مواجهة الإرهاب.. ومصارحة الغرب
26-1-2015

د. وحيد عبد المجيد
* مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
أحدثت مذبحة «شارلي إيبدو» ردود فعل عالمية غير مسبوقة كانت مسيرة باريس المليونية في 11 يناير الجاري أبرز ملامحها. وقد شارك عدد كبير من القادة والمسؤولين العرب في هذه المسيرة التضامنية لإعادة تأكيد موقف بلادهم وشعوبهم ضد الإرهاب، وللتنبيه مجدداً إلى أن الإسلام بريء من أفعال من يرفعون رايته في مواضع مخالفة ومعاكسة لروحه ومقاصده.
 
غير أنه ضروري أيضاً بالقدر نفسه مصارحة فرنسا والدول الغربية عموماً بمعطيات تضيع في غمار ردود الفعل الغاضبة ضد كل عملية إرهابية تستهدف الغرب منذ هجمات 11 سبتمبر 2001.
 
وأول هذه المعطيات هو أن الدول العربية، والإسلامية، ليست مطالبة بتقديم اعتذارات عما لا ذنب لها فيه. وكذلك الحال بالنسبة إلى أكثر من مليار ونصف مليار مسلم في عالم اليوم. ويعيش بعضهم في دول غربية، ويتحملون أوزار الأفعال الإرهابية التي يرفضونها، على النحو الذي يتعرض له مسلمون في فرنسا الآن. ومعظمهم مواطنون فرنسيون يفترض أن يتمتعوا بحماية تفرضها حقوق المواطنة التي ينبغي احترامها إذا أردنا أن تكون مواجهة الإرهاب فاعلة ومنتجة.
فالشرط الأول لمواجهة ناجحة ضد الإرهاب هو تأكيد قيمة التسامح، التي يقوم أي إرهاب على نقيضها، ويبدأ قاموسه بعكسها وهو التعصب. وقد ثبت عبر التاريخ أن للقيم مكاناً معتبراً في إدارة الصراعات. فليس ممكناً أن نكسب معركة ضد متعصبين متطرفين إذا فكرنا على طريقتهم أو صرنا مثلهم.
 
ولا يخفى أن أهم أهداف قوى الإرهاب هو استدراج ردود فعل عصبية ومتعصبة. فليس في إمكان الإرهاب تحقيق أهداف مادية كبرى على الأرض، ولكنه قد يستطيع إحداث آثار معنوية ونفسية متفاوتة. ويتنامى خطر الإرهاب بمقدار ما تزداد هذه الآثار وتستفحل.
 
ولذلك ينبغي تنبيه فرنسا الآن إلى ضرورة استيعاب أخطاء الولايات المتحدة عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، وكبح ردود الأفعال التلقائية التي تستهدف مسلمين على الهوية.
 
أما المعطى الثاني الذي ينبغي مصارحة الغرب به، في إطار حوار جاد ومستقيم، فهو أن الدين ليس المكوّن الوحيد لجيل الإرهاب الحالي الذي يمثل تنظيم «داعش» رأس الحربة فيه. وفي إمكان من يشك في ذلك أن يعود إلى الرسائل التي يوجهها هذا التنظيم إلى الشباب في الدول الغربية عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي يجيد بل يبرع في استخدامها. فهو يزعم، فى هذه الرسائل، أنه «حركة تحرر عالمية» تهدف إلى تغيير العالم وتحريره من الظلم والفقر والتهميش.
 
ولذلك تجد هذه الرسائل استجابة لدى شباب من أصول محض أوروبية يعتنقون الإسلام عشية التحاقهم بهذا التنظيم دون أن يعرفوا عنه شيئاً، ويتعاملون معه كمجرد راية ينضوون تحتها اعتقاداً في أنها هي راية الحق والعدل التي كانوا يبحثون عنها.
 
ويقودنا ذلك إلى المعطى الثالث، الذي لم يعد ثمة مجال للحرج في مصارحة فرنسا والدول الغربية به، وهو أن بعض سياساتها بل الكثير منها يساهم في دعم الإرهاب. ولا يقتصر ذلك على السياسات المنحازة إلى إسرائيل على مدى عقود، بما تؤدي إليه من غضب يستغله إرهابيون لتجنيد شباب صغير لم يصل وعيه إلى مستوى إدراك العوامل المحركة للتفاعلات الدولية. فينطبق ذلك أيضاً على السياسات الاقتصادية للدول الغربية الكبيرة التي تسيطر على النظام العالمي، بما تؤدي إليه من ازدياد الفجوة بين الشمال والجنوب، وإلى توسع التفاوت الاجتماعي في داخلها، في آن معاً.
 
فقد ساهمت هذه السياسات في إضعاف القدرة على تحقيق تنمية مستدامة تستوعب مختلف فئات المجتمع وتقلّص قدرة تنظيمات الإرهاب على تجنيد شباب غاضبين بسبب تهميشهم. والفرنسيون المسلمون هم أكثر الفئات تعرضاً للتهميش الاجتماعي- المادي، مضافاً إليه التحقير المعنوي. ولنا في ضواحي باريس، وعدد آخر من المدن الغربية، التي يعيش فيها أمثال منفذي مذبحة مجلة «شارلي إيبدو»، عظة وعبرة.
 
وليكن كتاب أستاذ الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» الصادر في العام الماضي والمترجم إلى 26 لغة، والذي يعد أهم الكتب الاقتصادية في العالم منذ عقود، مرجعاً في الحوار الذي ينبغي أن نسعى إليه مع الغرب من أجل هدف مطروح منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو بناء نظام اقتصادي عالمي جديد أكثر عدالة.
 
---------------------------
* نقلا عن الاتحاد الإماراتية، الإثنين، 26/1/2015.

رابط دائم: