رؤساء أمريكا بين النجاح والإخفاق
7-8-2014

عاطف الغمري
*
اعتاد أي رئيس أمريكي، التركيز في ولايته الثانية، على تحقيق إنجاز سياسي كبير يفتح له صفحة في سجل الرؤساء العظام في بلاده، منهم من حالفه التوفيق في مسعاه، ومنهم من أخفق وغادر البيت الأبيض دون أن يبلغ حلمه . وكثير منهم تسببت في إخفاقه، أحداث خارجية، إما أنها كانت نتيجة تطورات غير محسوبة أو متوقعة، أو نتيجة سوء تقدير . 
 
وفي الظروف الراهنة في الولايات المتحدة، وضع الرئيس أوباما نصب عينيه، عدداً من التوجهات التي يتحرك في مجالاتها، أملاً في أن يحقق فيها كلها، أو في واحد منها، ما يبقى من بعده، تراثاً سياسياً خدم به أمته . 
 
أوباما سعى - ولايزال - للوصول إلى اتفاق مع إيران بشأن ملفها النووي، ولكن بقية مساعيه تعثرت خطاه فيها . فسياسته تجاه سوريا، بدت وكأنها لم تمض في الشوط إلى آخره . وأصبح في وضع حائر بين التدخل لمساعدة المعارضة ضد حكم بشار الأسد، والتوصل إلى حل وسط يبقي على نظام الأسد . إضافة إلى ما بدأ يظهر من خلال الصراع في سوريا، واقتحام تنظيمات أجنبية الساحة الداخلية السورية، والتي ينتمي بعضها إلى تنظيم "القاعدة"، وتمارس جميع أشكال الإرهاب، بما في ذلك العمليات الانتحارية، فضلاً عن جذب الوضع السوري شباباً من دول الغرب يتدربون هناك على القتال، ويحتمل أن يعودوا إلى بلادهم لممارسة أعمال إرهابية هناك . أما التسوية الفلسطينية - "الإسرائيلية"، التي بدأ أوباما عهده في عام ،2009 بإعلان مواقف توحي بأنه سيستخدم قوة أمريكا في دفع الأمور إلى اتفاق على أساس حل الدولتين، ووقف الاستيطان "الإسرائيلي"، فإنها تجمدت، وظهر التراخي واضحاً في إدارة أوباما لهذه الأزمة، فقد تعثرت مساعي وزير خارجيته جون كيري لدى الحكومة "الإسرائيلية"، ثم جاء موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتشدد من مشكلة أوكرانيا، وقيامه بضم جزيرة القرم إلى بلاده، تحدياً لرغبة الولايات المتحدة في توسيع نفوذها في هذه المنطقة، استناداً إلى تصوراتها بأن روسيا ليست في وضع القوة الدولية الكبرى، التي يمكنها أن تناطح الولايات المتحدة، أو تحبط مخططاتها الدولية . 
 
الرؤساء الذين سبقوا أوباما تعرضوا لمواقف حالت دون بلوغ أحلامهم في تحقيق إنجاز خارجي يدعم نفوذ الولايات المتحدة ومكانتها الدولية . الرئيس كارتر واجه محنة احتجاز الرهائن الأمريكيين في إيران، وهي التي انتقصت من رصيده الداخلي لدى الرأي العام، ولم تتح له الفوز بفترة رئاسية ثانية . وبيل كلينتون وجه اهتمامه إلى القضية الفلسطينية، حتى أنه كان يشارك بنفسه في جلسات المفاوضات بين ياسر عرفات، ونتنياهو، وتحدث مراراً عن الحقوق السياسية الوطنية للفلسطينيين، وكان يتصور أنه سوف يضع اسمه في قائمة الرؤساء أصحاب الإنجازات التاريخية، بقدراته على الوصول إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية . 
 
لكن "الإسرائيليين" - بأسلوبهم التآمري - كانوا قد رتبوا له فخاً بدفع مونيكا لوينسكي إلى البيت الأبيض كمتدربة، وإقامة علاقة معه، وهي اليهودية التي كانت تمضي الصيف من كل عام في "إسرائيل"، ضمن معسكر للموساد لتدريب شباب غير "إسرائيليين"، على أداء مهام في بلادهم . وبعد أن فجروا مشكلة علاقته النسائية التي كادت تصل به إلى محاكمته، قضوا في فترة ولايته الثانية، على قدرته على اتخاذ أي قرار فعال في السياسة الخارجية . 
 
وكان حظ جورج بوش الأسوأ بين جميع الرؤساء، حين تعثرت سياسته في العراق، وارتفع الرفض الشعبي من الأمريكيين لحربه هناك . وهو الذي كان قد أعلن في خطاب أمام معهد أميركان إنتربرايز في واشنطن، قبل أيام من غزو العراق في مارس/آذار ،2003 إن العراق بعد تدخله هناك، سوف يكون نموذجاً يحتذى في بقية دول المنطقة . 
 
وكانت النتيجة اهتزاز صورة أمريكا ومصداقيتها في العالم بعد هذه التجربة، وما ظهر من إن قوتها العسكرية المتفوقة، لم تعد وحدها قادرة على أن تفرض إرادتها في العالم . 
 
إن الرئيس أوباما يدير اليوم سياسته الخارجية، في ظل أوضاع دولية، تختلف عن تلك التي كان فيها أسلافه، ورغم إخفاق بعضهم، إلا أنهم كانوا يتمتعون بميزة كبرى، وهي أن سنوات الصراع الطويلة مع الاتحاد السوفييتي، والتي كانت أمريكا خلالها تقود المعسكر الغربي، وسياساته في مختلف القارات، قد أتاحت لها امتلاك رصيد هائل من أصحاب الخبرة والتخصص، في هذا الصراع، وشؤونه، وسياساته . بحيث كان يمكن للإدارات الأمريكية وقتئذ، قراءة جيدة، لنوايا الطرف الآخر في الصراع، حتى من قبل أن يحول النوايا إلى تطبيقات على أرض الواقع . أما ما حدث بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وافتقاد أمريكا، هذا الرصيد من الخبرات، والذي تحول إلى مخزون راكد، أمام عالم يتغير بسرعة، فقد ضعفت مهارة أمريكا في قراءة نوايا الآخرين . وبدا أنها تنظر بعين تخلو من اليقين تجاه تطورات، لا تدري إلى أين ستتجه .
 
وهو ما أدخل أوباما في موجات متقلبة من التناقضات في مواقفه، وهو ما كان من أسباب تعثر مساعيه لكي يحقق إنجازاً لعهده، ولو في قضية واحدة على الأقل .
 
-------------------
* نقلا عن دار الخليج، الأربعاء، 6/8/2014.

رابط دائم: