مأزق تل أبيب:| كيف تفكر إسرائيل في الانتخابات الرئاسية المصرية؟
13-5-2012

سعيد عكاشة
* خبير في الشئون الإسرائيلية، باحث مشارك في مركز الدررسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

الخميس 10 مايو 2012

يلزم المسئولون الرسميون في إسرائيل أنفسهم بعدم الإدلاء برأيهم فيما يتعلق بسباق الرئاسة المصرية، مكتفين مثلما فعل وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك بتأكيد أن ما يهم إسرائيل هو أن يحافظ أي رئيس قادم  لمصر- مهما تكن خلفيته السياسية أو الأيديولوجية  - على معاهدة السلام.هذا التحفظ أمر مفهوم، حتى لا تتهم إسرائيل الرسمية بالتدخل في الشأن المصرى، وحتى لا يتحول رأي أحد مسئوليها فيمن يكون أفضل أو أسوأ لإسرائيل لعامل من عوامل التأثير في شعبية المرشحين سلبا أو إيجابا.

بيد أن الأمر يختلف بالنسبة للكتاب والمحللين، وحتى الرأي العام الإسرائيلي الذي يدلي بدلوه في القضية بحرية تامة. ومن خلال متابعة الصحف ودراسات المراكز البحثية، يبدو أن هناك حالة حيرة شديدة لدى الجميع قد تنقلب إلى يقين بأن النتائج ستكون على نحو لا يطمئن الإسرائيليين.

إسرائيل وفرص المرشحين للرئاسة

ثمة شبه اتفاق بين المحللين الإسرائيليين – ربما يكون ناتجا لنظرة نمطية – على أن فرص المرشحين الإسلاميين تبدو أكبر من غيرهم ، وأن فوز أحدهم سيرتب مشكلات كبيرة في قضايا عديدة، على رأسها مصير معاهدة السلام، وحجم التهديد المحتمل نتيجة تدهور الوضع الأمنى في سيناء، واحتمال تدعيم الرئيس الجديد في مصر لحركة حماس والقوى الإسلامية في العالم العربى ، وموقفه من العلاقات مع إيران.

فعلى سبيل المثال، كتب بارى روبن في موقع "جلوريا" بتاريخ 30 أبريل 2012تحت عنوان "كيف ستغير الانتخابات الرئاسية في مصر الشرق الأوسط والعالم؟" قائلا "إن من بين كافة المرشحين للرئاسة في مصر ، لا يوجد فرصة سوى لثلاثة منهم فقط للفوز بالمنصب ، ورتبهم على نحو ذي دلالة ملخصا توجه كل منهم :

-  الأول محمد مرسى (مكتفيا بوصفه بأنه مرشح جماعة الإخوان المسلمين)

-  الثانى عبد المنعم أبو الفتوح (واصفا إياه  بأنه قيادى سابق في الإخوان المسلمين)

-  الثالث عمرو موسى (ذو التوجه الراديكالى القومى المشبع بخطاب عدائى لأمريكا وإسرائيل ، ورغم ديماجوجيته - كما يرى روبن - ، فإنه واقعى ورجل دولة).

الترتيب والتوصيف الذي أورده بارى روبن هنا يفصح عن توقعات لا تساندها استطلاعات الرأي في مصر، والتي ترتب ذلك عكسيا (مثلما أشار آخر استطلاع للرأي نشرته الأهرام وأجراه مركز الدراسات السياسية، حيث حصل موسى على 41% ، وتلاه أبو الفتوح 27% ، فيما حصل مرسى على أقل من 4%)،  فمن أين أتى روبن بيقينه الذي وصل إلى حد توقع أن يكون المتنافسون النهائيون على المنصب بين المرشحين الإسلاميين، إذا ما ذهبت الانتخابات إلى جولة ثانية؟.ولماذا تتطابق رؤية روبن مع ما سبق أن قاله رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتانياهو مبكرا(في سبتمبر 2011)، حينما صرح بأن " من لا يرى أن المستقبل يحمل لإسرائيل "إمارة إسلامية" على حدودها الجنوبية ، فإنما يدفن رأسه في الرمال؟" .

ولماذا يرى المواطنون الإسرائيليون الذين شاركوا في استطلاع رأي أجرته القناة العاشرة الإسرائيلية في نهاية أبريل 2012 الرؤية نفسها مع تعديلات بسيطة؟ ، حيث توقع 38% منهم أن يكون الفائز هو مرسى، فيما قال 28% إنه عمرو موسى،  و19% رأوا أن يكون الفائز أبو الفتوح ،وأن أحمد شفيق حصل على توقعات 17% بأنه قد يكون الفائز.

لماذا يتوقع الإسرائيليون فوز الإسلاميين؟

شبه الاتفاق بين المسئولين والكتاب والرأى العام الإسرائيليين على أن الإسلاميين أقرب للفوز بمنصب الرئاسة في مصر أو على الأقل ليس لهم من منافس قوى سوى عمرو موسى، يعود لعدة أسباب:

1- نتائج الانتخابات البرلمانية في مصر، والتي حصل الإسلاميون فيها إجمالا على 77% من مقاعد مجلسى الشعب والشورى.

2- عدم وجود مرشح قوى للجبهة المدنية، والتي حتى لو توافقت على مرشح ما، لما كانت قادرة على حشد تأييد له يزيد على 23% الذين قالوا لا في استفتاء 19 مارس 2011 حول أولوية الدستور أو الانتخابات.

3- عدم قناعة الإسرائيليين عامة بقدرة المصريين على تبنى الديمقراطية، واعتقادهم بأن أغلب المصريين يريدون حكما دينيا يطبق الشريعة الإسلامية.

بمعنى آخر، لا يوجد الكثيرون في إسرائيل حاليا على استعداد لتقبل نتائج مغايرة، حتى لو كانت بعض الوقائع في مصر تؤكدها: مثل التدهور في شعبية التيار الإخوانى والسلفي في الشارع المصرى في الأشهر الأخيرة، بسبب عدم قدرة البرلمان على اتخاذ قرارات فورية فيما يخص المطالب الاقتصادية الاجتماعية للأغلبية التي أيدتهم من الطبقتين الوسطى والفقيرة، فضلا عن الصورة السلبية التي خلفتها مناقشات البرلمان المذاعة على الهواء، بدءا من النائب الذي رفع الأذان في البرلمان، ومرورا بحادثة النائب أنور البلكيمى، ثم استبعاد المرشح المستبعد حازم أبو اسماعيل بسبب جنسية والدته الأمريكية.

ومما لا شك فيه أن المخاطر(من وجهة النظر الإسرائيلية) التي ستترتب على استحواذ الإسلاميين على منصب الرئاسة في مصر بعد أن هيمنوا على غرفتى البرلمان  ليست قليلة، فعلاقة الإخوان بحركة حماس علاقة عضوية وتاريخية. كما أن علاقة التيار السلفي المصرى أو بعض قطاعاته بحركة الجهاد الإسلامى الفلسطينى علاقات قوية على المستويين الأيديولوجى والحركى.ومن ثم ، فإن الهيمنة الإسلامية على مفاصل النظام الحاكم في مصر ستضع أعباء أمنية كبيرة على إسرائيل، سواء في مراقبة الحدود التي تجمعها مع مصر، أو في مواجهة احتمال أن تتذرع أى حكومة إسلامية قادمة في مصر بعدم قدرتها على ضبط الأمن في سيناء، لكي تطلب تعديلات في اتفاقية السلام بما يتيح لمصر زيادة قواتها هناك.

وكان "الكسندر بلاى"، مدير مركز أبحاث الشرق الأوسط بكلية آرئيل، قد طالب مبكرا في شهر نوفمبر الماضى بأن تتعامل إسرائيل مع الحدود المصرية على أنها "حدود معادية"، في ظل قناعته بأن الأمور في مصر تتجه نحو جمهورية إسلامية بزعامة الزعيم الروحى "يوسف القرضاوى"، على حد وصفه حرفيا.

تداعيات محتملة على إسرائيل

على الجانب الآخر، لا يشكل الإسلاميون، حسب الاعتقاد السائد في إسرائيل، خطرا أمنيا وفقط، بل سياسيا أيضا، لأنهم إذا لم يتحولوا لخطر أمنى أو عسكرى، فإنهم سيشكلون جزءا من الجبهة الدبلوماسية النشطة لنزع الشرعية عن إسرائيل، في وقت تعانى فيه الدولة العبرية فعلا عزلة دولية متزايدة بسبب تعطل عملية التسوية مع الفلسطينيين، واستمرار سياسة نشر الاستيطان في الأراضى المحتلة.

إن أكثر المتفائلين في إسرائيل لا يمكنه التيقن من أن نتائج الانتخابات في مصر لن تقود على الأقل إلى تدهور شديد في مستوى العلاقات بين البلدين،  فكافة المرشحين، بمن في ذلك عمرو موسى، ينظر إليهم على أنهم يكرهون إسرائيل، وسيسعون لتعديل اتفاق السلام معها بكل الطرق، كما أنهم سينضمون حتما للجبهة الداعية لعزل إسرائيل، والضغط عليها لتوقيع اتفاق سلام مع الفلسطينيين، لا يلبى الاحتياجات الأمنية لها، وهو ما أشار إليه مقال  بعنوان "مصر لم تستجب" نشر على موقع "Israeli Defense" في شهر أبريل الماضى.

في كل الأحوال، لا تمتلك إسرائيل رفاهية تبنى موقف "لننتظر ونرى"، وهى تلوم الغرب على ثقته في الإخوان المسلمين، والرهان على اعتدالهم مستقبلا، بعد أن يتحولوا من المعارضة إلى الحكم، أو كما أشار بارى روبن بشكل ذى مغزى، عندما ذكر الغرب بخطيئة تساهله مع الثورة الخومينية في إيران عام 1979 ، والتي قلل فيها آنذاك من مخاطر الحكم الدينى، وتساءل بوضوح :هل مرشح مثل عبد المنعم أبو الفتوح، يؤيده بقوة رجل دين متطرف مثل يوسف القرضاوى، يمكن أن يراهن على اعتداله؟ ، على حد وصف روبن.

ما يمكن توقعه أن إسرائيل ستبدأ عمليا في التعامل مع مصر على أنها بلد عدو حتى إشعار آخر، أو حتى يظهر الرئيس الجديد، سواء أكان إسلامى التوجه أم قومي التوجه، نوع السياسات التي ينوى اتباعها. وفي هذا الإطار، ينبغى فهم دعوة وزير الخارجية الإسرائيلى،"أفيجدور ليبرمان"، للتعامل مع مصر على أنها أخطر على إسرائيل من إيران، ودعوة آخرين في الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية لإعادة تشكيل كتائب عسكرية لمراقبة الحدود مع مصر.


رابط دائم: