب قوة عناصر الدفع بها، وأخري تتصدع وتتهاوي بسبب‮  ‬تعدد مصادر التوتر،‮ ‬والصراع،‮ ‬وغياب عدم الاستقرار، وهي الأعراض التي قد تنبئ بتغير موازين القوي الإقليمية،‮ ‬أو بتغير شكل خريطة الإقليم‮.‬
 
رابعا‮- ‬اتجاه انعزالي، حيث‮ ‬غاب دور حركات التعاون الكبري بين دول العالم الثالث، فلا يكاد يري دور فعال‮  ‬لحركات التضامن الأفرو-آسيوي،‮ ‬أو حركة عدم الانحياز،‮ ‬أو حتي المؤتمر الإسلامي،‮ ‬باستثناء اجتماعات بروتوكولية تعقد بشكل دوري لا تروي ظمأً‮.‬ وهذه الحركات كانت تقود تفاعلات العالم الثالث في الخمسينيات والستينيات،‮ ‬وتفرض أجندتها علي مسار الأحداث الدولية‮.‬ ولكن يبدو أن الدول قد استعاضت عن هذه الحركات بما يسمي التكتلات الإقليمية في إفريقيا،‮ ‬وآسيا،‮ ‬وأمريكا اللاتينية،‮ ‬كل علي حدة‮.‬
 
خامسا‮- ‬إتجاه تراجعي، فقد توارت نحو الظل تطورات الصراع العربي‮ - ‬الإسرائيلي، وتراجعت القضية الفلسطينية عن صدارة المشهد الإقليمي والعالمي‮.‬ وهي القضية التي اشتعلت من أجلها الحروب،‮ ‬وعُقدت لها المؤتمرات الكبري، وصدرت بشأنها العديد من قرارات الأمم المتحدة‮.‬ والآن لم تعد القضية تلقي مثل ذاك الزخم التي شهدته العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين،‮ ‬ربما بسبب إطالة أمد هذه القضية ذات التعقيدات الكثيرة، أو بسبب تعنت الحكومات الإسرائيلية،‮ ‬والمماطلة في تنفيذ الاتفاقات المبرمة، أو تغير اهتمامات الأجندة العالمية،‮ ‬في ظل تقاعس الإدارات الأمريكية في مواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلي،‮ ‬أو بسبب انصراف الأطراف إلي شئونها الداخلية،‮ ‬تحت وطأة الثورات، أو بسبب انقسام الموقف الداخلي للقوي الفلسطينية لفترات طويلة بين حركتي فتح وحماس‮.‬
 
وأخيرا،‮ ‬يمكن القول إن العالم قد تغير،‮ ‬وإن هناك اتجاهات عديدة للتغير سياسيا،‮ ‬واقتصاديا،‮ ‬وأمنيا،‮ ‬وثقافيا علي مستوي العالم والإقليم‮.‬ ولعل ملف العدد‮ "‬الخمسيني‮" ‬للسياسة الدولية يكون أكثر شمولا في تقديم مقاربات أكثر تفصيلا في إجاباتها علي التساؤل الرئيسي الذي يشغل أجندة التفكير العالمي،‮ ‬وهو‮: ‬ماذا تغير في العالم؟‮.‬
 
طرحت‮ "‬السياسة الدولية‮" ‬هذا التساؤل علي مجموعة من المفكرين،‮  ‬والأكاديميين،‮ ‬والخبراء النابهين في محاولة لمعرفة رؤاهم حول أسباب التغير العالمي، فقدم لنا الأستاذ السيد يسين‮ "‬الخريطة المعرفية للتغير العالمي الشامل‮"‬، وحدد د‮. ‬مصطفي كامل السيد ‮"‬الفاعلين الجدد علي مسرح السياسة العالمية‮"‬،‮ ‬في حين رصد لنا د‮. ‬عبدالمنعم المشاط‮ "‬تحولات السياسة الخارجية الأمريكية وتأثيرها في العلاقات الدولية‮"‬، وقدم الأستاذ‮  ‬محمد عبدالله يونس رؤيته لـ‮ "‬تحولات النظام الدولي خلال خمسين عاما‮"‬، في حين تناول د‮. ‬أحمد الرشيدي‮  ‬قضية‮ "‬الأمم المتحدة بين المراجعة والتطوير‮"‬، وعرض د‮. ‬إيهاب الدسوقي للاتجاهات الرئيسية لتطور الاقتصاد العالمي، وتبعه د‮. ‬محمد عبد الشفيع عيسي بعرضه لـ‮ "‬التكتلات الاقتصادية الدولية‮ .. ‬تجمع‮ "‬بريكس‮" ‬نموذجا‮".‬ أما د‮. ‬شادي عبدالوهاب،‮ ‬فقدم أطرا نظرية‮  ‬لـ‮ "‬الحروب‮ ‬غير المتماثلة‮"‬، وعرض د‮. ‬عادل عبدالصادق لأطروحته حول‮ "‬الفضاء الإلكتروني وإشكاليات نظرية العلاقات الدولية‮"‬، بينما قدم د‮. ‬حمدي عبدالرحمن لطبيعة العلاقة بين‮ "‬إفريقيا والنظام الدولي‮ .. ‬جدلية التهميش والنهوض‮"‬،  ومثله فعل د‮. ‬رضا محمد هلال  بتقديمه للعلاقة بين‮ "‬الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية‮ .. ‬نصف قرن للخروج من شرنقة الفناء الخلفي‮".‬ وأخيرا،‮ ‬عرض الأستاذ جمال أبو الحسن لجدلية‮ "‬الاستمرار والتغير في سياسات مصر الإقليمية‮".‬
 
* تقديم ملف العدد 200 لمجلة السياسة الدولية، إبريل 2015 والذي جاء تحت عنوان" 1965-2015 .. ماذا تغير في العالم ؟"

رابط دائم: