مخاطر الرعاية الأمريكية للمفاوضات
5-1-2014

علي جرادات
*
أثبتت تجربة عقدين ويزيد أن خيار الرهان على الرعاية الأمريكية للمفاوضات الفلسطينية-"الإسرائيلية" ليس خياراً عبثياً فحسب، بل هو خيار خطر، أيضاً . رغم ذلك، ورغم مخاطر "مقترحات كيري الأمنية" الأخيرة على القضية الفلسطينية، إلا أن الرد السياسي الرسمي الفلسطيني على هذه المقترحات ما زال دون مستوى التحديات والمخاطر، وكذا هو حال رد جامعة الدول العربية الذي تبنى الرد الفلسطيني وغطاه من على قاعدة "نقبل ما يقبله الإخوة الفلسطينيون" . ففي حين اقتصر الرد الفلسطيني على توجيه رسالة استيضاحية أرسلها الرئيس الفلسطيني إلى الرئيس الأمريكي، اقتصر رد وزراء الخارجية العرب على توجيه رسالة لكيري لاستيضاح مقاصد مقترحاته، وكأنها غير واضحة، وعلى تحديد ما يمكن قبوله وما لا يمكن قبوله، وكأن المطلوب هو توضيح حدود التعاطي مع هذه المقترحات، وليس رفضها وتفعيل أوراق القوة العربية لمواجهتها بالمعنى السياسي على الأقل، وعلى تحميل حكومة "إسرائيل" مسؤولية فشل المفاوضات، وكأن تحميل المسؤولية يكفي للرد على التمادي السياسي والميداني لحكومة نتنياهو .
 
وهو التمادي الماثل في أنه منذ استئناف المفاوضات في 30 يوليو/تموز الماضي، ووفق آخر تقرير لمنظمة "السلام الآن" "الإسرائيلية"، تم بناء 3000 وحدة سكنية استيطانية، وتم طرح عطاءات لبناء 8056 وحدة أخرى مقابل إطلاق سراح الدفعتين الأولى والثانية من قدامى الأسرى، وإعلان العزم على طرح عطاء لبناء 1400 وحدة أخرى مقابل إطلاق سراح الدفعة الثالثة في الأسبوع الماضي . وفي مصادقة اللجنة الوزارية لشؤون التشريع على مشروع قانون يشترط مجرد فتح التفاوض على القدس بالحصول على موافقة 80 عضو "كنيست" . وفي قيام اللجنة الوزارية ذاتها بسن مشروع قانون ل"ضم مستوطنات منطقة الأغوار" . وفي إعلان نتنياهو أن حكومته "لن توقف للحظة مشروعها الاستيطاني في الضفة"، وأنها "ستعرض أي اتفاق ل"الحل النهائي" على استفتاء شعبي"، وأنها "لن توقع أي اتفاق لا يتضمن شطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين والاعتراف ب"إسرائيل دولة للشعب اليهودي" . وفي "بالون الاختبار" الذي أطلقته صحيفة معاريف التي "لا تنطق عن الهوى"، وفحواه: أن هناك مقترحاً "إسرائيلياً" رسمياً تم تقديمه لجهة أمريكية رسمية أيضاً يقضي بضم الكتل الاستيطانية الثلاث الكبرى في الضفة مقابل تحويل أجزاء من منطقة المثلث يقطنها نحو 000 .300 من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 إلى سلطة الدولة الفلسطينية الموعودة، ما يعني تحويل خطيئة الموافقة الفلسطينية ثم العربية على فكرة "تبادل الأراضي" إلى اختراق استراتيجي ما انفك الفاشي ليبرمان، بدعم من نتنياهو، يعمل على تحقيقه من خلال المساواة بين فكرته الاقتلاعية العنصرية حول "تبادل السكان" وبين فكرة "تبادل الأراضي" . ماذا يعني كل هذا الكلام؟
 
رد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية المُغطى بموقف جامعة الدول العربية ما زال يتجاهل سواء بقصد أو من دون قصد الخطر الاستراتيجي الذي تعكسه بجلاء "مقترحات كيري الأمنية"، تارة بدعوى أن الرجل قدم أفكاراً شفوية قابلة للبحث وليست خطة نهائية ومكتوبة، وكأن هذا ليس مقدمة لذاك . وتارة بدعوى أن مقترحاته لا تعدو كونها استرضاء لحكومة نتنياهو بعد "اتفاق إيران النووي"، وكأن تركيز السياسة الأمريكية "الإسرائيلية" على الملف "النووي الإيراني" وتضخيمه لم يستهدف، فيما يستهدف، تهميش ملف القضية الفلسطينية وتبرير المواقف الأمريكية الداعمة لشروط الرؤية "الإسرائيلية"، بل الصهيونية، المعادية للشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه الوطنية والتاريخية . وتارة بدعوى أن مقترح كيري القاضي ببقاء الجيش "الإسرائيلي" على حدود الدولة الفلسطينية الموعودة مع الأردن ربما يفتح على مقترح آخر يقضي بتوسيع حدودها غرب "الخط الأخضر"، وكأن هذا ليس محض وهْمٍ اللهم إلا إذا كان بلا معنى صمت الإدارات الأمريكية عن بناء جدار الفصل السياسي، بما التهم من أراضٍ . وتارة بدعوى أن مقترحات كيري ليست نهاية المطاف بل ستتلوها مقترحات سياسية تتعلق بقضايا الحدود واللاجئين والقدس والمياه والأسرى، وكأن البدء ب"متطلبات" "أمن "إسرائيل" ومواطنيها" لا يعني تفصيل أي اتفاق إطار محتمل حول هذه القضايا، (جوهر القضية الفلسطينية)، على مقاس هذه المتطلبات الأمنية المزعومة والمفتعلة حتى برأي جهات أمنية وعسكرية "إسرائيلية" تعلن أن "أمن "إسرائيل" في السياسة وليس في الجغرافيا"، تماماً كما كان أعلن بوش الأب بعد أن طالت الصواريخ المدن "الإسرائيلية" أثناء العدوان الثلاثيني على العراق في العام 1991 . وتارة بدعوى أنه حتى وإن أرادت إدارة أوباما تحويل ما قدمه وما سيستكمله كيري من مقترحات إلى اتفاق إطار ل"الحل النهائي"، فإنه لا داعي للتطير لأن المفاوض الفلسطيني لن يقبل بالعناوين العامة لهذا الاتفاق، وأنه لن يقبل تطبيق تفاصيله في حال تم التوصل إليه، وكأن ليس بين أهداف خطة كيري تمديد التفاوض لأجل التفاوض تحت الرعاية الأمريكية إلى أجل غير مسمى يبقي العاملين القومي العربي والوطني الفلسطيني عاجزين ومشلولين وفي حالة رهان على هكذا مفاوضات يحكمها ويتحكم فيها من الألف إلى الياء اختلال ميزان القوى وتسير جنباً إلى جنب مع تصعيد إجراءات مصادرة الأرض واستيطانها وتهويدها، بل ويراد لها، أي المفاوضات، أن تقتصر على الضفة وتستثني قطاع غزة إلى حين كما اقترح علناً الرئيس الأمريكي أوباما، أي كما تريد بالضبط حكومة المستوطنين القائمة بقيادة نتنياهو-ليبرمان . 
 
بقي القول: إن رد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وجامعة الدول العربية على مقترحات كيري لا يتجاهل المخاطر الفعلية والاستراتيجية لهذه المقترحات على القضية الفلسطينية، فحسب، لكنه، وهنا المفارقة، يضيِّع فرصة واقعية وفعلية للخلاص من الارتهان للمواقف الأمريكية المعادية لهذه القضية، أيضاً، حيث ثمة تحولات دولية وإقليمية كبرى تجري في غير مصلحة الولايات المتحدة وتحولها إلى قوة عظمى بين قوى أخرى تنافسها بقوة في ظل ما تعانيه من أزمة اقتصادية بنيوية، ومن فشل متتابع لحروبها ولسياساتها الخارجية، بعامة، والشرق أوسطية منها، بخاصة . لكن لا عجب . ففي انكفاء مراكز القوة العربية على همومها الداخلية، وانشغال العامل الوطني الفلسطيني بانقساماته، ما يفسر عدم الإقدام على خيار إخراج ملف الصراع من قبضة الولايات المتحدة ونقله إلى رعاية هيئة الأمم المتحدة ومرجعية قراراتها . خيار لا يمكن الإقدام عليه من دون توحيد الصف الوطني الفلسطيني على أساس استراتيجية سياسية بديلة موحَّدة وموحِّدة من شأنها ألا توتر قوس الحالة الشعبية الفلسطينية المثقلة بجرائم الاحتلال وارتكاباته واستباحاته، فحسب، بل وقوس الحالتين الرسمية والشعبية العربية، أيضاً .
 
---------------------
* نقلا عن دار الخليج، الأحد، 5/1/2014.

رابط دائم: