تهدئة قصيرة.. أم هدنة طويلة؟
24-8-2014

د. وحيد عبد المجيد
* مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
كثيرة هي الدماء التي تسيل في العالم العربي منذ سنوات في مرحلة تحفل بعوامل توتر واحتقان تنذر بمزيد من الاضطراب. ومع ذلك لا يخلو المشهد من فرص للحد من الأخطار أو تقليل الخسائر المتوقعة في الفترة القادمة. وربما نجد إحدى هذه الفرص في الركام المترتب على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة. فقد أظهر تعاقب هذه الاعتداءات عدم جدوى إعادة إنتاج صيغة «تهدئة في مقابل تهدئة»، بعد أن ثبت فشلها. ولذلك، ورغم حجم المأساة المترتبة على العدوان الذي بدأ في 8 يوليو الماضي. يبدو أن هناك فرصة لتسوية مختلفة عن ذي قبل. ورغم أن المسافة جد بعيدة بين مواقف الطرفين، كما ظهر في المفاوضات غير المباشرة التي أدارتها مصر بينهما ودخلت مرحلة حاسمة عند كتابة هذا المقال، فثمة متغيرات يمكن أن تتيح الوصول إلى اتفاق.
 
فعلى الصعيد الفلسطيني، أدى العدوان الثالث خلال ست سنوات إلى تقارب غير مسبوق منذ عقود بين مختلف الفصائل الفلسطينية، على نحو أتاح تشكيل وفد موحد ذهب إلى القاهرة للتفاوض تحت قيادة السلطة الوطنية وعلى أساس ورقة مشتركة. وكانت هناك مقدمات لهذا التطور في المصالحة التي حدثت بين حركتي «فتح» و«حماس»، وأدت إلى تشكيل حكومة وفاق مستقلة في بداية يونيو الماضي.
 
 
 
ويعني ذلك أن أي اتفاق هذه المرة سيكون بين حكومة فلسطينية موحدة وإسرائيل. ويُفترض أن يخلق هذا التطور الكبير أرضية لاتفاق يحقق الحاجات الأساسية للشعب الفلسطيني الذي أنهكته الاعتداءات المتكررة على غزة والانتهاكات المتواصلة في الضفة.
والمفترض أيضاً أن يكون هذا التطور مشجعاً لإسرائيل على قبول «صفقة» مرحلية متكاملة تقوم على أساس ضمان أمنها في مقابل الحرية والإعمار والتنمية للشعب الفلسطيني، بعد أن ثبت لها مجدداً عدم إمكان القضاء على المقاومة بمختلف فصائلها أو تصفية حركة «حماس». كما أظهر عدوانها الأخير فشلا واضحاً على المستوى الاستراتيجي يستحيل في ظله تحقيق هدفها الذي تسعى إليه منذ سنوات، وهو تكريس الفصل بين الضفة والقطاع لكي تبتلع الأولى تدريجياً وتحوّل الثاني إلى سجن كبير تحت حصار شديد.
 
ولعل هذا، وغيره، هو ما يدفع الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجنرال حيورا إيلاند إلى الحديث عن «وجود إمكانية للتوصل إلى تسوية طويلة الأمد تجعل هذه الحرب ناجحة بالنسبة إلينا»، حسب تعبيره في حديثه الذي بثه الموقع الإلكتروني لصحيفة «يديعوت أحرونوت» في الأول من أغسطس الجاري.
 
وليس هو وحده الذي يذهب هذا المذهب في إسرائيل. لكن ربما يكون الأكثر دقة في حديثه عن «تسوية طويلة الأمد» وليس عن اتفاق نهائي لحل قضية فلسطين. فليس هذا هو وقت النهايات السعيدة لأي من القصص الدامية المفتوحة في المنطقة.
 
لذلك يتمثل السيناريو الأفضل في المرحلة الراهنة في صيغة وسط بين اتفاقات التهدئة القصيرة التي تأكد عدم جدواها، واتفاق الحل النهائي الذي ثبت عدم وجود إمكانية له في المرحلة الراهنة. وتتوافر الآن فرصة لصيغة من هذا النوع عبر هدنة طويلة لمدة لا تقل عن عشر سنوات على أساس الأمن مقابل الحرية والإعمار والتنمية.
 
فأكثر ما تحتاجه إسرائيل في المرحلة الراهنة هو ضمان أمنها ووقف المقاومة المسلحة خلال فترة الهدنة الطويلة، عبر ترتيبات مضمونة على الحدود مع قطاع غزة، ويمكن أن تشمل هذه الترتيبات نشر قوات سلام تابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) كما حدث في التسوية التي أعقبت العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006. كما أن وجود حكومة وفاق في قطاع غزة سيجعل الوضع مختلفاً عما كان عليه في السنوات السبع الأخيرة، رغم أن السلاح لن يكون في حوزتها. فليس ممكناً الحديث جدياً عن احتكار حكومة فلسطينية السلاح إلا في ظل دولة مستقلة تنتج عن الاتفاق النهائي حين تتوافر مقومات التوصل إليه. وعندئذ فقط، لن يكون هناك عذر لدى أي فصيل فلسطيني للاحتفاظ بسلاحه، وسيكون تسليم أسلحة الفصائل كلها إلى حكومة الدولة المستقلة جزءاً من الاتفاق النهائي.
 
وإلى أن يتيسر ذلك، يمكن إيجاد ترتيبات أمنية مريحة لإسرائيل ومضمونة دولياً وإقليمياً، في مقابل الإجراءات اللازمة لفك الحصار الخانق على قطاع غزة وإنهاء الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
 
وتشمل هذه الإجراءات فتح المعابر جميعها، وليس معبر رفح وحده. فهناك ستة معابر على الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة ينبغي إيجاد آلية محددة لتشغيلها وضمان عدم تعطيل هذه الآلية أو تحويلها إلى وسيلة لمعاقبة الشعب الفلسطيني مادام الالتزام بالترتيبات الأمنية مستمراً. كما تتضمن إلزام إسرائيل باحترام حق الصيد في المياه الإقليمية لقطاع غزة وعدم وضع أي قيود عليه، وإيجاد آلية لحل أية مشكلة تحدث في بدايتها. ومن نافلة القول أن يقترن ذلك بعملية إعادة إعمار شاملة في قطاع غزة وخطة دولية للتنمية، وتدعيم اقتصاد الضفة الغربية في آن معاً بالتعاون مع حكومة الوفاق الفلسطينية.
 
ولما كان أساس اتفاق الهدنة هو الأمن في مقابل الحرية والإعمار والتنمية، فمن الطبيعي أن يتضمن الإفراج عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين قبل الحرب وخلالها، في مقابل جثتي جنديين إسرائيليين تتوافر معلومات أولية عن وجودهما لدى حركة «حماس»، أو أشلاء هذين الجنديين.
 
وهذه كلها إجراءات يبدأ تنفيذها بشكل فوري بالتزامن مع العمل بالترتيبات الأمنية التي سيتم الاتفاق عليها. غير أنه قد يصعب التوصل إلى هدنة طويلة الأمد على هذا النحو من دون تفاهم على مسألتي المطار والميناء اللتين سبق الاتفاق عليهما عقب اتفاق أوسلو الموقع عام 1993، لكن إسرائيل انتهكت كل ما يتعلق بهما.
 
ورغم أنهما الأصعب في المفاوضات، يمكن الوصول إلى حل وسط بشأنهما يقوم على إعادة تشغيل مطار غزة تحت إشراف دولي كامل إلى أن تتيسر الإمكانات اللازمة لاتفاق نهائي، وبدء العمل في الميناء تحت هذا الإشراف أيضاً وفق خطة طويلة بحيث يبدأ تشغيله تدريجياً وفق برنامج زمني يتم التفاهم عليه.
 
فمن الناحية الأمنية، يمكن ضمان عدم تدفق أسلحة عبر أي مطار في حالة وجود إجراءات صارمة يوفرها الإشراف الدولي. ولكن الوضع بالنسبة إلى الموانئ يختلف لأن فرص التهريب عبرها تعتبر أعلى مقارنة بالمطارات كقاعدة عامة.
 
وهكذا يبدو أن ثمة فرصة لاتفاق تلوح في الأفق، لكنها قد تفلت بسرعة إذا لم يتم الإمساك بها وفق رؤية لصفقة متكاملة من هذا النوع، أو من أي نوع يحقق هدنة طويلة وليست تهدئة قصيرة هذه المرة.
 
------------------------
* نقلا عن الاتحاد اللندنية، الأحد، 24/8/2014.

رابط دائم: