هل توجد نخبة مدنية فى مصر الآن؟
5-5-2015

د. وحيد عبد المجيد
* مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
تحفز مقالتا د.عبد المنعم سعيد حول النخبة المدنية، («المصرى اليوم» 19و21 إبريل)، على التفكير فى حال مصر ومآلها. والفكرة المحورية فى هاتين المقالتين المهمتين هى معاناة مصر من مرض نقص المناعة لأسباب فى مقدمتها وجود نخبة مدنية رخوة عاجزة عن التغيير، وهشاشة الأحزاب ونزوعها المستمر إلى التفكك والانقسام والطفولة السياسية والانتخابية.
 
وتثير المقالتان سؤالاً عما إذا كانت المشكلة فى ضعف النخبة المدنية ورخاوتها، أم فى عدم وجود هذه النخبة فى المجال السياسى (النخبة السياسية) بالمعنى المحدد لمفهوم النخبة. كما أنهما تستدعيان مسألة الضعف التاريخى للأحزاب حتى عندما كانت هناك نخبة مدنية مؤثرة.
 
وربما لا يكون الفرق كبيراً بين الحديث عن نخبة مدنية شديدة الضعف على النحو الذى طرحه. د. سعيد، والتساؤل عما إذا كانت هذه النخبة موجودة أصلاً، بعد تجفيف منابع السياسة لمدة 25 عاماً عقب ثورة 1952، وتهميشها على مدى 35 عاما أخرى، فضلاً عن التجريف الذى حدث فى المجتمع عموماً، وفى التعليم بصفة خاصة. غير أن هذا الفرق يظل مهما فى تحديد حجم المشكلة.
 
والحال أنه عندما يشتد ضعف النخبة، يصبح وجودها الرخو غير مؤثر إلى الحد الذى قد لا يختلف عن عدم وجودها. ولا ينفى ذلك وجود أعداد قليلة للغاية ممن ينطبق عليهم مفهوم «النخبة السياسية المدنية».
 
ولذلك يظل من الضرورى التساؤل عما إذا كانت هناك نخبة سياسية مدنية فى مصر اليوم بالمعنى الذى ظهر مفهوم النخبة للدلالة عليه، وهو التميز النسبى فى أى مجال (سياسى- اقتصادى- ثقافى- قانونى- علمى.. إلخ).
 
والملاحظ بداية أن تعبير النخبة السياسية يُطلق فى مصر الآن على من يُعد مفهوم «الشخصيات السياسية العامة» أكثر دقة فى وصفهم. ولكن الشخص العام ليس إلا المقابل للإنسان الخاص الذى لا يتجاوز اهتمام دائرته الضيقة التى تتركز غالباً فى عائلته وعمله.
 
ويختلف هذا المفهوم «الشخص السياسى العام» عن مفهوم النخبة الذى بدأ استخدامه فى القرن السابع عشر لوصف السلع المميزة أو الأكثر جودة، قبل أن يمتد استعماله ليشمل الفئات الاجتماعية الأقوى مثل النبلاء والوحدات العسكرية الخاصة (مازال تعبير «قوات النخبة» مستخدماً فى بعض الجيوش).
 
وكان ذلك قبل أن يبدأ التنظير العلمى والفلسفى لمفهوم النخبة، فقد شهد هذا المفهموم تطورا مستمرا فى علم الاجتماع منذ أن استخدمه الإيطاليان باريتو وموسكا للدلالة على أن اختلاف القدرات الفردية يقسم أى مجتمع إلى أقلية مهيمنة وأغلبية خاضعة.
 
كما لم تكن الفلسفات التى مجدت القوة مثل فلسفة البطل عند توماس كارليل، ومبدأ الرجل المتفوق لدى نيتشه «السوبرمان» إلا تفريعات على فكرة النخبة، قبل أن يشيع استخدامها للدلالة على التميز النسبى بوجه عام.
 
ويفترض مفهوم النخبة على هذا النحو مستوى معيناً من الأداء والمعرفة، ويبدو هذا المستوى مفقوداً فى مصر الآن إلا فيما قل أو ندر. وفى معظم الأحيان لا نجد فى أداء معظم من يمارسون العمل السياسى، ولا فى طرق تفكيرهم، ما يُلهم قطاعات يُعتد بها من الرأى العام أو يجذبه. ولذلك تعجز الأحزاب المدنية عن تكوين قواعد شعبية لها. ولكن هذه الأحزاب لم تكن قوية فى أى وقت مضى.
 
وتعود تاريخية هذا الضعف إلى عدم توفر العوامل الموضوعية اللازمة لنموها وتطورها. فالقواسم المشتركة بين حالات تطور الأحزاب فى العالم تفيد أن استمرار العمل الحزبى بدون انقطاع لفترة طويلة فى بيئة مفتوحة شرط لتحقيق التراكم الضرورى لنموها. ولم يحدث هذا فى مصر على مدى أكثر من قرن منذ أن عرفنا الظاهرة الحزبية بمعناها الحديث عام 1907. فقد حدث أول انقطاع بعد 7 سنوات فقط حين نشبت الحرب الأولى وفُرضت الحماية البريطانية. كما حدث انقطاع آخر بعد ثلاثة عقود على نشأتها الثانية عندما حظرت سلطة ثورة 23 يوليو وجودها.
 
أما النشأة الثالثة للأحزاب عام 1976 فقد جاءت مشوهة ومقيدة ومحكومة بقبضة قوية. فلم تخرج الأحزاب للحياة من خلال ولادة طبيعية، بل عبر عملية تعسفية لبناء نظام حزبى خاضع للسلطة. وحوصرت الأحزاب بعد شهور من إعلان التعددية (عقب انتفاضة يناير 1977) داخل مقراتها، وتعرضت لقمع أخذ يقل كلما ازداد أثره فى إضعافها، فى الوقت الذى فتحت الأبواب أمام جماعة «الإخوان» للتغلغل فى المجتمع من خلال العمل الاجتماعى، حيث مُنحت أكثر من ألف جمعية مشهرة رسمياً، وعبر استثمار أعضائها فى مجالات بعضها شديد الحساسية مثل التعليم.
 
وساهم الضعف المتزايد الذى أصاب النخبة السياسية المدنية فى تحول الأحزاب إلى «هياكل عظمية»، فصارت إما مجهولة لا يعرفها قطاع واسع من الجمهور، أو غير مرئية لا يراها من يسمعون عنها بالعين المجردة.
 
وهكذا ارتبط تدهور النخبة السياسية المدنية فى العقود الأخيرة بتراجع الأحزاب إلى أدنى مستوى لها فى تاريخ مصر الحزبى. ولذلك لم تكن تلك النخبة فى حالة تمكنها من استثمار التغيير الذى حدث عقب ثورة يناير، سواء لتفعيل أحزاب كانت قائمة أو لبناء أحزاب جديدة- حقيقية. وحين يحدث ذلك فى ظل تكاثر وسائل الإعلام، يكتسب العاملون فى المجال السياسى والحزبى طابعاً فضائياً يجعل البحث عن نخبة سياسية مدنية فى الواقع، كما عن أحزابها، صعباً ومضنياً.
 
-----------------------------
* نقلا عن شبكة الإعلام العربية، 2-5-2015.

رابط دائم: