سوريا...خيارات التدخل
7-6-2012

ماكس بوت
*

بعد المذابح والتطهير العرقي في راوندا في تسعينيات القرن الماضي، قال العالم: لن نسمح بحدوث ذلك ثانية أبداً. وانطلاقاً من هذا الوعد تدخل العالم لإيقاف عمليات القتل في البوسنة، وكوسوفو، وليبيا... غير أن تلك التدخلات كانت تمثل الاستثناء لا العرف السائد، بدليل أن العالم يشاهد الآن عنفاً مروعاً تتكشف تفاصيله في سوريا، ومع ذلك تجد الدول الكبرى في المنظومة الدولية مثل الولايات المتحدة، وحلفائها لديها من الأسباب ما يدفعها لقصر استجابتها على العقوبات الاقتصادية المصحوبة ببيانات شجب قوية العبارات، ولكنها فاقدة الفاعلية.

يحدث هذا، على الرغم من حقيقة أن الرهانات في سوريا أعلى كثيراً- من منظور إستراتيجي- عما كانت عليه في ليبيا. فعندما تصرف "الناتو" ضد القذافي، كان الرجل قد بات بالفعل طاغية معزولاً تخلى عن رعاية الإرهاب وإنتاج أسلحة دمار شامل. أما بشار فالأمر بالنسبة إليه مختلف: فحزبه يرعى "حزب الله" و"حماس"، ولديه مخزون كبير من الأسلحة الكيماوية، وكان على وشك تطوير سلاح نووي ما لم تقم إسرائيل بضرب مفاعله النووي عام 2007 ، فضلاً عن ارتباطه بعلاقات وثيقة مع إيران العدو الأول للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

هناك سبب آخر هو أنه كلما ظل الأسد باقياً في السلطة من دون أن يتمكن من إخماد الانتفاضة المحتدمة ضد نظامه منذ ما يزيد عن عام، كلما زادت احتمالات انجرار قوى إقليمية لأتون المعركة، وكلما زادت بالتالي فرص الجماعات المتطرفة مثل"القاعدة" المسؤولة بالفعل عن عدد من العمليات البشعة في سوريا، على تكوين ملاذات آمنة على الأراضي السورية.

ليس هناك شك أنه ستكون هناك مخاطر عديدة في سوريا ما بعد الأسد، ولكن إطاحته- وهو شيء لم تظهر العقوبات المختلفة أي علامة على إمكانها تحقيقه- يحمل في طياته إمكانية القدرة على تحقيق أهداف استراتيجية وإنسانية على حد سواء.

والذين يحبذون اللجوء للأسلوب البطيء في تحقيق هذا الهدف يقرون بمعظم هذه الحقيقة، ولكنهم يرون مع ذلك أنه لا توجد ثمة خيارات جيدة للتدخل.

ولا خلاف على أن إطاحة الأنظمة تحمل في طياتها مخاطر على الدوام، وأنها مسألة لا يجب بحال من الأحوال أخذها باستخفاف- حسبما علمتنا دروس العراق وأفغانستان، إلا أننا يجب أن نعرف أنه ليس هناك من يقترح إرسال قوات برية أميركية لسوريا، وهو أخطر خيار مطروح على الطاولة- كما لا يجب أن يقترح أي أحد مثل هذا الخيار أصلاً.

ليس هذا فحسب بل إننا نجد أيضاً أن الخيارات العسكرية الأقل خطورة بكثير من خيار التدخل الأرضي المباشر مثل الضربات الجوية، سوف تكون أصعب بكثير في سوريا، مما كانت عليه في الحالة الليبية لعديد من الأسباب منها تمثيلاً لا حصراً أن المعارضة السورية أقل توحداً من مثيلتها في ليبيا، فضلاً عن كونها غير مسيطرة على أي مدينة أو منطقة جغرافية محددة، وبالتالي سيكون ضرب أهداف العدو من دون إصابة مدنيين أبرياء مسألة أصعب بكثير مقارنة بما كان عليه الحال في ليبيا.

هل هذه حجج نلجأ إليها لاتخاذها ذريعة للاكتفاء بالجلوس من دون أن نفعل شيئاً، ونحن نرى المذابح وهي ترتكب أمامنا؟... إذا كان هناك من يرى أن ذلك يمثل خياراً؛ فهو خيار ليس بالجيد بحال.

من حسن الحظ، أن الخيارات لا تقتصر على تلك التي ذكرناها وإنما هناك خيارات أخرى كما يقول"أندرو تابلر" الخبير في الشأن السوري:

بادئ ذي بدأ يجب أن ننخرط على نحو أكبر في تنظيم المقاومة السورية من خلال تزويدها بأجهزة ومعدات الاتصال، والمعلومات الاستخبارية، وغير ذلك من أنواع المساعدة(غير المميتة).

ويمكن لدبلوماسيي الولايات المتحدة ورجال استخباراتها التعاون مع المعارضة السورية، من أجل صياغة خطط لإقامة حكومة ديمقراطية، إدماجية في فترة ما بعد الأسد، وهو ما سيهدئ من مخاوف الأكراد والمسيحيين وغيرهما من الأقليات التي تعيش في سوريا بالإضافة بالطبع لطمأنة رجال الأعمال وغير ذلك من أصحاب المصلحة مع نظام الأسد، والذين ترددوا حتى الآن في الوقوف لجانب التمرد.

سوف يكون من المفيد أيضاً في هذا السياق إنشاء مناطق آمنة على حدود سوريا مع تركيا والأردن التي فر ويفر إليها الآلاف هرباً من قمع النظام السوري، واللتين تمتلكان الإمكانيات العسكرية- وبالذات تركيا- التي تمكنهما من الدفاع عن تلك المناطق.

كذلك يمكن للولايات المتحدة وحلفائها من أعضاء "الناتو" تعزيز العقوبات الموقعة على النظام السوري من خلال فرض حصار بحري على الساحل السوري، وهو ما سيحد كثيراً من قدرة الدولتين الرئيسيتين الراعيتين لسوريا وهما روسيا وإيران على تزويد النظام بالأسلحة.

ويمكن أيضاً النظر في إمكانية القيام بتنفيذ ضربات جوية هادفة لحماية المناطق الآمنة، أو تدمير بعض الأهداف الأكثر أهمية بالنسبة للنظام... ولكن ونظراً لأن روسيا والصين ما زالتا تعوقان الإجراءات التي يمكن اتخاذها ضد نظام الأسد، فإن الجزء الأكثر صعوبة بالنسبة لإمكانية وضع هذا الخيار موضع التنفيذ هي تلك المتعلقة بالحصول على موافقة وتأييد المجتمع الدولي. ولكن عدم الحصول على موافقة المجتمع الدولي لم يوقف بيل كلينتون عن التدخل في كوسوفو، ولا يجب أن يوقف الإدارة الحالية عن التدخل في سوريا خصوصاً في حال ما إذا تمكنا من الحصول على تأييد ومساندة "الناتو"، والجامعة العربية.

---------------------
* نقلا عن الاتحاد الإماراتية الخميس 7/6/2012.


رابط دائم: