مستقبل الصراع بين روسيا والغرب
26-11-2014

الحسين الزاوي
*
أفصحت الأحداث السياسية الدولية الأخيرة، وفي مقدمتها قمة العشرين التي انعقدت في منتصف هذا الشهر، عن مستوى الاحتقان الكبير في العلاقة التي تربط روسيا بمعظم الدول الغربية الكبرى على خلفية الصراع الدائر حالياً في شرق أوكرانيا . حيث إنه وبالرغم من محاولة روسيا تجنّب التصعيد إلا أن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا أصرّت على خوض حرب إعلامية مفتوحة ضد روسيا من أجل لجم ما تصفه بالطموحات العسكرية والتوسعية لروسيا، وبخاصة أن زعيمها فلاديمير بوتين يسعى إلى أن يعود بها القهقرى إلى المرحلة القيصرية أو السوفييتية .
 
وجاءت تصريحات ديفيد كاميرون قبيل انعقاد قمة مجموعة العشرين لتفصح عن معالم استراتيجية غربية جديدة بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا، من أجل تشديد الحصار على روسيا سياسياً واقتصادياً، وكان لافتاً أن بعض الصحف الفرنسية وصفت هذا التصعيد ب"الأنجلوساكسوني"، بهدف تمييز مواقف فرنسا وألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي، عن مواقف الدول الغربية الأخرى الواقعة ضمن مجال التأثير المباشر لبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية . 
 
من الواضح، بحسب المؤشرات الحالية، أن فرنسا وألمانيا حتى وإن كانتا تدعمان العقوبات الاقتصادية والضغط السياسي ضد روسيا، إلا أنهما لا تريدان أن يذهب الصراع مع روسيا إلى مداه الأقصى، لأن وجود روسيا قوية في المشهد السياسي العالمي يخدم طموح ألمانيا الجيوسياسية في أوروبا من جهة، ولا يجعل فرنسا في مواجهة منفردة مع النفوذ الأنجلوساكسوني العالمي بقيادة بريطانيا والولايات المتحدة من جهة أخرى، وبالتالي فإن فرنسا وبالرغم من الضغوط الغربية التي تواجهها بشأن صفقة تسليم سفن "ميسترال" إلى البحرية الروسية إلا أنها لم تلغ حتى الآن الصفقة بشكل كامل، بالرغم من إعلان البحرية الكندية عن رغبتها في شراء السفينتين الحربيتين الفرنسيتين اللتين صنعتا خصيصاً للبحرية الروسية، وتستجيبان لمعايير القيادة المتعامل بها بالنسبة للعقيدة العسكرية الروسية . ويبدو أن العرض الكندي جاء في هذه المرحلة لاعتبارين رئيسيين، أولاً من أجل تجنيب فرنسا الخسارة الاقتصادية الناجمة عن إلغاء الصفقة، وثانياً لقطع الطريق أمام كل توافق مستقبلي بينها وبين روسيا بشأن هذه الصفقة . 
 
أما ألمانيا وبعكس الدول الغربية الأخرى، فإنها لا تبدو متحمسة بشكل كبير، لفكرة انسحاب روسيا من شبه جزيرة القرم، حيث لا توجد مؤشرات قوية توحي بأنها تشاطر رغبة الدول الغربية الأخرى في حرمان روسيا من منفذها الوحيد على البحر الأسود من ناحية، ولأنها تعلم جيداً أن المنطقة هي في الأصل منطقة روسية ألحقت بأوكرانيا بقرار سياسي سوفييتي استجابة لاعتبارات التوازنات السياسية الداخلية في الاتحاد السوفييتي بعد نهاية الحرب الكونية الثانية من ناحية أخرى، كما أن ألمانيا تعتبر حتى هذه اللحظة من أكثر الدول الأوروبية تأثراً بالعقوبات الاقتصادية على روسيا، وبالتالي فهي تسعى جاهدة من أجل إيجاد حل سلمي وتوافقي في شرق أوكرانيا بين مختلف الأطراف المتحاربة، حيث إنه وبالرغم من اللقاء البارد والجاف الذي جمع وزيري الخارجية الألماني ونظيره الروسي يوم الثلاثاء 18 نوفمبر/ تشرين الثاني، وما صاحبه من تصريحات غير متفائلة من قبل الطرفين أمام وسائل الإعلام، إلا أن زيارة الوزير الألماني تعد في حد ذاتها مؤشراً إيجابياً إذا ما قارناه بالمواقف المتصلبة لكل من بريطانيا وأمريكا تجاه روسيا . 
 
وبخلاف الموقفين الفرنسي والألماني، فإن الدول التي وصفها قسم من الإعلام الفرنسي بالأنجلوساكسونية، تطمح إلى توظيف الصراع داخل أوكرانيا من أجل تصفية ما بقي من التركة السوفييتية، في محاولة واضحة من أجل حرمان روسيا من كل عناصر قوتها الاقتصادية والعسكرية . فعلى المستوى الاقتصادي، وعلاوة على العقوبات الاقتصادية المباشرة التي أدت إلى انهيار كبير في قيمة العملة الروسية "الروبل"، فإن هذه الدول وفي طليعتها الولايات المتحدة تريد أن تحرم الاقتصاد الروسي من جزء كبير من عائداته من النقد الأجنبي الذي يحصل عليه من خلال تصدير الغاز والبترول، حيث اعتمدت الولايات المتحدة على استراتيجية جديدة لمضاعفة إنتاجها من الطاقة لتقليص ما تسميه تبعيتها لنفط الشرق الأوسط من جهة أولى، ولحرمان روسيا من قسم معتبر من سوق الطاقة في أوروبا من جهة ثانية . ومن شبه المؤكد أن لها دوراً فعّالاً في التأثير سلباً في أسعار النفط التي انخفضت إلى مستويات فاقت حتى نسبة توقعات الخبراء في هذا المجال، وبخاصة في هذه المرحلة الحساسة والمفصلية التي تعرف فيها العلاقات الدولية تحولات كبيرة . وتسعى الولايات المتحدة في السياق نفسه إلى محاصرة السوق التقليدي لمبيعات الأسلحة الروسية، حيث إن أغلبية الدول التي تعتمد على إمدادات السلاح الروسي، نجد أنها إما تعرضت إلى أزمات داخلية كبيرة، وإمّا غيّرت بضغط غربي من منظومة تسليحها . ومن ثم فلم يكن من قبيل الصدفة أن تسعى الولايات المتحدة، إلى تجاوز خلافاتها مع مصر بعد سقوط نظام حكم الرئيس مرسي من أجل ثني القيادة المصرية عن رغبتها في تغيير منظومتها التسليحية في منطقة جد حساسة بالنسبة للنفوذ .
 
ويمكن الاستنتاج بناءً على ما تقدم أنه وبصرف النظر عن المواقف الأيديولوجية لكل الأطراف، وعن مصالحها الآنية المباشرة سواء كانت إقليمية أو دولية، فإنه ليس من مصلحة الأمن والاستقرار العالميين أن يصل الصراع بين روسيا والغرب إلى مرحلة تفضي إلى تدمير كل قدرات روسيا، لأن القضاء على المشهد الفسيفسائي لتوازن القوى في العالم من شأنه أن يؤدي إلى وضعية قد تكون أسوأ بكثير من وضعية الأحادية القطبية، وتحديداً في هذه المرحلة التاريخية التي بدأت تتخذ فيها الصراعات والحروب المحلية والإقليمية أبعاداً عالمية .
 
-----------------------------
* نقلا عن دار الخليج، الأربعاء، 26/11/2014.

رابط دائم: