حروب‎ إقليمية من نوع جديد
29-5-2014

د. وحيد عبد المجيد
* مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
لم تعد المعركة بين زعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري وأمير فرعه السابق في العراق وزعيم تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، أبو بكر البغدادي، مجرد صراع على القيادة بخلاف ما بدا حين ظهر هذا الصراع على السطح للمرة الأولى قبل نحو عام. فقد وصل العداء بينهما إلى حد تبادل الاتهام بالانحراف عن المنهج الجهادي. هذا ما اتهم الظواهري به البغدادي عبر مقابلة صوتية تم بثها في 19 أبريل الماضي، وبدت رداً على ما اتهمه به المتحدث باسم «داعش»، أبو محمد العدناني، في اليوم السابق عبر تسجيل صوتي قال فيه إن قيادة «القاعدة» انحرفت عن منهج الصواب. وزاد على ذلك أن «القاعدة» في مجملها «لم تعد قاعدة الجهاد، بل باتت قيادتها معولا لهدم مشروع الدولة الإسلامية والخلافة».
 
وهكذا بلغ الصراع بين قيادة تنظيم «القاعدة» وزعيم أكبر فرع كان تابع لها مرحلة الصدام الشامل. فقد أصبح صراع وجود، وليس خلافاً على منهج أو تنافساً على قيادة. وبات كل منهما يتطلع إلى إلحاق هزيمة نهائية بالآخر وليس مجرد إضعافه.
وإذ بلغ الصراع هذا المبلغ الذي لم يكن متخيلا قبل عدة أشهر، فقد احتدت المعارك الدموية بين الطرفين في سوريا مقترنة باشتداد حُمى السباق على تمثيل «الحركة الجهادية» على الصعيد الدولي. وصراع هذا شأنه إنما ينذر بامتداد معاركه إلى غير بلد في المنطقة وخارجها بعد أن صب اشتعاله في سوريا زيتاً على نار خلافات بين تنظيم «القاعدة» وجماعات «جهادية» أخرى بالفعل.
 
صحيح أن سوريا تبدو الساحة التي يمكن أن يُحسم فيها هذا الصراع أكثر من غيرها، خاصة أن تفاقمه ارتبط بها منذ أن قرر البغدادي مد ولايته من العراق إليها بدون اتفاق مع الظواهري الذي أعلن رفضه هذا القرار بشكل علني. لذلك فمن المنطقي أن تكون سوريا هي الساحة الرئيسة لهذا الصراع الذي أخذ في التصاعد في اللحظة التي بدا فيها أن ثمة فرصة لإسقاط نظام الأسد. فالقاعدة العامة في مجال العلاقة بين الجماعات التي تسعى إلى السلطة بوجه عام، هي أن الصراعات تتصاعد كلما ازدادت فرصة الوصول إلى الحكم حيث تبرز أطماع لم يكن ثمة مجال لظهورها من قبل.
 
غير أن توقع استمرار سوريا ساحة رئيسية لهذا الصراع لا يتعارض مع ازدياد الانقسام على خلفيته بين جماعات تسمى نفسها «جهادية» في بلاد أخرى، وخاصة بين فروع لتنظيم «القاعدة» ومجموعات مرتبطة به من ناحية وتنظيمات أخرى وبخاصة تلك التي قد تجتذبها «داعش» من ناحية ثانية.
 
ويثير ذلك سؤالا ينبغي أن نضعه من الآن على مائدة البحث والدراسة، وهو: هل يُنتج الصراع بين هذه الجماعات حروباً داخلية قد يكتسب بعضها طابعاً إقليمياً، وهل يُنبئ ذلك ببزوغ نمط جديد من الحروب الإقليمية في السنوات القادمة؟
 
وتنبع أهمية هذا السؤال من عاملين هما أن حروباً مرشحة لاكتساب طابع إقليمي بدأت بالفعل في بعض البلاد، وأن تنظيم «داعش» يختلف عن أية حركة «جهادية» أخرى من حيث حرصه على التمدد الإقليمي الذي لم ينجح فيه من قبل إلا تنظيم «القاعدة» الأمر الذي سيضعهما في مواجهات في غير مكان. وقد تنامى الصراع بالفعل في الصومال بين تنظيم «الشباب» وتنظيم «القاعدة» في بلاد المغرب «الإسلامي»، نتيجة قرار غير موفق اتخذه الظواهري في مطلع 2012 بدمج الأول (الذي كان يسيطر حينئذ على جزء مهم من الصومال) مع الثاني. فقد أدى ذلك إلى عدم انسجام بينهما أنتج صراعات مرشحة للتحول إلى معارك تتجاوز الحدود وخاصة في منطقة الصحراء الكبرى. وهذا فضلاً عن ظهور صراعات لم تكن موجودة داخل تنظيم «الشباب» نفسه بسبب تعقيدات عملية الدمج وتأثيرها السلبي على بنيته، فضلا عن رفع زعيمه أحمد عبدي غودان لواء «القاعدة» لكتم أصوات بعض قادته الآخرين.
 
كما بدأت نذر الانشقاقات تزداد في تنظيم «القاعدة» في بلاد المغرب «الإسلامي» منذ أن أرسل أحد قادته حينئذ (مختار بلمختار) مقاتلين بإمرته إلى ليبيا بدون تنسيق مع قيادة هذا التنظيم. فكانت النتيجة حدوث أول انشقاق كبير وتأسيس تنظيم «الموقعون بالدم». كما اشتدت حدة الصراع في جنوب الفلبين بين جماعة أبو سياف و«جبهة تحرير مورو الإسلامية»، بينما بدأت مقدمات صراعات عدة بين مجموعات مختلفة مرتبطة بحركة «طالبان» في كل من أفغانستان وباكستان استعداداً لمرحلة ما بعد سحب القوات الأميركية من كابول. وتبدو هذه الصراعات مقدمة لحروب إقليمية مصغرة قابلة للتوسع في هذه المنطقة. والمتوقع أن يسفر اتجاه تنظيم «داعش» إلى التمدد وتأسيس فروع له في عدد متزايد من الدول أو الحصول على ولاء قادة جماعات «جهادية» فيها عن توسيع نطاق هذا النمط الجديد من الصراعات. فمن شأن تمدده أن يفجّر صراعات جديدة لأنه يستهدف اقتناص بعض فروع تنظيم «القاعدة» ومراكز نفوذه. ففي يناير الماضي، أعلن أبو سياف الأنصاري إنشاء جناح يتبع تنظيم «داعش» في لبنان ومبايعة البغدادي.
 
وفي الوقت نفسه، كان القيادي السلفي اللبناني عمر البكري يقول في مقابلة أجرتها معه صحيفة «الوطن» الكويتية، ونشرتها في 31 يناير الماضي، إن «داعش» «يضع سيناء على جدول أعماله ويعتبرها جزءاً من بلاد الشام».
 
وإذا صح ذلك، وليس هناك ما يدعو إلى عدم تصديقه، ألا يعني أن خطر الحروب الإقليمية المصغرة بين المتطرفين حقيقي ويصعب استبعاده؟ وألا يزداد هذا الخطر حين تتوفر دلائل على وصول «داعش» إلى قطاع غزة أيضاً آخرها وضع صور على موقع «تويتر» في منتصف أبريل الماضي لأشخاص قيل إنهم من غزة يتدربون في معسكرات هذا التنظيم في العراق وسوريا؟ ولا ننسى أنه قبل ذلك بشهرين تقريباً، تم بث شريط لعشرة مسلحين ألقى أحدهم بياناً تضمن مبايعة البغدادي وتأكيد أن له «في أكناف بيت المقدس مدداً من الليوث».
 
والحال أن ما يتوفر من مؤشرات على نمط جديد من الحروب الإقليمية بين متطرفين، أو قل بين التطرف وتطرف التطرف، يفرض وضعه على جدول أعمال دارسي الحركات والجماعات الإرهابية التي تسمى نفسها «جهادية» الآن وليس غداً.
 
---------------------------
* نقلا عن الاتحاد الإماراتية، الأربعاء، 28/5/2014.

رابط دائم: