اقتصاديات العرض وأصول التطرف إبراهيم عوض
2-2-2014

إبراهيم عوض
*
أحاديث كانت خافتة هنا وهناك أخذت أصوات القائلين بها تعلو رويدا رويدا فى الآونة الأخيرة. أما مضمون هذه الأحاديث فهو ينصب على كيفية الخروج من الأزمة الاقتصادية التى تلم بمصر منذ ثلاث سنوات، والسبيل إلى ذلك فى هذه الأحاديث هو وصفة ما يسمَى باقتصاديات جانب العرض. مشكلة الاقتصاد الأساسية فى هذه الأحاديث هى أن عوامل الإنتاج مقيدة، لا تستطيع أن تولِد الثروة والدخل اللذين يمكن أن تولدهما لأن القوانين والقواعد والبيروقراطية تعرقلها وتقيم العقبات والحواجز أمامها. لو تخلصت عوامل الإنتاج من العراقيل والعقبات لأمكنها أن تزيد العرض من السلع والخدمات، وهى لكى تزيد من هذا العرض ستشغِل العمال فتحلُ بذلك كل من مسألة البطالة ومشكلة الفقر بدون أن تلجأ الدولة لوسيلة العاجز ألا وهى الأخذ من الغنى لإعطاء الفقير. ويا حبذا لو نشأ مناخ مغر يوفر أيضا الأراضى والطاقة للاستثمار فيجذب عشرات البلايين من الدولارات الضرورية للإنتاج وللتشغيل. ولابد من التوقف عن محاربة القطاع الخاص الذى أنزلت به ثورة يناير ضربة قاصمة بينما هو يدنو من النضج ومن الجود بالخيرات على الاقتصاد والمجتمع المصريين.
 
يصعب على المراقب تحديد من أين يبدأ فى التعليق على هذه السردية فى تشخيص مشكلة الاقتصاد وفى وصف كيفية الخروج منها. هى نفس السردية التى كانت سائدة لما يقرب من أربعين عاما ثم تكثفت فى العشرين عاما الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك وبالذات فى السنوات السبع الأخيرة منه. أى قطاع خاص هذا الذى يتعرض للمحاربة؟ واقع الأمر هو أن المبادرة الخاصة لقيت كل تشجيع ومحاباة، على الأقل منذ الاتفاق على برنامج الإصلاح الاقتصادى والتعديل الهيكلى مع المؤسسات المالية الدولية فى سنة 1991، ثم وبالذات فى أثناء فترة حكومات الدكتور أحمد نظيف. ثم إنه من هو العاقل فى أى مكان فى العالم الذى يمكن أن يفكر ــ فى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين ــ فى محاربة المبادرة الفردية، اللهم إلا إذا كان الحديث عن كوريا الشمالية؟ الخطط الاقتصادية المتتالية كانت تخص القطاع الخاص بالنصيب الأكبر فى توليد الناتج المحلى الإجمالى وفى تحقيق النمو فيه. وكانت الدولة توفر الأراضى والطاقة المدعومة لهذا القطاع وتوفر له الطرق وبنية أساسية تعينه على القيام بالدور المعهود به له. ولكن الأراضى نشأ عنها فساد كثير أصبح عبئا على القطاع الخاص كله وليس على من تورط فى الفساد وحده، والطاقة، من فرط توفيرها بأسعار مدعومة، أصبحت مشكلة اقتصادية كبرى تكبِل الفاعلين السياسيين الذين لا يدرون كيف الفكاك منها.
 
أما عن الأخذ من الغنى لإعطاء الفقير فهذا طرح عجيب أشد العجب. ما هى الضرائب؟ وما هو الإنفاق العام؟ أليست الضرائب هى الجانب الأكبر من الإيرادات العامة التى تمول الإنفاق العام؟ حتى إن قبلنا بالسعر الموَحد للضريبة، أى بعبارة أخرى إن نحينا جانبا مبدأ الضريبة التصاعدية، ألا يدفع الغنى أكثر من الفقير فى تمويل الإنفاق العام لأن دخله أعلى من دخل الفقير حتى وإن كانت نسبة الضرائب إلى دخل كل منهما واحدة؟ وألا يذهب الإنفاق العام إلى تمويل التعليم العام والمستشفيات العامة التى يرتادها الفقراء؟ بصرف النظر عن مستوى هذا التعليم وهذه المستشفيات، أليس هذا «أخذا من الغنى لإعطاء الفقير»؟ ألا يحدث ذلك فى الولايات المتحدة، وفى ألمانيا، وفى البرازيل، وفى تايلاند، وفى نيوزيلندا؟ هل يخطر ببال أحد أن يعترض عليه؟ كما أننا نحينا جانبا مبدأ الضريبة التصاعدية، فإننا نمسك أيضا عن الخوض فى أن حقيقة الأمر هى أن الجانب الأكبر من حصيلة الضرائب مصادرها هى الضرائب المستقطعة من الأجور والضرائب غير المباشرة، أى تلك التى تثقل على دخول الفقراء ومتوسطى الدخل. الضوء يلقى هنا فقط على المفاهيم البديهية للضرائب، والإيرادات العامة، والإنفاق العام.
 
على الرغم مما سبق ذكره فحقيقة الأمر هى أن السردية المذكورة لا تبغى تحرير كل عوامل الإنتاج من العراقيل والعقبات. هى تريد التحرر من القيود لرأس المال وللأرض، أما العمل ــ عامل الإنتاج الثالث ــ التى توجد ضوابط قوانين العمل فى كل مكان لتحريره من التعسف ومن الاضطرار لقبول أى شروط للعمل تفرض عليه، فإن هذه السردية غير معنية بتحرره. بالعكس، هى تريد تفكيك ضوابط قوانين العمل لتكتسب حرية لرأس المال وتفرض قيود الحاجة على العمل. هذا عنصر أساسى آخر من عناصر اقتصاديات جانب العرض.
 
والمعلق على هذه السردية لا يملك إلا أن يشير إلى أنه وإن كان صحيحا أن التباطؤ الاقتصادى الحالى يرجع إلى السنوات الثلاث الماضية، فإن المشكلة الأكبر تعود إلى ما قبلها من سنوات. فى بعض هذه السنوات تحققت معدلات عالية للنمو الاقتصادى، ومع ذلك تفاقمت مشكلة البطالة، وبقيت الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج على انخفاضها، واستمر العجز المزمن فى الميزان التجارى، وتدهورت الخدمات العامة.
 
اقتصاديات العرض لم تحل مشكلة لا فى بلداننا ولا فى البلدان المتقدمة، بل هى فاقمت المشكلات. كانت هى السبب الأساسى للأزمة الاقتصادية العالمية، فهى فى سعيها إلى الحصول على الجانب الأكبر من موارد الاقتصاد لتمويل العرض من السلع والخدمات، حرمت الطلب من الموارد الحقيقية الضرورية ليصير طلبا فعالا. ولكن لأنه لابد من تصريف العرض لتحقيق أرباح ثم لإنتاج عرض جديد، فلقد خلق طلبا ساندته موارد وهمية، فلما انكشف فى نهاية الأمر وهم الموارد انهار الطلب وكادت تنهار معه اقتصاديات كثير من البلدان المصنعة وفى مقدمتها الولايات المتحدة، لولا أنها لجأت إلى أموال دافعى الضرائب من المواطنين العاديين لتسند بها الطلب المتهاوى وتنقذ بذلك الاقتصاد من الانهيار. النقاش محتدم فى الوقت الحالى فى البلدان المصنعة حول ما إذا كانت الأزمة قد انتهت لأن الإنتاج كاد يعود إلى مستويات ما قبل الأزمة، أم أن الأزمة ما زالت قائمة لأن مشكلة البطالة مازالت حادة وبالتالى فالطلب الفعال والمستديم ضعيف.
 
ألا نتعلم من درس إنقاذ الاقتصاد الأمريكى بفعل تنشيط الطلب الداخلى؟ خلق الطلب الداخلى الفعَال، يكمله الطلب الخارجى، بالإضافة إلى أنه يحقق للناس احتياجاتها، فإنه هو الذى يجتذب الاستثمار الأجنبى، ويحقق النمو الاقتصادى المستديم غير المكشوف تماما أمام تقلبات الأسواق الخارجية. ألا تقدم لنا الصين، ذات السوق الهائلة، درسا بليغا آخر فى هذا المقام؟
 
غير أن لاقتصاديات العرض آثارا سياسية بالغة الخطورة كذلك لأنها تغير فى الأوزان النسبية للفاعلين السياسيين. بتخصيص نصيب متزايد من موارد الاقتصاد لمساندة العرض، يتراجع الطلب الفعال، وينكمش تحقق احتياجات الناس. حدث ذلك فى مصر فى العقود الماضية، وهو ما استغلته الجماعات الدينية المتطرفة، من إخوان مسلمين وغيرهم، ليوفروا للناس السلع التموينية، والخدمات التعليمية، والرعاية الصحية. ارتبط ناس كثيرون بهذه الجماعات واكتسبوا أفكارها لأنها اضطلعت بالوظائف التى كفَّ النظام السياسى عن القيام بها بكفاءة. أفكار التطرف وجدت طريقا وعرة لم يصنها النظام السياسى بتخفيضه للإنفاق الاجتماعى، فمهدته هى لنفسها بالسلع والخدمات والرعاية.
 
ألم تقم الثورة لأسباب اقتصادية واجتماعية، بالإضافة إلى أسبابها السياسية، أم أنها اشتعلت لاعتبارات رمزية دينية كما يدعى الإخوان المسلمون ومن يشاركونهم آراءهم؟ لعل أصحاب اقتصاديات العرض يختارون ردا على هذا السؤال.
 
يحكى عن أن ألبرت أينشتاين أنه قال ذات مرَّة إن مواجهة نفس المسألة مرتين، وبنفس أسلوب المواجهة، ثم انتظار أن تكون النتيجة فى المرة الثانية مختلفة عن المرة الأولى، هو الجنون بعينه.
 
---------------------------------
* نقلا عن الشروق المصرية، الأحد، 2/2/2014.

رابط دائم: