تضع العقوبات الدولية الدول المستهدفة أمام خيارين: إما بناء "اقتصاد صمود" يعتمد على الذات، أو اللجوء إلى "منطق المقايضة" وتكتيكات الالتفاف والوساطة لتسيير أمورها. ويتوقف نجاح أي نظام في مواجهة الحصار على ظروفه السياسية والميدانية الخاصة.
ومن هذا المنطلق سنحاول مناقشة هذه الآليات عبر دراسة مقارنة بين حالتين؛ حيث نناقش كيفية حماية الأصول وتدوير السيولة في ليبيا، وتجربة "اقتصاد المقاومة" وتحدياته الأخيرة في إيران.
الجذور التاريخية والمسار الوظيفي للعقوبات الدولية:
تعود الجذور التاريخية للعقوبات إلى العصور القديمة، حيث استُخدمت في اليونان كأداة ضغط بين الولايات. ومع تأسيس عصبة الأمم، بدأ تقنينها دوليا لمنع النزاعات المسلحة عبر عزل الدول المعتدية اقتصاديا. إلا أن التحول الجوهري حدث مع ميثاق الأمم المتحدة، وتحديداالمادة 41 من الفصل السابع، التي منحت مجلس الأمن سلطة فرض تدابير قسرية لا تتضمن استخدام القوة العسكرية، مثل وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات والاتصالات. وتهدف العقوبات في جوهرها إلى إجبار الدولة على تغيير سياساتها عبر خلق حالة من "العذاب الاقتصادي"، حيث تُستخدم احتياجات الإنسان الأساسية كورقة ضغط سياسية لإرغام النظام على الامتثال للشرعية الدولية أو تغيير سلوكه.أوحرمان الدولة من الموارد والسلع الاستراتيجية والتكنولوجية لتقليل قدراتها العسكرية ومنعها من تطوير أسلحة محددة.[1]
ولابد من معرفة أن هناك فجوة عميقة بين الأهداف النظرية المعلنة والواقع الذي تفرضه العقوبات على الأرض. فبينما يتمثل الهدف المعلن في تغيير السلوك السياسي وإجبار الأنظمة على الامتثال للشرعية الدولية أو نزع سلاحها كما حدث في الحالة الليبية، إلا أن الواقع يتجاوز ذلك. حيث تهدف القوى الدولية إلى تحقيق الردع الدولي عبر توجيه رسالة زجرية لأي دولة تحاول الخروج عن قواعد النظام العالمي. [2]
من العقاب الشامل إلى الاستهداف الذكي.. التحول المفاهيمي للعقوبات:
نشأت فكرة العقوبات محددة الأهداف كعلاج للعقوبات الدولية الشاملة، حيث إن الإشكالية الرئيسية التي كانت تواجه العقوبات الشاملة أنها لا تصيب المستهدفين منها، بل تخطئ أهدافها لتصيب الأبرياء.خاصة مع تزايد الاهتمام بحقوق الإنسان نظرًا لانتهاك العقوبات الدولية التقليدية لحقوق الإنسان، وإضرارهابالاحتياجات الأساسية.
ويعرف القانون العقوبات الذكية بأنها "تدابير غير عسكرية تفرضها المنظمات الدولية أو الدول ضد عناصر محددة من الأفراد والنخب الحاكمة والكيانات من غير الدول متى ثبت انتهاكها لقواعد القانون الدولي ومساسهم بالسلم والأمن الدوليين لإرغامهم أو الضغط عليهم لتعديل مسار سلوكهم واحترام قواعد القانون الدولي.[3]
المسار التاريخي والمبادرات الدولية لتقنين العقوبات الذكية:
بدأت تتبلور بوادر العقوبات الذكية في سياق متناسق من خلال عدة مبادرات دولية، كمبادرة "أجندة من أجل السلام" (1992-1995) التي تناولت آثار العقوبات الشاملة على الفئات الضعيفة والمسألة الأخلاقية التي تطرحها تلك الآثار، والمؤتمر الدولي الـ 26 للصليب الأحمر (1995) الذي قدم توصية بضرورة التخفيف من آثار العقوبات التقليدية وأن يكون توقيعها على النظام وليس الشعوب واجتماع المائدة المستديرة في كوبنهاجن (1996) تعاونت فيه الأمانة العامة للأمم المتحدة مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والاتحاد الأوروبي لتحسين العقوبات وجعلها أكثر استهدافا. ومبادرات (انترلاكن، بون وبرلين، ستوكهولم) تمت خلالها مناقشات لتوجيه السياسة العقابية بما يقلل آثارها الإنسانية ويضاعف قوتها التأثيرية.[4]
وفي عام (1997) بدأ تبلور الفكرة بشكل أكبر عند فرض عقوبات على القادة العراقيين ومنعهم من السفر، وتقرير الأمين العام (1999) الذي أكد ضرورة خفض التكاليف الإنسانية التي يتحملها السكان المدنيون إلى أقل حد ممكن. ومبادرة بون وبرلين (2000) التي ركزت بشكل خاص على عقوبات منع السفر وحظر الأسلحة، وفي عام 2002 تبنى مجلس الأمن مشروع العقوبات الذكية بموجب القرار رقم 1409 المؤرخ في 14 مايو من العام نفسه، بعد مقترحات من روسيا، والولايات المتحدة، وبريطانيا.[5]
مفهوم اقتصاد الصمود والبقاء الاقتصادي بين النظرية والواقع الاستراتيجي:
برز مفهوم "اقتصاد الصمود" كمصطلح اقتصادي جذاب تبنته الدول المانحة، وصار إطارا متفقا عليه في بعض من المشروعات الإغاثية، التي لم تحرز تغييراجوهريا في الحياة الاقتصاديةويعد من المصطلحات المحورية التي تداخلت فيها الأبعاد السياسية بالاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في السياقات التي تعاني من أزمات ممتدة أو احتلال. وعلى الرغم من جاذبية المصطلح، إلا أنه واجه انتقادات عدة كغياب التغيير الجوهري، الفجوة بين النظرية والتطبيق.
وفي المحصلة يقاس نجاح "اقتصاد الصمود" بمدى قدرة الدولة على الاستمرار في سياساتها رغم العزلة، بينما تراهن القوى الدولية على أن الضغط الاقتصادي سيؤدي في النهاية إلى تغيير السلوك السياسي.[6]
المقايضة كآلية بديلة في التجارة الدولية المعاصرة:
شهدت الفترة الماضية صعودا ملحوظالهذا النمط كأحد الأنماط الرئيسية في التجارة الدولية نتيجة الأزمات العالمية (مثل جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا). كتبادل البضائع من خلالها تصدير بضائع مقابل استيراد أخرى تحتاجها الدولة، مما يساعد في إدارة العجز التجاري وتبادل السلع بين الدول مع محاولة الحفاظ على احتياطاتها من العملات الأجنبية( الصفقات المتكافئة).[7]
كما تلجأ الدول لهذا النمط في عدة حالات، أبرزها: الحفاظ على الموارد المالية والرغبة في تلبية الاحتياجات الطارئة دون استنزاف الموارد المالية المتاحة، كأداة للتحايل على العقوبات الدولية المفروضة على بعض الدول. وعندما تكون الدولة غارقة في الديون وغير قادرة على الحصول على التمويل. والنقد الأجنبي في وقت الأزمات الاقتصادية العالميةكمقايضة الهند لروسيا لتغطية احتياجاتها من الأسمدة، وهو أحد أبرز مظاهر تصاعد صفقات المقايضة بين الدول مؤخرا.[8]
هندسة العقوبات الدولية بين وهم إسقاط الأنظمة وحتمية الأهداف الضيقة:
من الضروري أن تكون أهداف العقوبات ضيقة ومحددة بوضوح؛ إذ تزداد فرص نجاحها بشكل ملحوظ عند ربطها بغايات محددة وقابلة للتحقق الفعلي. وبناءً على ذلك لا يُتوقع عادةً نجاح العقوبات التي تهدف إلى تغيير الأنظمة السياسية، نظرا لأنها لا تترك أي حلول وسطى للحكومات المستهدفة، والتي لن تقبل بطبيعة الحال بالانتحار السياسي والتخلي عن السلطة، وهو تماما ما تجسد في حالة العقوبات الأمريكية المفروضة على نظام كاسترو. وتُعد العقوبات التي تستهدف تغيير حكومة بلد ما من أصعب العقوبات تصميما، خاصةً إذا لم يُمنح قادة الدولة المستهدفة الوقت الكافي للتكيف معها عبر إيجاد موردين أو أسواق بديلة، أو بناء تحالفات جديدة، أو تعبئة الرأي العام الداخلي؛ لذا يُصبح من الحتمي ربط العقوبات بأهداف تفصيلية، واضحة، وقابلة للقياس والتحقيق.[9]
ولكي تؤتي هذه العقوبات ثمارها وتحقق أهدافها المنشودة، ينبغي مراعاة أن تكون عقوبات شاملة، وأن تأخذ في الحسبان مبدأ 'شمولية الضرر'. وفي المقابل يجب على صانعي السياسات تجنب استراتيجيات السياسة الخارجية الضيقة التي تقتصر على الاعتماد على العقوبات فحسب دون التفكير في الخيارات والأدوات السياسية والدبلوماسية الأخرى؛ إذ توضح الحالة الإيرانية جلياأن الاستراتيجيات التي ترتكز حصرا على الطبيعة القسرية للعقوبات الاقتصادية نادراً ما تنجح في تحقيق غاياتها النهائية.[10]
ترتبط فرص نجاح العقوبات المفروضة ارتباطاً وثيقا بعدد الدول المشارِكة فيها والملتزمة بتنفيذها؛ إذ تُعتبر العقوبات الأكثر فعالية هي تلك التي تفرضها أطراف متعددة. وخير دليل على ذلك هو الإجراءات العالمية المتخذة ضد إيران، والتي شكلت ضغطاً هائلا على اقتصادها، مما دفع قادتها إلى العودة لطاولة المفاوضات والتوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015. ومع ذلك غالبا ما يواجه تحقيق التعاون متعدد الأطراف تحديات معقدة في مرحلتي التصميم والتنفيذ؛ ففي إحدى الحالات، حاولت الولايات المتحدة الأمريكية منع الهند من شراء النفط الإيراني، إلا أن استمرار الهند في الشراء شكل ثغرة واضحة في نظام العقوبات، نظرا لما تمثله السوق الهندية من ثقل ضخم للصادرات الإيرانية.[11]
ورغم الافتراض الشائع بأن التعاون متعدد الأطراف يعزز فعالية العقوبات،إلا أنه ينطوي في الوقت ذاته على تحديات قد تحمل في طياتها عوامل إفشالها. حيث يُعزى فشل العقوبات الاقتصادية متعددة الأطراف في مراحل التنفيذ والمساومة إلى تراجع بعض الدول المتعاونة عن وعودها نتيجةً للضغوط السياسية المحلية أو تغير رؤاها الاستراتيجية، فضلاً عن سيادة حالة عدم اليقين بشأننوايا الدول الشريكة الأخرى، وبروز مشكلات في التنسيق المشترك. وفي هذا السياق تستغل الولايات المتحدة الأمريكية سلاح العقوبات لتعزيز قدرتها على المساومة السياسية، والحد من النفوذ الإيراني والروسي في سوريا."[12]
في هذا السياق، تتوقف فاعلية العقوبات على البنية الداخلية للدولة المستهدفة ودرجة انكشافها الاقتصادي؛ فكلما كان اقتصاد الدولة "أحاديا" يعتمد على مورد رئيسى واحد (مثل اعتماد إيران على النفط)، كانت العقوبة الهيكلية التي تستهدف هذا القطاع الحيوي (كحظر صادرات النفط أو منع تكنولوجيا التنقيب) ذات أثر تدميري يُجبر النظام على الرضوخ والتفاوض.[13]
وتلعب طبيعة العلاقة بين النخبة والقاعدة دورا حاسما؛ ففي العقوبات الذكية، يبرز "عزل النخبة" كشرط هيكلي أساسي للنجاح. فإذا تحمل عامة الشعب أعباء العقوبة وحدهم (كما حدث في السودان لفترة طويلة)، تفشل العقوبة في تحقيق غاياتها السياسية؛ أما إذا وجهت العقوبات بشكل مباشر لتجميد أموال وممتلكات قادة الحرس الثوري ( إيران)، فإنها تنجح في خلق "شرخ" عميق في هيكل السلطة الحاكمة.[14]
وعلاوة على ذلك تبرز القدرة على "الاكتفاء الذاتي" كعامل محدد؛ إذ تكون الدولة التي تمتلك بنية زراعية أو صناعية بديلة أقل تأثراً وتبعية للخارج، وهو ما تجسد في الحالة الإيرانية حيث استُخدم "اقتصاد المقاومة" كآلية هيكلية فعالة لامتصاص الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحصار."
نمذجة العقوبات قسرا..التشريح التاريخي للأزمة الليبية:
تُمثل الحالة الليبية نموذجا تطبيقيا بارزا يعكس بوضوح الشروط الهيكلية للعقوبات الدولية ومحددات نجاحها أو فشلها؛ إذ تكشف هذه الحالة كيف تتحرك القوى الدولية عبر فترات زمنية مختلفة لتطويق النظم السياسية باستخدام سلاح العقوبات الاقتصادية والمالية لإجبارها على الانصياع للشرعية الدولية أو شلّ قدراتها على الأرض.
وفي هذا السياق، سيتم دراسة حالة العقوبات الدولية على الدولة الليبيةكأداة ضغط سياسي وقانوني والتي بدأت عبر مرحلتين تاريخيتين مفصليتين:
عقوبات 1992 (قضية لوكربي): بدأت العقوبات بصدور قرار مجلس الأمن رقم 748، والذي فرض حظر جويا وعسكريا كاملا، ثم تبعه القرار رقم 883 عام 1993 الذي قضى بتجميد جزئي للأصول المالية الليبية في الخارج للضغط على النظام لتسليم المشتبه بهم في تفجير طائرة "بان أم".[15]
عقوبات 2011(نقطة التحول الحالية):بدأت قصة العقوبات في ليبيا كاستجابة فورية لأحداث 17 فبراير 2011؛ حيث سارع المجتمع الدولي، بقيادة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، إلى اتخاذ تدابير لمنع نظام معمر القذافي من استخدام الأصول الوطنية في الخارج لتمويل العمليات العسكرية ضد المدنيين. هذا التوجه تُرجم سريعا إلى قرارات ملزمة من مجلس الأمن الدولي، بدأت بالقرار رقم 1970 الذي فرض تجميداً شاملاعلى أموال القذافي وعائلته، ثم أُتبع بالقرار رقم 1973 الذي وسّع نطاق العقوبات ليشمل المؤسسات السيادية الكبرى، بهدف حماية ثروات الشعب الليبي من الاستنزاف في ذروة الصراع المسلح.[16]
الاستجابة السيادية للجيل الحديث من العقوبات ــ القرار 2819 لعام 2026 نموذجا:
تتحرك ليبيا حالياً تحت مظلة منظومة عقوبات دولية "محدثة" تم تمديدها مؤخرا حتى عام 2027 بموجب القرار رقم 2819، وهي منظومة تتسم بآليات تعامل دقيقة وموجهة ترتكز على ثلاثة محاوراستراتيجية؛ أولها تمديد التدابير النفطية الهيكلية عبر استمرار العمل بالقيود المفروضة على تصدير النفط الخام والمشتقات المكررة بشكل غير مشروع حتى أغسطس 2027م كأداة ضغط لحماية عصب الاقتصاد الليبي، وثانيها حماية الموارد السيادية الوطنية حيث أكد القرار أن الهدف الجوهري من استمرار العقوبات هو منع استنزاف ثروات الشعب الليبي وحمايتها بشكل كامل من الاختلاس أو التبديد من قبل أي أطراف غير رسمية، وصولا إلى المحور الثالث المتمثل في تجديد الرقابة الدولية والمحاسبة من خلال تمديد ولاية فريق الخبراء المعني بليبيا حتى 15 أغسطس 2027م، بهدف مراقبة أي انتهاكات لنظام العقوبات القائم أو رصد أي محاولات لتهريب النفط، مما يجعل هذه الحزمة المحدثة بمثابة طوق رقابي يوازن بين الحظر التشغيلي وحماية الأصول السيادية للدولة.[17]
استراتيجية المقاومة القانونية.. التحركات القضائية لاسترداد "الأموال المنهوبة":
امتدادا لجهود الدولة الليبية في مواجهة تداعيات جيل العقوبات المحدثة وحماية مقدراتها السيادية، تتحرك ليبيا(ممثلة في المؤسسة الليبية للاستثمار والجهات الحكومية) حاليا في مسار قضائي ودولي معقد لاستعادة الـ 200 مليار دولار، وتستخدم في ذلك آليات تقنية وقانونية لاسترداد حقوقها:
· الملاحقة القضائية الدولية: حيث بدأت المؤسسات الليبية (مثل مكتب النائب العام ولجنة استرداد الأموال) برفع قضايا في المحاكم الأوروبية (بريطانيا، وفرنسا، وبلجيكا) لملاحقة الأصول التي تم الاستيلاء عليها أو تجميدها بشكل غير قانوني.
· المطالبة بالتعويضات: كما تتضمن التحركات القانونية رفع دعاوى قضائية ضد بنوك ومؤسسات مالية أجنبية بتهمة "سوء إدارة" الأصول المجمدة أو السماح بتآكل قيمتها السوقية نتيجة التضخم والركود.
· تغيير الحارس العالمي: تهدف هذه الآلية إلى تمكين ليبيا من تغيير "الحارس العالمي" للأموال لضمان أمانها، دون أن يعني ذلك فك التجميد أو السماح بالتصرف في الأموال.
· الحفاظ على القيمة: هذا الإجراء التقني يمنع تآكل قيمة الاستثمارات الليبية نتيجة بقائها في مصارف قد تواجه مشاكلات ائتمانية.[18]
وفي موازاة هذه التحركات الاستثماريةوالقانونية، جرى تفعيل آليات الرقابة الميدانية لحماية الثروات من خلال:
· التفتيش البحري والسيادة: استغلال تفويض مجلس الأمن الذي يسمح بتفتيش السفن في أعالي البحار لمنع عمليات تهريب النفط، لحماية الموارد المالية ومنع تحولها إلى "أموال منهوبة" جديدة.
· التفتيش الإلزامي: منح مجلس الأمن الدول الأعضاء تفويضاً بتفتيش السفن في أعالي البحار المتجهة من وإلى ليبيا عند وجود شكوك في عمليات تهريب.[19]
ونتيجة لتلك الجهودحققت المؤسسة نجاحا جزئيا في 16 يناير 2025، حيث حصلت على حق تقديم طلبات للجنة العقوبات لاسترجاع "الأموال المنهوبة"،كما في معركة الـ 15 مليار يورو في بلجيكا:
حيث خاضت ليبيا نزاعا قضائيا أمام محكمة استئناف بروكسل لرفع الحجوزات المفروضة على أموالها لدى بنك "يوروكلير".[20]
وفي 24 يناير 2025، صدر حكم برفع الحجوزات، وهو جزء من قضية أوسع مع بلجيكا أمام "المركز الدولي لـتسوية المنازعات " بدأت منذ ديسمبر 2023.وتأتي هذه الموافقات والتحركات محكومة ومقيدة وفق الضوابط الدولية التالية:
التعامل الفرديحيث يتم النظر في الطلبات "على أساس كل حالة على حدة".وفي حال الموافقة يُسمح للمؤسسة باستثمار الاحتياطيات النقدية فقط في "حسابات لأجل محدد" وأدوات "منخفضة المخاطر" أو سندات حكومية ذات فائدة ثابتة. كما تظل الأرباح المكتسبة من هذه الاستثمارات مجمدة، ولا يجوز إعادة استثمارها إلا في البلدان نفسها الموجودة فيها حالياً.[21]
ولضمان نجاح استرداد الأموال، تتبع ليبيا أسلوباً يعتمد على "التأقلم التقني" مع العقوبات:
كإعادة استثمار السيولة والسعي للحصول على استثناءات من لجنة العقوبات،كما تتيح للمؤسسة الليبية للاستثمار إعادة تدوير الأموال النقدية المجمدة في استثمارات آمنة لمنع خسارة قيمتها مع الزمن.وتغيير جهات الحفظحيث نص القرار الأخير على إمكانية نقل الأصول بين البنوك، مما يمنح ليبيا مرونة في اختيار المؤسسات المالية الأكثر أمانا لحفظ ثرواتها.[22]
وفي المقابل تتضح تفاصيل نظام العقوبات المجدد (القرار 2819 لعام 2026) "الإطار القانوني الصارم الذي يحكم الحالة الليبية حالياً" كالآتي:
١ـ تمديد العمل بكافة التدابير العقابية المتعلقة بالنفط حتى 1 أغسطس 2027.وحظر النفط غير المشروع، يشمل الحظر منع تصدير أو محاولة تصدير النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة التي تتم خارج إطار المؤسسة الوطنية للنفط المعترف بها دوليا.
٢ـ تجديد ولاية فريق الخبراء، تم التمديد للفريق المسئول عن مراقبة الانتهاكات ورفع التقارير لمجلس الأمن حتى 15 أغسطس 2027.
٣ـ استمرار تجميد الأموال والموارد الاقتصادية الليبية في الخارج لضمان عدم تبديدها أو استخدامها في تمويل النزاعات.وبقاء القيود المفروضة على توريد الأسلحة والمعدات العسكرية لمنع تصعيد العنف المسلح.[23]
خارطة الأموال التي تحاول ليبيا فك تجميدها:
المصدر:إعداد الباحثة
يوضح الشكل السابق حجم ومواضع توزيع هذه الثروات؛ حيث تحتفظ الولايات المتحدة بنحو 34 مليار دولار (أكبر كتلة أموال مجمدة)، تليها بريطانيا بنحو 19.2 مليار دولار، في حين تحتفظ إيطاليا وألمانيا بنحو 8 مليارات دولار لكل منهما، وفرنسا بنحو 11 مليار دولار.[24]
وفي هذا السياق تتمثل الاستراتيجية الحالية لليبيا في التحذير المستمر من استغلال القوى الدولية للانقسام الداخلي لاتخاذ حجة لاستمرار التجميد أو السعي لـ "الاستيلاء" على أصول الدولة الليبية تحت مسميات قانونية مختلفة، حيث تعاملت الدولة مع هذه المنظومة العقابية عبر استراتيجية "التكيف القانوني"؛ والتي استهدفت من خلالها حماية الأصول من الضياع عبر تعديلات فنية في قرارات مجلس الأمن، بالتوازي مع استخدام المظلة الدولية لمنع نهب الموارد النفطية عبر نظام التفتيش البحري الصارم الممتد حتى عام 2027.[25]
الهندسة التاريخية للعقوبات ضد إيران.. مقصلة الحصار وتكتيكات "اقتصاد المقاومة" الالتفافية:
يوضح التحليل التاريخي أن إيران واجهت نظام عقوبات يُعد الأطول والأكثر تعقيدا في التاريخ الحديث، حيث مر بعدة مراحل مفصلية بدأت بعقوبات ما بعد 1979 والتي انطلقت كعقوبات سياسية ودبلوماسية شملت تجميد الأصول وحظر التجارة الثنائية مع الولايات المتحدة، ثم عقوبات "الاحتواء" في التسعينيات التي انتقلت إلى استهداف قطاع الطاقة لمنع الاستثمارات الأجنبية في النفط والغاز، وصولا إلى العقوبات الدولية الشاملة (2006-2012) وهي المرحلة التي شهدت صدور قرارات من مجلس الأمن الدولي استهدفت البرنامج النووي، وتحولت فيها العقوبات إلى "حصار مالي" دولي شلّ قدرة إيران على استخدام نظام "سويفت" للتحويلات البنكية.[26]
وعلى خلفية هذا الصدام، لم ينهَر الاقتصاد الإيراني بالكامل، بل أعاد تشكيل نفسه تدريجيا ضمن نمط بقاء قسري تعاملت معه إيران عبر طرح مفهوم "اقتصاد المقاومة" في عام 2012؛ حيث تروج القيادة الإيرانية لسياسات "اقتصاد المقاومة" كأداة لمواجهة ما وصفه الرئيس الإيراني بـ "انتقال الحرب إلى ميدان الاقتصاد"، وهو نمط يقوم على امتصاص الصدمات لا تجاوزها، ويستند إلى فلسفة محاولة احتواء التدهور الناتج عن العقوبات الغربية المشددة وآثار المواجهات العسكرية الأخيرة، من خلال تحويل التركيز من الميدان العسكري إلى ميدان الاستقرار المعيشي والقدرة على الصمود المؤسسي أمام الضغوط الخارجية، وبناء شبكة معقدة من الوسطاء وشركات الواجهة وشبكات "الأسطول المظلم" للالتفاف على الرقابة المالية الدولية وتصدير النفط بأسعار مخفضة لأسواق بديلة (مثل الصين)، ويرتكز اقتصاد المقاومة في جوهره على (الإنتاج المحلي والاعتماد الذاتي).[27]
وتستند سياسات اقتصاد المقاومة لمجموعة من الإجراءات الهيكلية والمميزات التي تمتلكها إيران لمواجهة نظام العقوبات وتقليل الارتهان للنظام المالي العالمي، وأبرزها محاولة تنشيط الصناعات الوطنية لتعويض نقص الواردات الناتج عن تجميد الأصول والقيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز، والعمل على خلقسلاسل إمداد داخلية قوية قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية في ظل الحصار الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الخارج. ومن خلال هذا "الذكاء الالتفافي"، استطاعت إيران الالتفاف على نظام "سويفت" والاعتماد بصورة متزايدة على قنوات مالية غير رسمية، وتسوية المدفوعات بالعملات الإقليمية، بالتوازي مع تعاظم أهمية الكيانات المرتبطة بـ الحرس الثوري الإيراني عبر طيف واسع من القطاعات شمل التشييد، واللوجستيات، والاتصالات، والبنية التحتية للطاقة لملء الفراغ الاقتصادي بعد انسحاب الشركات الدولية إثر تشديد العقوبات الأمريكية عام 2018.[28]
وعلى الصعيد الجيوسياسي والميداني الشامل، تمتلك طهران عقودا من الخبرة في الاستعداد لمواجهة سيناريوهات الحصار البحري والقيود الاقتصادية المشددة؛ حيث أعلنت عن نشر غواصات صغيرة في إطار صراعها للسيطرة على مضيق هرمز ومواجهة الحصار البحري، معتمدة تاريخيا على نظام "المقايضة" لتصدير النفط والالتفاف على القيود المصرفية، وتوزيع مئات محطات توليد الطاقة في أنحاء البلاد لجعل تدمير الشبكة أكثر صعوبة، وتخصيص موارد ضخمة لعقود من الزمن لبناء ترسانة سلاح قادرة على خوض حروب استنزاف طويلة، وهو ما يفسر قدرتها على الصمود رغم دخول الحرب أسبوعها الخامس. ويعد "اقتصاد المقاومة" في المنظور الإيراني حركة شعبية شاملة لا تقتصر على الحكومة فقط بل على المجتمع، من خلال دعوتها المواطنين لتبني نمط استهلاك "مقاوم" يركز على الضروريات وترشيد استهلاك الطاقة والموارد، وتعزيز التماسك الداخلي وتفعيل دور المساجد والأحياء لامتصاص الصدمات الاجتماعية الناتجة عن التضخم.[29]
لكنّ الحرب الراهنة في عام 2026، بخلاف العقوبات التي تُراكم القيود الاقتصادية تدريجيا، تُدخل الاقتصاد في طور مختلف جذريا من الصدمة يهدد بـ "تصدع جدار المقاومة"؛ طور لا يقتصر على الضغط المالي بل يمتد إلى تعطيل شبكات الإمداد وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية الوطنية، إذ يواجه اقتصاد المقاومة تحديات ميدانية قاسية تهدد بانهياره، وأبرزها الانهيار المالي والتضخم حيث وصل سعر صرف الريال إلى مستويات تاريخية بلغت (1.5 مليون ريال للدولار)، مما أفقد المواطنين القدرة الشرائية وجعل فكرة "الادخار بالعملة المحلية" مخاطرة كبرى، وتراجع النمو الاقتصادي الحقيقي ليتحرك ضمن نطاق متواضع تراوح بين 2% و4% بسبب تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر عقب انسحاب الشركات الدولية عام 2018، يضاف إلى ذلك أزمة قطاع النفط والحصار البحري، حيث أدى تشديد الحصار البحري الأمريكي في مضيق هرمز إلى انخفاض حاد في صادرات النفط الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة لتتحرك دون نطاقها التقليدي البالغ 1.1 إلى 1.5 مليون برميل يومياً.[30]
ونتج عن ذلك توقف مرفأ "خرج"؛ إذ سجلت جزيرة "خرج" الإيرانية ( التي تتولى معالجة نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية وتمثل نقطة الاختناق المركزية ) أول توقف مطول لشحنات النفط الخام منذ بداية الحرب، مما أدى إلى امتلاء مرافق التخزين الإيرانية بالنفط الخام بشكل سريع جدا نتيجة تعذر تصديره للخارج، ودفع الدولة بالفعل نحوكبح الإنتاج عبر خفض معدلات إنتاج النفط لمواجهة أزمة امتلاء التخزين والضغوط الناتجة عن الحصار.[31]
وعلاوة على ذلك يبرز تحدي تضخم الغذاء حيث سجل تضخم أسعار المواد الغذائية والمشروبات مستوى غير مسبوق عند 105.5% قبيل اندلاع الحرب، مما ضاعف تكلفة المعيشة وأدى إلى الاستنزاف المالي وتآكل البنية الاقتصادية نتيجة للاقتراض الداخلي والتوسع النقدي لتغطية أعباء العملات العسكرية الفورية في ظل غياب أسواق الائتمان الدولية، مما يهدد بقدرة الدولة على الحفاظ على منظومة الدعم الواسعة التي تمثل خط الدفاع الأخير في مواجهة الاضطراب الاجتماعي والاحتجاجات.[32]
إن هذه المعطيات الميدانية الصعبة في عام 2026 .. تكسر المعادلة والصيغة التي مكنت الاقتصاد الإيراني من الاستمرار،حيث أثبتت الضربات العسكرية في مارس 2026 .أن التكيف يظل معتمدا على سلامة المنافذ المادية؛ وبإصابة جزيرة خرج، أُرسلت إشارة حاسمة للمشترين الرئيسيين كالصين بأن الخصومات السعرية لم تعد كافية أمام قفزة تكاليف التأمين والمخاطر المادية، مما يدفع الوسطاء الإقليميين لإعادة حساباتهم والتردد في الاستمرار ضمن شبكات الالتفاف خوفاً من العقوبات الثانوية أو الارتدادات العسكرية.[33]
وفي ظل هذا التحول يخشي المحللون من حالة "لا حرب ولا سلام": حيث يُخشى أن تؤدي هذه الحالة الضبابية إلى ركود تضخمي طويل الأمد، يجعل من سياسات المقاومة الاقتصادية مجرد "مسكنات" لا تعالج الأزمات الهيكلية الناتجة عن العقوبات وسوء الإدارة.
المراجع:
رابط دائم: