"الإخوان" ومصير الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة
27-8-2013


*
يواجه الأمريكيون الآن تحديات استراتيجية صعبة تتعلق بالمصير الذي يتهدد ما يمكن وصفه ب”الطور الثالث” للاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة . هذا الطور الثالث في تلك الاستراتيجية تكاملت ملامحه مع نجاح الإدارة الأمريكية في تمكين فروع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين من التمكين والسطو على موجة الثورات التي اجتاحت العديد من الدول العربية وعلى رأسها مصر وتونس .
 
فعقب سقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك رابطة حلف وارسو انتهت الحرب الباردة التي بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتشكيل كتلتين دوليتين متصارعتين هما الكتلة الغربية الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة التي خرجت قوية من هذه الحرب دون تدمير على النحو الذي حدث لحلفائها الأوروبيين خاصة بريطانيا وفرنسا، والكتلة الثانية هي الكتلة الشيوعية بزعامة الاتحاد السوفييتي، وتأسس نتيجة لهذا الانقسام والاستقطاب الدولي نظام دولي جديد عرف بالنظام “ثنائي القطبية” . هذا النظام الذي كان مسؤولاً بدرجة كبيرة عن توفير قدر لا بأس به من “التوازن الدولي” انهار مع انهيار الاتحاد السوفييتي ما حفز الولايات المتحدة إلى السعي الدؤوب لفرض نفسها قوة عالمية عظمى ابتداءاً من عام 1991 الذي شهد قيادة الولايات المتحدة لتحالف دولي كبير حارب في الخليج العربي من أجل تحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي الذي بدأ يوم 2 أغسطس/ اب عام ،1990 والذي شهد أيضاً تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار النظم الحليفة لموسكو في وسط أوروبا وشرقها .
 
ظهور الولايات المتحدة كقوة عالمية عظمى أحادية حفز أطرافاً أمريكية إلى الدفع بتحويل الولايات المتحدة إلى قوة عالمية امبراطورية مسيطرة، اعتقاداً منهم أن العالم في تاريخه الطويل، لم يشهد قوة دولية أو إمبراطورية بمستوى قوة الولايات المتحدة .
 
وشارك في الدفع بهذا الاتجاه، جماعة الألفيين والصهيونية المسيحية، والمحافظون الجدد وغيرهم، وكان لابد من صياغة استراتيجية أمريكية جديدة تحقق هذا الطموح، وهكذا ظهرت دعوة تأسيس نظام إقليمي مركزي جديد في الشرق الأوسط يكون محور ارتكاز التأسيس للامبراطورية الأمريكية وحمل هذا المشروع اسم “الشرق الأوسط الكبير” الذي أخذ عنوان: إعادة ترسيم الخرائط السياسية في إقليم الشرق الأوسط، وكان مدخله الحقيقي غزو واحتلال العراق عام 2003 .
 
كان مشروع “الشرق الأوسط الكبير” يرمي إلى فرض السيطرة الأمريكية علي ذلك المستطيل الممتد من غرب الصين (شرقاً) وحتى المملكة المغربية وموريتانيا (غرباً) ومن شمال تركيا وجنوب روسيا (شمالاً) وحتى حدود منابع النيل (جنوباً)، والسعي إلى إعادة ترسيم حدود الدول الواقعة ضمن هذا المستطيل الذي يضم أهم ثروات العالم، كما يضم اغلب دول العالم الإسلامي ربما باستثناء اندونيسيا التي تقع خارج هذا المستطيل، وكانت إعادة الترسيم تهدف إلى إعادة تقسيم الدول على أسس عرقية ودينية وطائفية، من أجل إقامة دول اكثر انسجاماً وأكثر استقراراً كي يسهل السيطرة عليها .
 
مشروع الشرق الأوسط الكبير، جرى تنفيذه على العراق لكن وبفضل المقاومة العراقية الباسلة لم يكتب له النجاح، واضطرت الولايات المتحدة إلى أن تنسحب من العراق معلنة فشل الطور الأول من مشروعها للسيطرة على العالم، وجاءت الحرب “الإسرائيلية” على لبنان لتؤسس للطور الثاني من هذا المشروع الذي حمل عنوان “الشرق الأوسط الجديد” الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس وحددت مرتكزاته في ثلاثة: أولها إجراء تغيير جذري في مجرى الصراع التاريخي بالشرق الأوسط بإحلال الصراع العربي  الإيراني بديلاً للصراع العربي  الصهيوني، وثانيها أن تكون إيران هي العدو البديل لدولة الكيان الصهيوني، وثالثها فرض الصراع الطائفي - المذهبي السني - الشيعي كمدخل أساس للانحراف بالصراع التاريخي في المنطقة من صراع عربي ضد دولة الكيان الصهيوني ليتحول إلى صراع داخل الدول بين مكوناتها الدينية والطائفية وليحدث استقطاب إقليمي جديد على أساس طائفي بين قطب سني وآخر شيعي، ومن ثم إخراج “إسرائيل” نهائياً من دائرة الصراع وتتحول تدريجياً الى دولة إقليمية مهيمنة .
 
هذا الطور الثاني من الصراع وجد تعقيدات كثيرة حالت دون نجاحه، أبرزها فشل الحرب “الإسرائيلية” على لبنان في إنهاء المقاومة وفرض تقسيم طائفي - مذهبي للبنان يحول لبنان إلى أربع دويلات متصارعة، وفشل دعوة الصراع المذهبي داخل الدول العربية، ثم وهذا هو الأهم، ظهور تحديات كبيرة داخل الدول العربية الحليفة لواشنطن حالت دون نجاح دعوة الاستقطاب الإقليمي الطائفي إلى محور سني وآخر شيعي، الأمر الذي دفع بالإدارة الأمريكية إلى التفكير والتدبر العميق في السعي لإيجاد حلفاء جدد لواشنطن داخل الدول العربية بديلة للنظم الحليفة العاجزة، وهنا بالتحديد بدأت بالتفكير بالحليف الإسلامي وبالتحديد جماعة الإخوان التي توصل الأمريكيون من دراساتهم إلى قناعة مفادها أن النظم الحليفة لم تعد قادرة على القيام بالمهام الاستراتيجية الموكلة إليها، وأنه لا يوجد بديل شعبي قوي قادر على تحمل المهمة أهم وأبرز من الإخوان المسلمين .
 
هذا التفكير دفع إلى اهتمام أمريكي بضرورة صياغة استراتيجية معرفية جديدة هدفها الرئيس إعادة صياغة مفاهيم ما أراده الأمريكيون من “إسلام ليبرالي” باعتباره الفصيل الإسلامي الأقرب إلى المبتغى الاستراتيجي الأمريكي .
 
والاستراتيجية المعرفية الأمريكية التي نتحدث عنها هي عبارة عن وثيقة بالغة الأهمية أصدرتها الباحثة الأمريكية “شيرلي بينارد” التي كانت تعمل بقسم بحوث الأمن القومي الأمريكي في “مؤسسة راند”، وهذه المؤسسة بحكم نشأتها كمركز أبحاث استراتيجي لسلاح الجو الأمريكي وتحويلها من بعد إلى مركز عام للدراسات الاستراتيجية الشاملة، هي خير معبر عن هذا التفكير الاستراتيجي الأمريكي الجديد القائم على تأسيس تحالف مع فصيل إسلامي موثوق به يؤمن بالديمقراطية ويقبل بدعم الأمن والوجود “الإسرائيلي” ومجمل المصالح الأمريكية الأخرى .
 
وجاءت الدراسة الصادرة عن “مركز الأمن الأمريكي الجديد” بعنوان “التكيف الاستراتيجي في سبيل استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط”، والتي وضعت أربعة محاور للتعامل الأمريكي مع العالم العربي بعد “ثورات الربيع العربي” لتؤكد أن واشنطن قررت التحالف مع الإخوان كبديل للحلفاء السابقين (مصر - تونس) وكبديل لأعداء مناهضين (سوريا) . فإلى جانب اعطاء أولوية للتعامل مع الشعوب والنخب في الدول العربية وليس فقط الحكومات، والاهتمام بالاصلاحات السياسية والاقتصادية في تلك الدول احتلت مسألة صياغة سياسة مختلفة تجاه الإسلام السياسي الأولوية البارزة بالتأكيد على ضرورة التأثير على أحزاب الإسلام السياسي بدلاً من الرفض المطلق لدور الإسلام السياسي، وان تحكم واشنطن، في علاقاتها مع هذه الأحزاب، على أفعال هذه الأحزاب في مقابل أقوالها (خاصة فيما يتعلق بالاصلاحات السياسية والاقتصادية والموقف من “إسرائيل”) .
 
وفق هذه الأفكار والتوجهات بدأ التقارب الأمريكي مع الإخوان ودعمهم سياسياً ومالياً من عام ،2005 لكن عقب ثورات ما أسماه الرئيس الأمريكي باراك أوباما ب”الربيع العربي” كان السعي إلى تمكين الإخوان من السيطرة على الحكم، وهنا تتكشف الأسباب الحقيقية لجنون ردود الفعل الأمريكية على اسقاط حكم الإخوان في مصر، فالمصريون بثورتهم التصحيحية في 30 يونيو/حزيران 2013 أسقطوا، دون أن يقصدوا، الطور الثالث من الاستراتيجية الأمريكية، وهو سقوط لا تريد واشنطن ان تعترف به وتقاتل من أجل تجاوزه، وهذه هي حقيقة الأزمة المصرية الراهنة . فمصر لا تحارب الإخوان، كتنظيم إرهابي، فقط، ولكنها ودون قصد، وجدت نفسها وجهاً لوجه مع الولايات المتحدة، مدعومة بفرنسا وبريطانيا وألمانيا وتركيا .
 
------------------
* نقلا عن دار الخليج، الأحد 25/8/2013.

رابط دائم: