انتصار الدولة على الجماعة
20-8-2013

يوسف مكي
*
بعد فشل كل المحاولات لإقناع قاعدة الإخوان المسلمين بفض الاعتصام في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة، والاعتصامات في بقية المدن المصرية، أقدم الجيش المصري بالتعاون مع رجال الشرطة، على فض هذه الاعتصامات بالقوة . وكشفت الأحداث الأخيرة، عن حيازة المعتصمين للأسلحة، بما فيها البنادق و”الآربي جي”، والقنابل اليدوية، بما يكشف زيف ادعاء قيادات الإخوان، بأنهم باعتصاماتهم يمارسون حق التظاهر السلمي، الذي تكفله قوانين البلاد .
 
وعند كتابة هذا الحديث، تجاوز عدد القتلى من المعتصمين وأفراد الجيش والشرطة، ما ينوف على الألف قتيل، وأكثر من عشرة آلاف جريح، وإذا ما استمرت العمليات التخريبية التي يمارسها اتباع الإخوان المسلمين، فإن أعداد القتلى والجرحى مرشحة للزيادة .
 
وقد بدا موقف الإخوان المسلمين عدمياً، منذ بداية الاعتصام . الموقف الإخواني، حين اشترطوا ، لكي يفضوا اعتصامهم، إعادة الرئيس المعزول محمد مرسي لسدة الحكم . فمن وجهة نظر الإخوان، فإن ما حدث بعد الثلاثين من يونيو من إزاحة مرسي عن الرئاسة، وما عرف بخطة الطريق، هو انقلاب على الشرعية . بينما يرى المؤيدون لعزل مرسي، أن الإخوان المسلمين لم يتمكنوا من تنفيذ ما وعدوا به من حل المشكلات الاقتصادية التي يواجهها الشعب المصري، وأن الأزمات تفاقمت وازدادت سوءاً . ويستدلون على ذلك بنقصان المواد الغذائية وارتفاع الأسعار، وإغلاق محطات الوقود . ومن وجهة نظرهم، فإن الرئيس المعزول لم يتصرف كرئيس لكل المصريين، بل عمل على أخونة الدولة، وتعيين أفراد الجماعة السياسية التي ينتمي إليها في أهم مفاصل الدولة، وبذلك خان القسم الذي أداه باعتباره رئيساً لمصر، ومحافظاً على مصالح كل المصريين . والحديث عن أخونة الدولة طويل ومتشعب، وقد تعرضنا لبعض مظاهر الأخونة في أحاديث سابقة .
 
تعتبر جماعة الإخوان المسلمين، أن ما حدث مؤخراً في مصر هو انقلاب على الشرعية، وحجتهم في ذلك، أن الرئيس مرسي هو أول رئيسي مدني ينتخبه المصريون، عبر صناديق الاقتراع، وفي انتخابات نزيهة شهد لها العالم بأسره . وأن مرحلة ما بعد 25 يناير عام ،2011 هي انتقال نحو الديمقراطية، حيث الاحتكام في تعيين الرئيس هو لصناديق الاقتراع، وليس عبر التظاهرات، والتجمع في الميادين . وبالنسبة للأزمات التي تعرضت لها مصر، فإن يرجع الإخوان أسبابها إلى تدخل المؤسسة العسكرية أحياناً، وإلى غياب التجربة السياسية وقصر الفترة التي أمضاها الرئيس مرسي في سدة الحكم، ويعتبرونها غير كافية للحكم على أدائه .
 
الأسباب التي يطرحها كلا الفريقين، على وجاهتها، لا تفصح عن الأسباب الحقيقية للأزمة . فالذين خرجوا ضد مرسي، كان بإمكانهم التريث ومنحه مزيداً من الوقت، والتعاطي معه بإيجابية لحل المشكلات والأزمات التي تتعرض لها مصر، لو اعتقدوا أنه الحاكم الفعلي لمصر . لقد أفصحت الهتافات بسقوط حكم المرشد، التي طغت على كل الشعارات في ميدان التحرير، ومختلف الميادين المصرية، عن يقين بأن مرسي ليس  سوى واجهة لجماعة لم يعرف عنها في السابق أي انتماء وطني، وذريعتها في ذلك أن رسالتها عالمية، وقد عبر المرشد العام للإخوان المسلمين، في إحدى المناسبات، عن هذا الموقف بوضوح في تعبير غير لائق .
 
ذرائع الإخوان بشرعية حكم مرسي، وتوصيف ما حدث مؤخراً بالانقلاب على الشرعية، تنقلنا إلى موضوعين رئيسيين تتعلل بهما جماعة الإخوان المسلمين، هما صناديق الاقتراع والديمقراطية .
 
في ما يتعلق بصناديق الاقتراع، يعلم المتابعون لتطورات الأحداث في مصر، أن الانتخابات الرئاسية شهدت مرحلتين . في المرحلة الأولى دخل عدد من المرشحين، وكان الأكثر حظوظاً في الانتخابات ثلاثة: مرسي، وحصد 5764952 صوتاً، وشفيق وحصد أكثر من ،5505327 وصباحي، وحصد 4820273 صوتاً . في المرحلة الثانية كسب مرسي الجولة الانتخابية بفارق ضئيل ضد منافسه شفيق .
 
معنى ذلك، أن نصيب مرسي الحقيقي من الأصوات هو ما حصده بالمرحلة الأولى، أما ما حصده في المرحلة الثانية، والتي تنافس فيها مع شفيق، فهو رقم قريب جداً لمنافسه، الذي يفترض أن انتفاضة 25 يناير كانت موجهة ضد الجهة السياسية التي ينتمي إليها . الآخرون الذين منحوا مرسي أصواتهم، لم يكونوا يقبلون به، ولكنهم وضعوا بين خيارين أحلاهما مر . وقد وصف الكاتب عبدالحليم قنديل موقف المصريين في حينه بأنه اختيار بين العار والفشل، وأنهم فضلوا اختيار الفشل على العار . وهو تعبير رغم عدم دقته، فإنه يعكس ما افتعل بنفوس المصريين من احتقان وغضب وحيرة، وأيضا من اختلافات وصراعات ومواقف مرتبكة .
 
الثابت أن نسبة الأصوات التي حصدها مرسي لا تساوي شيئاً، أمام تعداد الجموع التي خرجت إلى الميادين، مطالبة بعزله، والتي قالت وكالات أنباء محايدة أنها تجاوزت الثلاثة والثلاثين مليوناً، تجعل من المتعذر قبول ذريعة صناديق الاقتراع، لتأكيد شرعية الرئيس المعزول .
 
أما الديمقراطية، فإنها كانت دائماً، بالنسبة للإخوان المسلمين، بدعة غربية . وقد وقفوا طيلة تاريخهم الطويل ضدها . وكان التزام حزب الوفد بها في الثلاثينات من القرن الماضي، مبرر هجوم جماعة الإخوان المسلمين عليه، واغتيال بعض قياداته من قبل الجهاز السري التابع لهم .
 
في التسعينات من القرن المنصرم، جاهر الدكتور عباس مدني، زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية، بأن جبهته ستعمل على الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، لكنها ستقيم بعدها حكم الخلافة وستلغي الاحتكام لصناديق الاقتراع . بمعنى آخر، أن شعار الديمقراطية، هو وسيلة للوصول إلى السلطة، فقط . وأن الأمر بعد ذلك سيكون مختلفاً . وكان هذا الموقف هو من الأسباب الرئيسة لاندلاع الأزمة الدامية، في الجزائر بين المؤسسة العسكرية الحاكمة، وبين جبهة الإنقاذ . وقد ذهب ضحيتها أكثر من مائة ألف قتيل، في حرب هي أقرب إلى الحروب الأهلية، وكان شعب الجزائر هو الخاسر الوحيد من موقف الجبهة .
 
الأمل أن تتكفل صلابة المواقف الوطنية للمصريين، ووعيهم بتفويت الفرصة على الإرهاب والتخريب، بتغليب مصلحة مصر، على ما عداها من المصالح، فتنتصر الدولة على الجماعة . وأن يستعيدوا في هذه اللحظة التاريخية العصيبة مقولة المفكر الإسلامي خالد محمد خالد، إن أي ولاء للدين لا يسعفه ولاء للوطن، هو ليس من روح الله .
 
---------------------
* نقلا عن دار الخليج  اللندنية، الثلاثاء 20/8/2013

رابط دائم: