الجدل الأفريقي... حول مانديلا
24-12-2013

حلمي شعراوي
* كاتب مصري
قليل هم الرجال الذين أثاروا كل هذه الكتابة، وهذا الجدل حولهم، على مدى نصف قرن أو يزيد.. وكان نيلسون مانديلا في مقدمتهم. كان كذلك منذ محاكمة العصر الشهيرة باسم محاكمة «ريفونيا» 1963 التي اعتبر دفاعه عن نفسه فيها شهادة على العصر بحق ضد النظام العنصري القاهر الذي سلم به قادة العصر الاستعماريون بعد الحرب العالمية، كما كان ذلك عند خروجه بشكل مهيب من سجنه في جزيرة «روبن آيلاند» وهو يحرج ذلك النظام، ويعلن أنه وحزبه وشعبه لا يتخلون عن المقاومة ضده إلا بعد تسليمه بحقوق هذا الشعب.. ثم كان ذلك أيضاً، لحظة رفضه الاستمرار في السلطة عقب انتخابه إلا لدورة رئاسية واحدة 94 - 1999. ثم كانت لحظة موته المهيب أيضاً التي جمعت قادة العالم لتوديعه.
 
نعم قليل أيضاً هم أولئك الرجال الذين أثاروا كل هذا الجدل مثل مانديلا أو الأب الروحي «ماديبا» أثناء أداء هذه البطولات.. وفي لحظة وفاته أيضاً، وحتى لحظة كتابة هذه السطور. ذلك أن معالم حياة مانديلا ارتبطت فعلاً، وليس فقط رمزياً، بحياة وطنه المعقدة.. والغنية أيضاً.
 
إن مبادئ «ساتيا جراها» الغاندية عن «اللاعنف» لم تتجسد بهذا الشكل خارج الهند إلا في جنوب أفريقيا بسبب حياة غاندي وسط أهله في جنوب أفريقيا لفترة ما بين الحربين، وكانت ذات تأثير بالغ، سلبياً وإيجابياً، في صياغة جزء من الفلسفة الاجتماعية لمانديلا وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي. وظلت شبه تهمة للحزب وزعيمه عقب انتهاء الحرب الثانية وتطلع الشعوب إلى تحقيق مطالبها! ومع حزب عريق من نوع المؤتمر الوطني الأفريقي كأقدم أحزاب القارة القوية والشعبية والنشطة منذ 1912، فإن مانديلا وهو الناشئ على الغاندية والتسامح أو التصالح بين الأجناس العديدة في بلاده، كان عليه أن يلبي مطلب الشباب بقيادة منظمتهم «امخونتو دي سوزوي» في فترة تشكل حركة التحرر الوطني على الساحة الأفريقية كلها.. ليضبط حركة الشباب المتطلعة لممارسة العنف، بفلسفة حول «اللاعنف»، وفي مواجهة قوانين مقاومة التخريب الصادرة عن النظام العنصري عام 1950 ضد الوطنيين. وقد تعرض وضعه للجدل العنيف منذ ذلك الحين، حتى استطاع أن يؤكد قيادة حزبه لجبهة شعبية ديمقراطية واسعة عقدت مؤتمراً لكل القوى الديمقراطية 1955 ليصدر عنه «ميثاق الحرية». وهو الميثاق الذي طرح صيغة «المجتمع متعدد الأجناس»، في وجه طبقة البيض! ولذلك كانت دعوة مانديلا وتمسكه وحزبه بهذا الميثاق، بقدر سماحته، مصدراً للجدل الواسع وسط حركة التحرر الوطني الأفريقية حتى أواخر الستينيات، حيث تصاعدت في القارة روح الكفاح المسلح، بعد هزيمة «لومومبا» وموجة الانقلابات العسكرية، ونكسة مصر عبدالناصر في الستينيات!
ولكن مانديلا احتفظ بشهادته موثقة في دفاعه المجيد أمام المحكمة فيما عرف بـ«دفاع ريفونيا».. الذي شكل عرضاً بإمكانية التسامح والتصالح بديلاً لقوانين التخريب البيضاء والعنف المضاد للوطنيين.. ولكن النظام في وهج عنفه لم يتقبل الدعوة، بعد أن جلب النقد الحاد أحياناً للداعي!
 
ولذا شهدت البلاد أحداث شاربفيل 1961، كما شهدت انتفاضة «سويتو» 1976 حتى خروج مانديلا من السجن 1991.. وفي هذه الأحداث الثلاثة، لا بد أن يستخلص الباحثون كيف يتشكل الجدل حول السياسة والساسة، وحتى الزعيم الكاريزمي! والأهم هي القوى الاجتماعية التي تتفاعل في أجواء الحدث وتنضجه، إيجاباً وسلباً أيضاً.
 
لقد أنضجت هذه الأحداث مختلف الأدوار في مجتمع جنوب أفريقيا، دور الشباب، والقوى العاملة ودور الحركة النسائية، واليسارية... فيما يظل ينعكس على الحياة في جنوب أفريقيا حتى الآن. برز «سوبوكوي» منافساً لـ«المؤتمر» ولمانديلا منذ 1961 ومعه حزب وحدة الأفريقيين المتشدد الذي لم يستمر بعد المصالحة 1991. وبرزت الحركة العمالية التي نضجت ومنح موقفها إلى جانب «المؤتمر» منذ الثمانينيات، قدرة تفاوضية هائلة لقيادة التفاوض، على رغم تركز النقد الآن على جماعة مانديلا بأنهم لم يستفيدوا من هذا الثقل للوصول إلى اتفاق أقوى لصالح الجماهير الشعبية الفقيرة والعاملة.
 
والطريف أن النقد حاد في هذه النقطة بينما الاتحاد العام للعمال «كوساتو» سعيد بوجوده في تحالف دائم مع «المؤتمر» داخل الحكومة المنتخبة حتى هذه اللحظة! ما يؤدي إلى تصاعد الإضرابات تباعاً في البلاد، متهمة الاتحاد بالخيانة، وأدت تطورات جنوب أفريقيا أيضاً إلى بروز دور المرأة الأفريقية كما قلنا، خاصة منذ انتفاضة «سويتو» 1976، فتلك الانتفاضة التي يباهي بها حزب «المؤتمر» في يونيو من كل عام، هي التي نظمها «أولياء الأمور» النساء مع أطفالهم وشبابهم ضد نظام التعليم الذي كان يريد فرض لغة «أفريكانز» بدلاً من الإنجليزية.. لإبقاء هؤلاء الصاعدين في «معزل» عن ثقافة العالم وفق سياسة الفصل العنصري... ووسط الأمهات والصبية هؤلاء، ظهرت زعامة «ستيف بيكو» الشاب الذي أعدمه النظام العنصري بعد سجن قاس! وبمثل ذلك، ظهرت زعامة «ويني مانديلا»، واستقر حق تقديم وضع النساء في الحركة الديمقراطية.. إلى حد مبدأ «المؤتمر» بإعطاء 50% من تشكيلاته للمرأة، ومبدأ 30% من التشكيلات البرلمانية والمحلية للنساء وفق الدستور.
 
فالمحيط إذن والأمجاد، والمسؤولية لم تكن حول مانديلا وحده، وحتى الأب «ديزموند توتو» الغاضب الآن، برز دوره بمعاونة ولصالح حزب المؤتمر، منذ تأسست «الجبهة الديمقراطية المتحدة» عام 83-1984. وهذه الجبهة هي شهادة لقوة منتج العمل الديمقراطي، حين تتواصل أطرافه بالجدية الكافية... فهي لم تكن منتج جهد طرف واحد، لأن حزبي، المؤتمر والوحدة كانا هناك، وكان هناك الحزب الشيوعي، وبداية تحرك أنحاء عمال المناجم نحو العمل السياسي بدل العزلة المهنية، ثم كانت هناك أكثر من ستة آلاف جمعية أهلية شعبية.
 
وهذه الجبهة هي التي استمرت سنداً لقوى المؤتمر التي تفاوضت على «الحل التصالحي» بين 1985-1990، حتى تم ما سمي بـ«صفقة العصر» أو المصالحة الكبرى مع «النظام العنصري» وطبقة البيض من الرأسماليين، مع مانديلا من سجنه، وقيادات حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وعناصره القيادية «راما فوزا» النقابي و«ثابو مبيكي» السياسي. فهو لم يكن اتفاق مانديلا وحده. كان التحالف الوطني الديمقراطي القائد للعملية أو المسلم بها يضم المؤتمر واتحاد العمال والحزب الشيوعي الذي وقف وراء مصطلح «استعمار من نوع خاص» بشأن الاستعمار الاستيطاني، وشاركت عناصره العمل الحزبي للجبهة الديمقراطية، حتى أصبح التحالف يحكم الآن بمجلس وزراء من التشكيلات الثلاثة، المؤتمر، والشيوعي، واتحاد العمال «كوساتو».
 
ومانديلا.. كان دائماً ابن «الغاندية»، وابن ميثاق «كل الأجناس»، وابن اللاعنف، وضغط عناصر التصالح القوية في حزبه! لم يكن يستطيع إلا أن يكون نيلسون مانديلا... زعيم دولة «قوس قزح».. و«الوطنية الجديدة».
 
وكان على «التصارع» أن يستمر إلى جانب التصالح... فظهرت فلسفة «الحقيقة والمصالحة» ولجانها، وقويت الطبقة الرأسمالية السوداء الجديدة داخل ناطحات السحاب في منطقة «سويتو» نفسها، «المعزل الأسود» الكبير السابق! وبقيت الرأسمالية السوداء محلية، وبقيت معها نسبة الفقر والبطالة والجوع للأرض التي لم توزع وآثار الهجرة غير المنظمة بينما تخرج الرأسمالية البيضاء إلى الفضاءات الواسعة من العالم التي كانت «المقاطعة» للنظام العنصري تحرمها منها... وظهرت أفريقيا على وجه الخصوص، موقع نفوذ بارزاً للساسة الجدد من جنوب أفريقيا، سواء بقيادة «مبيكي» أو بقيادة «زوما».. مستفيدين جميعاً من اسم «نيلسون مانديلا» الذي يرى فيه ساسة وإعلام العالم، أو العولمة.. صوراً متعددة الجوانب! وليبدو الفقراء السود وحدهم وكأنهم فقدوا أملهم لفترة جديدة… بفقد رمزهم الأسطوري.
 
---------------------------------
* نقلا عن الاتحاد الإماراتية، الثلاثاء، 24/12/2013.

رابط دائم: