الاستراتيجية الروسية في أوكرانيا
7-4-2014

لويس حبيقة
* خبير اقتصادي
هنالك تواريخ مهمة غيرت وجه العالم وتؤثر بقوة فيما يجري اليوم . في 11/9/1989 سقط حائط برلين وبدأت وحدة ألمانيا كما انتهت عملياً الحرب الباردة في 12/8/،1991 انتهى الاتحاد السوفييتي وتحول الى مجموعة من الدول المستقلة تتناحر وتتنازع فيما بينها . مات الاتحاد السوفييتي وعاشت روسيا . في 6/12/1991 انتخب "بوريس يلتسين" رئيساً لروسيا، ويمكن اعتبار هذا التاريخ ولادة روسيا الحديثة التي نعرفها . تعتبر سنة 1992 تاريخ الطلاق الروسي الحقيقي والنهائي مع الشيوعية . في الواقع هنالك قائدان لروسيا الحديثة، أي ما بعد الشيوعية وما بعد الاتحاد السوفييتي وهما "بوريس يلتسين" و"فلاديمير بوتين" . الأول ثبت انتهاء الشيوعية وفتح الاقتصاد على الحرية والمنافسة، والثاني حاول ويحاول إعادة روسيا إلى لعب الدور السياسي الاقتصادي الرئيسي العالمي . أتت مشكلة أوكرانيا لتعطيه الفرصة التي ينتظرها . المعلوم أن جمهورية القرم قدمت في سنة 1954 كهدية من روسيا الى أوكرانيا في عهد "نيكيتا خروتشيف" ذي الأصول الأوكرانية . كانت هدية من منطقة إلى أخرى ضمن الدولة السوفييتية الواحدة . ما تحقق خلال الفترة السوفييتية يمكن أن يستعاد أو يتغير في الفترة اللاحقة المختلفة بل المعاكسة .
 
هنالك فكرتان كبيرتان حيرتا يلتسين وهما هل تعتبر روسيا دولة أوروبية؟ هل من مصلحة روسيا التحالف مع أوروبا أو مع الولايات المتحدة أو مع الصين؟ أوروبا ليست جاهزة لاستيعاب روسيا لأسباب جغرافية وسياسية ومؤسساتية وتاريخية، وبالتالي احتار يلتسين بشأن توجهاته التحالفية . انتظر يلتسين الكثير من العالم الغربي الذي لم يعطه الا القليل، ربما لإبقاء روسيا ضعيفة . هذا ليس عجيباً إذ إن الحرب الباردة والنزاعات المختلفة كانت حية في عقول وقلوب كل القادة الغربيين . طبق يلتسين النظام الاقتصادي الليبيرالي بسرعة وقوة معتمدًا على نصائح الاقتصادي "ايغور غايدار" الذي بدوره اتكل على مجموعة من المستشارين الغربيين الذين حولوا بسرعة روسيا من شيوعية اشتراكية الى رأسمالية حرة . كانت "سياسة الصدمات"، أي واقع التحول السريع، مدفوعة من قبل متخصصين متحمسين للتغيير السريع على الرغم من جهلهم للواقع الروسي . كانت النتيجة غير فضلى والتكلفة عالية، فارتفعت مؤشرات البطالة كما الفقر .
 
توجه يلتسين الى واشنطن في منتصف سنة 1992 لبحث مشروع اتفاقية بشأن الأسلحة START2 وصولاً الى التوقيع عليها في 1993 لم تصبح الاتفاقية فاعلة ونافذة إلا بعد 7 سنوات بسبب السياسة والنزاعات والمصالح والتقصير المتعمد في معظم الأحيان . بدأ يلتسين يقوي من سنة 1993 علاقاته مع الغرب وانضمت روسيا الى مجموعة الدول الثماني الكبرى وتحقق الكثير من التعاون مع حلف شمال الأطلسي . توطدت العلاقات مع المؤسسات الدولية وفي طليعتها صندوق النقد . في الحقيقة لم يبق لروسيا من عظمتها السابقة الا مقعدها في مجلس الأمن الذي يعطيها حق الفيتو على مشاريع القرارات، الذي مارسته مراراً مؤخراً . قبل يلتسين في البدء تحول العالم من سيطرة جبارين كبيرين إلى سيطرة قوة واحدة هي الولايات المتحدة وتصرف على هذا الأساس . فيما بعد وبسبب النتائج السياسية خاصة الاقتصادية، حاول يلتسين توسيع تحالفاته، فوقع مع الصين اتفاقية في سنة 1996 بحيث يشكل التحالف الروسي الصيني منافساً جدياً لأمريكا . تأسست "مجموعة شانغهاي" التي ضمت إضافة إلى روسيا والصين دولاً آسيوية مجاورة وفي مقدمها كازاخستان . في الواقع لم تكن الصين راغبة جدياً في منافسة أمريكا، إذ تفضل أن تتحضر أكثر للمنافسة القادمة حتماً .
أما روسيا، فهي غير قادرة على المنافسة بعد زوال الاتحاد السوفييتي .
 
بالرغم من توجهه نحو الصين، كان يلتسين يعتقد أن مصلحة روسيا هي مع الولايات المتحدة ليس فقط في السياسة وإنما خاصة في الاقتصاد والتكنولوجيا، الا أن أمريكا لم تكن متجاوبة وغير متحمسة . يمكن وصف الفترة الرئاسية الثانية ليلتسين بالكارثية ليس فقط بسبب سياساته، بل لأن الأوضاع الخارجية لم تكن مؤاتية . بسبب صحته المتدهورة، عمل يلتسين على ايجاد خليفة له فجرب العديد من المسؤولين، الا أن الخيار النهائي وقع على "فلاديمير بوتين" . بدأ من 31/12/،1999 انحسار نفوذ يلتسين في دولة لم تكن تعرف التغيير سابقا الا بالقوة . في 26/3/2000 انتخب بوتين رئيساً لروسيا من الدورة الأولى مع 52،9% من الأصوات . انتخب لتغيير سياسة يلتسين ويعيد العظمة والقوة إلى روسيا . مشروع السيطرة الروسية الجديد بدأ مع بوتين الذي انتخب وجدد له لتنفيذه وهو يحاول فعل ذلك .
 
تقول الكاتبة المتخصصة "هيلين كارير دونكوس" في كتابها عن روسيا إن التجربة الروسية مع يلتسين أقنعت الصين أن النموذج الروسي للإصلاح والتغيير ليس النظام الأفضل وبالتالي يجب النظر في بدائل . تجربة بوتين تعتبر أفضل في نظر الروس الذين يريدون أن تكون دولتهم عظمى . قال بوتين: "إن انفراط الدولة السوفييتية هي أكبر كارثة سياسية في العالم في القرن العشرين" . اعتبر أن روسيا هي "القوة العظمى الفقيرة" وبالتالي يريد إعادة الدور التاريخي، بل جعل روسيا دولة نموذجية للقرن الواحد والعشرين .
 
يهدف بوتين منذ الانتهاء من فترة الفوضى الاقتصادية إلى إعادة القوة السياسية والعسكرية لروسيا، وما قضية "القرم" إلا نموذج لما يمكن أن يحصل مستقبلاً . تعتبر روسيا دولة أوكرانيا منطقة نفوذ لها . يمكن تشبيه هذا النفوذ بالشعور الأمريكي تجاه المكسيك وكوبا وأي دولة أمريكية لاتينية . لا شك أن الغرب خاصة أمريكا أخطأ في التعامل مع الروس خاصة في فترة يلتسين ما أسهم في تأييد الروس لسياسات بوتين الهجومية . لا يمكن إنكار الصدمات السلبية التي واجهتها روسيا من الغرب بدءاً بحروب الخليج وثم بالنزاعات العربية والآسيوية . نعيش اليوم حكماً في ظروف دولية مختلفة عن السابق .
 
-----------------------
* نقلا عن دار الخليج، الأحد، 6/4/2014

رابط دائم: