"كرزاي طهران" وفشل الدعاية الأمريكية لاختراق الجبهة الداخلية الإيرانية
21-5-2026

د. شيماء المرسي
* الخبيرة فى الدراسات البينية الإيرانية

لا تزال أجواء التوتر بين واشنطن وطهران متصاعدة في ظل مؤشرات على تعثر مسار المفاوضات الجارية، وتزايد المخاوف من احتمال العودة إلى المواجهة العسكرية بين الجانبين. ويبدو أن تشديد ترامب على أن إيران لن يُسمح لها بامتلاك سلاح نووي، ومنحها مهلة يومين إلى ثلاثة أيام لتحسم بنودًا تفاوضية مرضية للجانب الأمريكي، لم يؤتِ أكله في الضغط على طهران. ولم لا، والتصريحات الأمريكية باتت مادة للسخرية لدى المسئولين الإيرانيين، حتى أنهم يوسمون ترامب بـ العالق بين مفارقات التهديدات اليومية الإيرانية ومهادنة الأمريكيين الغاضبين في محطات الوقود.

ترميم إيران لأدوات الردع:

كشف تقييم استخباراتي أمريكي، نشرته شبكة "سي إن إن" بالتزامن مع الهدنة المستمرة لستة أسابيع منذ مطلع أبريل الماضي، أن إيران نجحت في استئناف إنتاج بعض طائراتها المسيرة، وتجاوزت التقديرات الزمنية التي وضعتها أجهزة الأمن الغربية لإعادة بناء قدراتها العسكرية، وهو ما يعكس مرونة بنيوية فائقة يمتلكها العقل العسكري الإيراني في مواجهة حملات القصف المكثف.

علاوة على ذلك، فإن تأكيد المصادر الاستخباراتية بأن نحو ثلثي منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية قد نجا من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وأن نصف القدرات الإنتاجية للمسيرات وآلاف الطائرات من طراز "شاهد 136" لا تزال قائمة وسليمة، يوضح أن العقيدة العسكرية لطهران لم تُبنَ على فكرة المنشآت الضخمة المرئية للأقمار الصناعية، بل اعتمدت على نموذج الإنتاج الموزع والشعبي عبر ورش صغيرة ومجمعات تكنولوجية مشتتة ومحصنة تحت الأرض؛ وهذا بلا شك يختصر زمن التعافي الشامل لترسانة الهجوم الجوي إلى ستة أشهر فقط بدلاً من سنوات كما زعم الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط.

وتفضح تلك الاعترافات التناقض الصارخ بين السردية السياسية المتفائلة لقادة الجيش الأمريكي في شهاداتهم أمام الكونجرس حول تدمير 90% من القاعدة الصناعية الإيرانية، وبين التقارير الاستخباراتية الواقعية عن حجم المأزق الجيوسياسي الذي تواجهه إدارة الرئيس ترامب؛ حيث يتبين أن الضربات الجوية الأمريكية حققت إضعافا تكتيكيا مؤقتا، لكنها عجزت تماما عن إحداث حسم استراتيجي، خاصة وأن شبكات الإمداد الدولية الموازية من الصين وروسيا استمرت في ضخ المكونات الإلكترونية مزدوجة الاستخدام والرقائق الدقيقة اللازمة لتوجيه المقذوفات برغم الحصار والرقابة الأمريكية.

هذا الدعم الآسيوي يرفع بلا شك كلفة أي قرار أمريكي بمواصلة الحرب الشاملة، ويحول المواجهة من صدام مع دولة معزولة إلى مواجهة مع خط إمداد إقليمي معقد يعتبر طهران ركيزة أساسية لكسر الأحادية الأمريكية في الشرق الأوسط. وعلى المستوى العملياتي، فإن بقاء صواريخ كروز للدفاع الساحلي الإيراني في مأمن عن الهجمات الجوية الأمريكية يمنح طهران أثمن أوراق الردع والاحتجاز الجيوسياسي، وهي القدرة على شل حركة الملاحة البحرية وتهديد ناقلات النفط في مضيق هرمز الحرج؛ وهذا يعني أن أي جولة قصف جديدة يهدد بها ترامب لفرض شروطه التفاوضية قد تدفع إيران إلى استخدام تكتيك الإغراق بالمسيرات الأرخص كلفة والأسهل تعويضاً لاستنزاف الدفاعات الجوية الحليفة وتفجير أسواق الطاقة العالمية.

أبعاد الضغط النفسي الأمريكي على إيران:

كشفت صحيفة نيويورك تايمز يوم الأربعاء 20 مايو 2026، عن دور الحرب في إفشال المساعي الأمريكي لتنصيب أحمدي نجاد زعيمًا لإيران. وهذا الطرح يطرح تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة الحسابات الاستراتيجية لكل من واشنطن وتل أبيب، وما إذا كان محمود أحمدي نجاد قد تحول بالفعل إلى خيار براجماتي في بنك الأهداف الغربي، أم أن الغرب بات يبحث عن وجه شعبوي من داخل البنية الهيكلية للنظام نفسه.

الواقع أن الإجابة تكمن في منطقة وسطى، فالرجل شهد تحولا جزئيا في سلوكه السياسي، إذ لم يعد ذلك الأصولي المتشدد الذي عرفه العالم عام 2005، بل أعاد تأطير نفسه في السنوات الأخيرة كمعارض من داخل البنية السياسية الإيرانية، مهاجما الفساد، وموجها خطابا يركز على القومية الإيرانية والعدالة الاجتماعية بديلا عن الخطاب الأيديولوجي العابر للحدود، وهذا الخطاب في تقديري ليس سوى توظيف إيراني لرواية المعارضة الداخلية واستقطاب لردود الفعل المؤيدة لهذا الرأي، من أجل صناعة خطاب موازي يسقط خطاب المعارضة بأسلوب ناعم.

ومع ذلك، فإن تزامن تقرير نيويورك تايمز مع التعنت الإيراني في فرض السيادة على مضيق هرمز، والتمسك بالحق في تخصيب اليورانيوم، والمطالبة بالتعويضات المالية، يكشف بوضوح عن فشل سياسة الضغط الأقصى الأمريكية على إيران، بل ويعكس قوة الدولة العميقة المركبة في إيران. ويستند هذا التماسك النسبي إلى بنيتين أساسيتين، أولاهما أن النظام الإيراني لم يُبنَ كدولة الرجل الواحد، رغم الصلاحيات المطلقة للولي الفقيه، بل يقوم على مؤسسات متداخلة وموازية، وفي حال غياب رأس السلطة، يتحرك مجلس الدفاع الإيراني التابع للمجلس الأعلى للأمن القومي بالتكامل مع المجمع الاقتصادي للقوات المسلحة وممثلي المؤسسات والعتبات الدينية الكبرى، من أجل ضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها الأمنية والمالية في أوقات الأزمات الكبرى.

والبنية الثانية هي غريزة البقاء المشترك، حيث تدرك هذه النخبة الحاكمة أن سقوط النظام يعني تصفيتها بالكامل، وهو ما يولد تلاحما غريزيا تختفي معه الخلافات الداخلية فور ظهور أي تهديد وجودي خارجي. وبرغم هذا، من الضروري التمعن في توقيت تسريب الرواية الأمريكية بشأن محاولة تحرير نجاد من إقامته الجبرية، لأنها ربما تكشف سيناريو لا يتعدى كونه حرب نفسية واستخباراتية مُسيسة، تتزامن مع مهلة الأيام الثلاثة التي حددها ترامب للوصول إلى اتفاق أو استئناف الحرب.

وتهدف واشنطن من وراء هذه الدعاية إلى تحقيق هدفين:

1-  ضرب الثقة الداخلية، عبر صناعة حالة من الشك داخل النخبة السيادية الإيرانية لإشغال أجهزة الاستخبارات بالتشكيك في ولاءاتها ومراقبة الداخل بدلاً من التركيز على إدارة ملف التفاوض الراهن.

2-  إرسال إشارة غير مباشرة لصانع القرار في طهران بأن العمق الأمني الإيراني مكشوف، وأن أوراق الرموز الشعوبية قابلة للتوظيف.

إلا أن هذا الرهان يغفل تماما التكاتف المؤسسي الإيراني، الذي تجلى بوضوح في حرب الـ 12 يوما 2025 وفي حرب رمضان 2026، ولما لا، والعقيدة الأمنية الإيرانية تؤمن بأن أي اختراق للجبهة الداخلية وقت الحرب يعني انهيار المعبد على رؤوس الجميع، لذا فإن الرهان الأمريكي على وجود أجنحة مستعدة للتواطؤ في هذا التوقيت ربما يكون قراءة منفصلة عن الواقع، تفصلها مسافات عن صرامة المؤسسة الإيرانية وقت الأزمات.

ويُتوقع أمام هذه الضغوط متعددة الأبعاد، أن تدير طهران مهلة الأيام الثلاثة الحرجة عبر مسار إبداء الصلابة المؤسسية علنا من خلال استعراض القوة العسكرية في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز والتعنت في شروط التفاوض حول برنامجها النووي، مقابل إثبات عدم الرضوخ لسياسة الإنذارات، وتأمين قنوات التفاوض الخلفية باستخدام الدبلوماسية السرية عبر إسلام أباد، من أجل تقديم مقاربة براجماتية تضمن الحفاظ على الخطوط الحمراء الإيرانية كالسيادة والتعويضات المالية.

في مقابل ذلك، هناك تيار يروج لحالة الاختناق الاقتصادي وتداعيات الحرب على الظروف المعيشية التي قد تتسبب في انفجار داخلي ضد النظام ما قد يؤثر على كروت إيران التفاوضية. ومع هذا، يتجاهل هذا التيار أن الطبقة الوسطى والشباب الذين قادوا احتجاجات الحركة الخضراء 2009، واحتجاجات البنزين 2019، واحتجاجات مهسا أميني 2022، واحتجاجات البازار ديسمبر 2025 ويناير 2026، يمتلك وعيا سياسيا حادا وحساسية مفرطة تجاه التدخل الأجنبي وسيناريوهات الاعتداءات الأمريكية على الأراضي الإيرانية، وبالتالي مهما كانت الدعاية الأمريكية حول أن الحرب كانت محاولة لإنقاذ الإيرانيين من بطش النظام السياسي، فهو لا يبرر الاعتداءات الأمريكية ولا يبرر تصريحات ترامب بتكرار سيناريو فنزويلا في إيران والاستيلاء على النفط الإيراني.

ولهذا، فأن أي سيناريو لصعود شخصية سياسية على متن طائرات إسرائيلية أو أمريكية كان سيحوله فورا في نظرهم إلى كرزاي طهران، تشبيها بحامد كرزاي الذي تولى حكم أفغانستان 2001 بالدعم العسكري الأمريكي المباشر وحمايته، وهذا بلا شك سيسقط عنه أي صفة شعبوية أو وطنية، ويضعه أمام رفض مزدوج من التيار العسكري والمتشدد الذي سيراه خائنًا، ومن التيار الإصلاحي الذي يشكك بأيديولوجيته أساسا.

خاتمة:

بناءً على ما سبق، تثبت المؤشرات الواقعية أن واشنطن غير مستعدة وغير راغبة في خوض حرب مفتوحة لاستئصال النفوذ الإيراني بالكامل خشية الوقوع في فخ استنزاف طويل الأمد يبدد طاقاتها العسكرية والاقتصادية بعيدا عن جبهة الصراع الرئيسية مع الصين في بحر الصين الجنوبي، لتبقى المعادلة الراهنة محكومة ببراجماتية متوترة تستغل فيها طهران فترات وقف إطلاق النار لترميم جراحها الصناعية، بينما تكتفي واشنطن بتهديدات بساط القصف الجوي كأوراق ضغط سياسي دون الجرأة على تجاوز الخطوط الحمراء نحو المواجهة الشاملة.


رابط دائم: