هل تنجح دمشق في تفجير العلاقات التركية - الروسية؟
7-3-2012

سمير صالحة
*

أنقرة التي يبدو أنها نجحت حتى الآن في قطع الطريق على محاولات النظام السوري توتير علاقاتها مع إيران بعد زيارات متبادلة على أعلى المستويات تحت شعار فصل الملفات وتحييد موضوع الأزمة السورية قدر الإمكان وإعطاء الأولوية للبدائل الكفيلة بحماية علاقاتهما التجارية والسياسية، تحاول تكرار الأسلوب ذاته للرد على دمشق التي تجرب حظها هذه المرة على المحور التركي - الروسي الذي يعرف الجميع أنه بالغ الحساسية وسريع العطب بسبب تضارب المواقف وتباعد السياسات حيال أكثر من أزمة إقليمية ودولية تتقدمها القراءات المتباينة في موضوع الثورة السورية ونتائجها وانعكاساتها على التوازنات المحسوبة بدقة في المنطقة.

أنقرة لا تريد طبعا تعريض الأرقام المتزايدة في التبادل التجاري التركي - الروسي ورهانها على رفع الرقم الحالي الذي يفوق الـ30 مليار دولار إلى 100 مليار خلال السنوات الخمس المقبلة للخطر، وهي مهما حاولت تقديم مسألة الملف النووي الإيراني على غيرها من المسائل التي تناقشها مع موسكو فإنها لم تنجح في إخفاء حقيقة أن مركز الثقل في تزايد عدد اللقاءات والاتصالات التركية - الروسية في الآونة الأخيرة وانتظار إعادة تولي فلاديمير بوتين دفة القيادة سببه الحقيقي هو الموضوع السوري ومسار الأزمة وانعكاساتها على المنطقة ودولها.

قد يكون التوصيف الأفضل لحصيلة زيارة وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو الأخيرة إلى موسكو ينطبق على ما قاله وليد جنبلاط الذي كان هو الآخر في العاصمة الروسية وتحدث من هناك عن «مصالح دولية متضاربة بشكل قوي»، حيث إن اللقاءات والتحركات كلها تتمركز حول المساومات وجردات الربح والخسارة التي تقلق الكثير من القوى الإقليمية والدولية وفي مقدمتها روسيا طبعا، فبوتين يعرف أنه سيكون عرضة للمزيد من الضغوط من أجل تبديل موقفه من النظام السوري ومن طريقة تحليله لمسار الأزمة ومضاعفاتها ونتائجها.

موسكو التي تصر حتى الآن على لعب ورقة الوقت الضائع لصالح القيادة السورية علها تحسم الموقف وتعيد الأمور إلى نصابها، تأخذ بعين الاعتبار أيضا أن تطور الأحداث على الأرض يعكس حقيقة أخرى هي أنها ستكون أول من سيدفع ثمن مواقفها وسياساتها عند انجلاء السحب الداكنة فوق المدن السورية.

أسئلة واستفسارات كثيرة تركها الوزير التركي داود أوغلو أمام بوتين خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو فهل ستساهم في دفع قيادة الكرملين الجديدة لتكون حذرة أكثر في اتخاذ قراراتها للمرحلة المقبلة ورهانها الدائم على قيادة تعرف أنها تقود سوريا شيئا فشيئا نحو حرب أهلية تهدد وحدتها، متجاهلين الجبهة العربية والإقليمية والدولية العريضة التي بدأت تتشكل في مواجهة هذا النظام؟ أنقرة تريد أن تفهم القيادة الروسية أن ما ترفضه موسكو بشأن الشروط المسبقة وتدويل الملف السوري يحاول البعض الاستفادة منه للمضي في تصلبه وتعنته وأنه سيترك موسكو نفسها أمام خيارات ستكون أصعب عندما تكتشف أن متاريس المواجهات السياسية والدبلوماسية ستتحول عاجلا أم آجلا إلى خنادق للمجابهة العسكرية تماما كما حصل في ليبيا قبل أشهر. أنقرة تذكر الروس مرة أخرى أن ما يرفضونه اليوم في خطة جامعة الدول العربية والتحركات الأممية قد يجدون أنفسهم يطالبون به بعد أيام أمام التدهور السريع للوضع في سوريا واستحالة إقناع النظام في دمشق بلملمة الحطام والزجاج المبعثر في كل مكان.

بوتين قالها هو أيضا، إن موسكو جاهزة لمناقشة الاقتراحات البناءة الهادفة لإنهاء العنف في سوريا، وإن بلاده تقبل بالمرحلة الانتقالية في سوريا دون اللجوء إلى مجلس الأمن والقرارات الدولية، فهل يعني ذلك أن القيادة الروسية على استعداد لتغيير طريقة تعاملها مع الأزمة في حال حصلت على التعهدات والضمانات التي تحمي مصالحها عند فقدان حليف استراتيجي كبير مثل نظام الرئيس الأسد؟

موسكو لا يمكنها التخلي بمثل هذه البساطة عن حليف قديم وشريك استراتيجي مثل الرئيس الأسد ولا مصلحة لها في إقناعه بالتنحي أو إلزامه بذلك دون تعويض خسارتها الاستراتيجية هذه. وهي لن تدعم أي مشروع دولي ضد النظام السوري قبل الحصول على الضمانات الكافية بحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية وتريد قبل كل ذلك انتزاع التعهدات من المعارضة السورية قبل غيرها أنها لن تقاطعها وتستعديها. لكن ما تتجاهله القيادة الروسية هو أن الآخرين أيضا يملكون أوراق ضغط مماثلة أهمها الإجماع العربي التركي الغربي ليس فقط في رفض ما يحدث داخل سوريا، بل في تحذير المدافعين عن هذا النظام الذي يتابع محاصرة المدن ويتسبب في سقوط العشرات من القتلى والجرحى يوميا. أم أن موسكو تريد أن ترى الصورة الأمنية تتراجع أكثر فأكثر في الداخل السوري وتتابع النظام وهو يرتكب المزيد من الأخطاء لتبرر لنفسها قرار الابتعاد عنه والانتقال إلى الصف الآخر؟

في جميع الأحوال حكومة أردوغان تعرف أكثر من غيرها أن المحور الروسي الإيراني السوري المدعوم من قبل المالكي في العراق لن يتراجع بمثل هذه السهولة أمام ما يسميه محاولات قلب المعادلات الإقليمية وإسقاط أنظمة وتغيير الخرائط، وهي تعرف أيضا أن قيادات هذا المحور تتابع تفاصيل الدعم التركي المقدم للمعارضة السورية، كما تعرف مدى قدرة هذا المحور على تهديد مصالحها التجارية والاقتصادية معه، والتي وصلت إلى مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة وأن أكثر من ورقة سياسية وأمنية من الممكن لعبها ضدها ليس على مستوى المنطقة وحسب، بل داخل تركيا نفسها بسبب التداخل الجغرافي والعرقي والقومي. لكن ما تعرف أنقرة كذلك هو أنها ستكون في أحسن الأحوال ملزمة بالمغامرة والتضحية بأوراق لصالح الاحتفاظ بأوراق أخرى إذا ما كانت لا تريد أن ترى نفسها وسط السيناريو الأسوأ (الفشل) على الجبهتين الإيرانية والروسية ومنح النظام السوري المزيد من الفرص والوقت للمضي في محاصرة المدن ودكها فوق رؤوس ساكنيها.

---------------------
* نقلا عن الشرق الأوسط اللندنية الأربعاء 7/3/2012.


رابط دائم: