دلالات تصويت النساء للدستور
23-1-2014

أمينة أبو شهاب
*
تَصدّرُ المرأة لمشهد الاستفتاء على وثيقة دستور 2014 في مصر وتصويتها ب"نعم" كان هو الظاهرة الأبرز في هذا الاستفتاء .
وهذه الظاهرة ترسم في خط بياني منتظم ومتواصل الصعود، أهمية الكتلة النسائية سياسياً في المجتمع العربي، وكم ابتعدت هذه الكتلة عن حقيقة أن تكون أرقاماً عددية هامشية أو أصواتاً لا تعرف لنفسها اتجاهاً بعينه ويتم توجيهها نحو الفراغات التصويتية المطلوبة .
 
هذه الكتلة الملتحمة هي معبّر عن التحولات الكبرى في المجتمع العربي الذي تغير كثيراً من خلال نسائه، حيث أصبحت تحضر المرأة في عمق بحر السياسة المتلاطم الأمواج في ظل الظروف السياسية الخطرة في كل مكان . إنها تحضر أولاً متابعة ورأياً ومشاركة في الإعلام الإلكتروني بعد أن غدا الوطن العربي خريطة للخوف والمجهول وحروب الشوارع وأصبح جزء كبير منه مدناً مهدمة تحكمها شريعة الغاب والقسوة والحقد المتبادل .
ها هن النساء في مصر يمسكن بدرجة كبيرة بدفة السفينة المصرية ويسهمن بتصويتهن الذي لا شك أنه مال بالأمور نحو خيار وطني بعينه ما دعا بعض الإخوان وأنصارهم للتعبير عن الظاهرة بالقول بانطباق حديث إن أغلب أنصار الدجال في آخر الزمان هن من النساء .
 
إن دلالات الاستفتاء في مصر تشير بقوة إلى "التسيس" الواسع للنساء في مصر، فإن فعلهن السياسي هو طاغي الحضور بعد أن كن الغائب الأكبر والفئة الأقل وعياً كما دأب كثير من المحللين سابقاً على القول . في زمن يضطر الرجل للتخلف عن المشهد الاستفتائي لتنوب عنه المرأة على المستوى الأسري أو لتسد فراغه وهو عازف أو لا مبال تثبت في الحقيقة فكرة على مقاومة الدعاية السوداء للإخوان وتسلطهم الثقافي والفكري على قطاع المرأة في المجتمع وهو القطاع الذي يركزون جهدهم عليه من دون غيره من الفئات الاجتماعية الأخرى .
 
لقد حاول الإخوان تمرير رسالة سياسية حول وثيقة الدستور وهي أنه ضد الشريعة ومعادٍ لها، كما خلقوا جواً من الإرهاب وعنف الشوارع ما يشكل عائقاً نفسياً وأمنياً للتصويت في الاستفتاء، ولكن النساء أبطلن بعزيمتهن ووطنيتهن اللعبة الإخوانية .
تصويت المرأة المصرية هو لذلك رسالة سياسية للنظام السياسي الحالي بأنني "أنا هنا" شريكة تفرض دورها في الحياة السياسية وفي مستقبل الوطن . ليست المرأة تابعاً سياسياً للرجال كما يقول الإخوان، ولم تحدد خياراتها السياسية بعاطفية وبغياب العقلانية والتفكير منتظرة دعوة السيسي لها لتستجيب عبر طوابير طويلة تنسب نفسها لدعوة السيسي وحده، كما يذكر الإعلام . الواقع هو العكس، فالسيسي بذكائه السياسي كان يدرك قوة الكتلة التصويتية النسائية وأثر الرأي السياسي للمرأة في مسار الأحداث في مصر . لقد كان يعلم أن المرأة كانت حاضراً رئيسياً في استفتاء 2012 وكانت تشكل الرقم الأعظم في الرافضين لذلك الدستور والذين كانوا يشكلون نسبة تصل إلى 27% من الذين أدلوا بأصواتهم . لقد خاطب السيسي المرأة بما يتناسب مع حجمها في الوطن ومع وطنيتها وخوفها على حقوقها ومكتسباتها ومع ما يتناسب كذلك مع قلقها على مستقبل الوطن وكيان الدولة . ومن الملاحظ أنه قد "طمأنها" على توفر الأمن وحماية مراكز الاقتراع . فلم تصوت المرأة بعاطفتها، كما يقال، وإنما صوتت بوحي العقل وكمال الوعي وبأعين مفتوحة على احتمالات الغد وما قد يحمله من خطر على الأسرة والمجتمع والبلد فيما لو تغلب الخيار الآخر وخيار تخشاه المرأة كثيراً وهو عدم الاستقرار السياسي واستشراء العنف وامتداده في مظاهر الحياة اليومية للمجتمع فيما لو انهارت الدولة .
 
إن كانت "نعم" للدستور هي لأجل الاستقرار في مصر فإن دافع المرأة فيها هو الأقوى لأن مشهد العنف والإرهاب في الشارع وترويع المجتمع يعنيها بشكل خاص، ويشكل كابوساً وهمّاً يرتبط بسلامة الأبناء والأسرة والمحيط المجتمعي وأفق المستقبل للبلاد . لقد كانت مفردة الاستقرار على لسان الكثيرات من اللواتي اصطففن في طوابير الاستفتاء مستخدمات سلاح التصويت لمصلحة حياة جديدة للأسرة والمجتمع ولقطع الطريق على الفوضى وسيلان الدماء، كما هو المصير في مجتمعات عربية أخرى مجاورة .
 
لأجل السلام الأهلي والأمن المجتمعي خرجت النساء من كافة الفئات العمرية في مشهد لم يغب عنه الأطفال، ولقد زغردن وغنين محولات يوم الاستفتاء إلى تظاهرة فرح وتفاؤل بالمستقبل في هزيمة على أيديهن للخوف والترويع وأجواء الانفجارات ودخان أفكار التحريم والذهاب إلى جهنم .
 
أما الدلالة الأكبر، فهي عقاب المرأة للإخوان على سنة من الحكم عصفوا فيها بحقوقها ومكتسباتها وتدخلوا في حياتها الخاصة وأظهروا فيها مدى محدودية رؤيتهم وضيقها بالنسبة للمرأة . صفوف النساء الطويلة في التصويت على الدستور إن هي إلا حائط صَدّ ضد محاولات الإخوان العودة للتمكن في المجتمع والدولة والتحكم في شؤون المرأة . لقد هزمت المرأة الإخوان بالفعل في تصويتها على الدستور الذي لم يتردد بعض خطباء الإخوان والسلفيين في وصفه في حربهم عليها ب"دستور المرأة الزانية" .
 
لقد صوتت المرأة ضد ضيق الأفق الفكري والمجتمعي وتحجيم دور المرأة وانتقاص عقلها وأهليتها ومواطنتها منتصرة بذلك لدورها ومكانتها الجديدة ولرؤية حضارية أوسع أفقاً بما لا يقاس من نفق الإخوان الضيق الذي عاش ضمنه الجميع في العهد الإخواني . صوتت للدولة والاستقرار وكذلك لنفسها .
 
--------------------------
* نقلا عن الشروق المصرية، الخميس، 23/1/2014

رابط دائم: