"الدبلوماسية البصرية" وإعادة إنتاج الصورة الاستراتيجية للدولة المصرية.. زيارات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (2019-2026) كنموذج تحليلي
21-5-2026

د. محمد منير غازى
* باحث فى الدراسات السياسية والاتصال السياسى

شهد حقل العلاقات الدولية والعلوم السياسية، خلال العقدين الماضيين، تحولات بنيوية ومعرفية عميقة في طرائق ممارسة السياسة الخارجية وفهمها؛ إذ تراجعت المركزية الحصرية للنصوص الدبلوماسية التقليدية، من معاهدات وخطابات ووثائق رسمية، لصالح ما بات يُعرف أكاديميا في الأدبيات المعاصرة بـ «المنعطف البصري» في العلاقات الدولية.

في هذا السياق المعرفي الجديد، لم تعد الصور الفوتوغرافية، والمشاهد المرئية، والرموز المعمارية، والفعاليات الثقافية مجرد أدوات تكميلية أو توثيقية للحدث السياسي، بل أضحت هي ذاتها "الفعل السياسي" الذي يُشكل الإدراك العام، ويُعيد إنتاج الحقائق الجيوسياسية، ويُوجه السرديات العالمية.

تُمثل "الدبلوماسية البصرية"، كحقل فرعي ديناميكي ومتنامٍ، إطارا تحليليا لدراسة كيفية توظيف الدول للصور والأداء البصري كأدوات صلبة لبناء النفوذ، وتأكيد المكانة الدولية، وصناعة "صورة الدولة" في الساحة الدولية المزدحمة بالفاعلين. وفي ظل بيئة إقليمية بالغة التعقيد والاضطراب، تتسم بسيولة التهديدات وتنامي الفاعلين من غير الدول، أدركت الدولة المصرية أن حماية أمنها القومي الشامل لا تقتصر فقط على تفعيل الأدوات الخشنة والردع العسكري، بل تتطلب استراتيجية متكاملة لـ "الردع البصري" وتفعيل القوة الناعمة؛ إذ تستهدف هذه الاستراتيجية إعادة تقديم الدولة المصرية للعالم كركيزة أساسية وحيدة للاستقرار في الشرق الأوسط، ومركز ثقل حضاري واستراتيجي لا غنى عنه في الحسابات الدولية.

يطرح هذا التقرير البحثي تحليلا سياسيا معمقا لسلسلة الزيارات المتتالية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر، خلال الفترة الممتدة من عام 2019 وحتى عام 2026؛ باعتبارها نموذجا تطبيقيا فائق الأهمية لاختبار آليات عمل الدبلوماسية البصرية.

لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لهذه الزيارات على ما أثمرت عنه من اتفاقيات ثنائية وشراكات استراتيجية، بل تمتد لتشمل "المسرح الدبلوماسي" البصري الذي أُديرت من خلاله؛ إذ وُظِّفت الجغرافيا الأثرية الخالدة (مثل: معبد أبو سمبل، والأهرامات، والمتحف المصري الكبير، وقلعة قايتباي)، والمؤسسات الدينية العريقة (الأزهر الشريف والكاتدرائية)، والمؤسسات الأكاديمية ذات البعد القاري (جامعة سنجور)؛ لخلق سردية بصرية مكثفة تخدم أهداف الأمن القومي المصري في أبعاده السياسية، والاقتصادية، والأمنية. ومن ثَمَّ يسعى هذا التحليل إلى تفكيك الرسائل البصرية التي بُثَّت، ورصد آثارها الاستراتيجية من الدرجتين الثانية والثالثة، وكيفية توظيف التراث الثقافي والتحديث العمراني أداةً للهيمنة المعرفية والسياسية في النظام الدولي المعاصر.

الإطار النظري: المنعطف البصري وإعادة تعريف القوة في العلاقات الدولية:

لفهم الديناميات العميقة لزيارات قادة الدول الكبرى، يجب أولا تأصيل مفهوم "الدبلوماسية البصرية" ضمن أدبيات العلاقات الدولية. فتاريخيا، اعتمدت نظريات العلاقات الدولية —ولا سيما المقاربات الواقعية والليبرالية المؤسسية— على تحليل القوة العسكرية، والاعتماد الاقتصادي المتبادل، والاتفاقيات المكتوبة؛ بوصفها محددات حصرية للتفاعلات الدولية. غير أن ظهور "المنعطف البصري" أو "المنعطف الجمالي/التصويري" قد دفع الباحثين إلى ضرورة الالتفات إلى التأثيرات البصرية والصور؛ بصفتها مصادر مستقلة للسرد السياسي، ووسائل شديدة الفعالية للاتصال الجماهيري والدبلوماسي.

الدبلوماسية البصرية سرد سياسي وأداء استراتيجي

يُشير الباحث البارز رولاند بليكر—أحد أهم منظري السياسة العالمية البصرية ومحرر كتاب "السياسة العالمية البصرية"— إلى أن الصور لا تتحدث عن نفسها بشكل مستقل، بل هي في حاجة دائمة إلى التفسير وإعادة القراءة ضمن سياقات ثقافية وتاريخية وسياسية محددة. وفي تحليله المعمق، يؤكد بليكر أننا نعيش حالياً في عصر يُعتبر فيه المنعطف البصري حاضرا ومهيمنا في مستويات متعددة من الحياة السياسية؛ إذ تتفوق الصور في قدرتها على حشد العواطف، وتشكيل الرأي العام، وتوجيه صناعة القرار مقارنة بالنصوص الجامدة.

من جانبها، تُشدد الباحثة لين هانسن على مفهومٍ بالغ الخطورة يتقاطع مباشرة مع دراسات الأمن القومي، وهو "الصور الأمنية"؛ إذ ترى هانسن أن هذه الصور تُستخدم منهجيا لدعم الادعاءات السياسية بأن شيئا ما يمثل تهديداً وجودياً، أو على العكس من ذلك، لتقديم برهانٍ بصري قاطع على الاستقرار والسيطرة السيادية. ومِن ثَمَّ فإن تفسير المشاهد الدبلوماسية يتطلب فهماً تفكيكيا للرموز والتاريخ؛ فالصورة التي تُلتقط لزعيمين دوليين أمام أثرٍ تاريخي يمتد لآلاف السنين لا تنقل مجرد خبرٍ بروتوكولي عن لقاءٍ دبلوماسي، بل تستدعي في اللاوعي مفاهيم الاستمرارية، والرسوخ، والشرعية التاريخية غير القابلة للتقويض. هذا الاستدعاء البصري يمثل ما يصفه جيمس إلكينز بقدرة الصورة على العمل عبر سجلاتٍ متعددة للحياة السياسية.

كما يطرح الباحث كوستاسكونستانتينو مقاربةً مبتكرةً؛ إذ يرى أن الدبلوماسية البصرية يمكن —بل يجب— بوصفها استمراراً عضوياً لـ "سرد القصص السياسية" ويجادل كونستانتينو بأن هذه المشاهد المرئية هي أدوات مرتبطة ارتباطاوثيقا بسياسات القوة التي تحدث عنها رواد الواقعية الكلاسيكية، مثل: إدوارد كار وهانز مورغنثاو في فتراتٍ مبكرة، ولكن بأدواتٍ معاصرة تعتمد على "التفكير السينمائي" والمشهد الدبلوماسي.

وفي سياقٍ متصل يُميز أليشر فايزولاييف في التمثيل الدبلوماسي بين بُعدين رئيسيين: "القابلية للحضور"، وهي التي تتعلق بالمظهر الشخصي للدبلوماسي، وسلوكه، وتأثيره التفاعلي الملحوظ الذي يُشكل الإدراك؛ و"القدرة على التمثيل"، المرتبطة بالكفاءة الاستراتيجية، والمصداقية، والقدرة على تجسيد قوة الدولة التي يُمثلها.

التفاعلية الرمزية وإشارات المكانة:

تعتمد ممارسة الدبلوماسية البصرية بشكل كبير على نظرية "التفاعلية الرمزية" التي صاغها عالم الاجتماع البارز إيرفينغجوفمان. تفترض هذه المقاربة السوسيولوجية أن التفاعلات الدبلوماسية، ولا سيما مؤتمرات القمة، ليست مجرد طاولات تفاوض، بل هي بيئات مليئة بالإشارات الرمزية التي تهدف إلى إثبات المكانة والشرعية في النظام الدولي. ففي عالم الدبلوماسية رفيعة المستوى، فإن "الظهور" لا يتعلق فقط بعرض صورة معينة، بل هو سعي دؤوب لانتزاع الاعتراف الضمني والصريح من الدول الأخرى بأن الدولة المعنية هي طرف فاعل، شرعي، ومركزي في إدارة النظام العالمي.

علاوةً على ذلك، تبرز "نظرية التأطير" بوصفها عنصرا حاكما في توجيه التلقي البصري؛ إذ يعني التأطير الانتقاءَ المتعمد لعناصرَ محددةٍ من الواقع، وجعلَها أكثر بروزاً وأهميةً في الرسالة الإعلامية؛ لتوجيه الأفكار والاستنتاجات نحو مسار محدد سلفا يخدم مصالح الفاعل السياسي. ومِن ثَمَّ، تقوم الدول المعاصرة بتأطير صورها السياسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية؛ لتطوير صورةٍ إيجابيةٍ ترتبط بمفاهيمَ كالسياحة، والاستقرار، والتنمية، والسلام؛ وهو ما ينقلنا من حيز الدبلوماسية العامة الكلاسيكية إلى رحاب الدبلوماسية الرقمية والبصرية المباشرة.

تأسيساً على ذلكتؤدي منصات الإعلام الرقمي —مثل: إكس (تويتر سابقا)، وفيسبوك، ويوتيوب، وإنستجرام— دوراً جوهريا في نقل هذا التأطير وتدويل السرديات البصرية؛ إذ لم تعد شبكة الإنترنت مجرد وسيلة اتصال، بل أضحت "ساحة معركة" جيوسياسية تتصارع فيها الدول لإثبات روايتها وشرعيتها.

جدول 1: المقاربات الفكرية للدبلوماسية البصرية وتوظيفها في تفكيك الصورة الاستراتيجية للدول

المفهوم النظري

الباحث / المنظر البارز

الدلالة التطبيقية في الدبلوماسية البصرية المعاصرة

المنعطف البصري

رولاند بليكر

الانتقال الإبستمولوجي من النص إلى الصورة كأداة رئيسية لصنع السياسة العالمية، وفهم الصراع، والذاكرة، والهوية.

الصور الأمنية

لين هانسن

توظيف المشاهد المرئية لإثبات حالة الاستقرار المطلق، ومواجهة السرديات المعادية المهددة للأمن القومي.

التفاعلية الرمزية

إيرفينغجوفمان

استخدام المسرح الدبلوماسي (كالقمم) لإرسال إشارات المكانة (Status) وانتزاع الاعتراف بالمركزية الدولية.

السرد السياسي/التفكير السينمائي

كوستاسكونستانتينو

استخدام الخلفيات المكانية كجزء متأصل من كتابة التاريخ السياسي للدولة، وامتداد لسياسات القوة الواقعية.

التمثيل الدبلوماسي

أليشر فايزولاييف

التمييز بين القدرة على "الحضور المؤثر" في المشهد و"التمثيل الاستراتيجي" لثقل الدولة ومصداقيتها.

التأطير البصري

أدبيات الدبلوماسية الرقمية

انتقاء المشاهد (مثل الآثار والمتاحف) لتعزيز صورة إيجابية (Nation Branding) واستبعاد أي مظاهر توحي بالهشاشة.

 

البناء الاستراتيجي لصورة الدولة المصرية: ضرورات الأمن القومي:

ارتبطت إعادة هندسة الصورة الذهنية والبصرية للدولة المصرية، على الساحة الدولية، بالعديد من الضرورات الملحة والمترابطة مع متطلبات الأمن القومي بمفهومه الشامل. ففي أعقاب التحولات السياسية الكبرى والهزات العنيفة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، واجهت مصر بيئةً إقليميةً تتسم بالسيولة الشديدة، واضطراب مفهوم الدولة الوطنية، وتنامي نشاط التنظيمات الإرهابية المسلحة. ومِن ثَمَّ، استلزم هذا الواقع المعقد صياغة استراتيجيةٍ عليا تهدف إلى إرسال رسائل طمأنةٍ وتأكيدٍ للمجتمع الدولي والداخل المصري في آنٍ واحدٍ؛ تفيد بأن الدولة المصرية قد استعادت عافيتها المؤسسية بالكامل، وأنها تقف "جزيرةَ استقرارٍ" سياسي واقتصادي وأمني وسط محيطٍ جيوسياسي شديد الاضطراب.

تُدرك الاستراتيجية المصرية، بعمق، أن "القوة الناعمة" —وفق التنظير الكلاسيكي لجوزيف ناي— تعتمد على القدرة التراكمية على الجذب الاستراتيجي بدلا من الإكراه الصلب، وأن هذا الجذب يتحقق تدريجيامن خلال التمثيل الرمزي لعوالم مشتركة، وقيم حضارية متقاطعة، ومصالح متبادلة. وفي هذا الإطار، تبرز مقولة كريج هايدن: "إن الجذب ليس إقناعا في حد ذاته، بل هو نتيجة لأفعال تمثيلية ترمز إلى عوالم مشتركة"؛ ومِن ثَمَّ، أضحت الدبلوماسية البصرية المصرية تعتمد على روافع استراتيجية متقاطعة لتأكيد هذه المعاني:

·العمق الحضاري والتاريخي الممتد:توظيف الآثار المصرية القديمة ببراعةٍ فائقة؛ لإيصال رسالة "الخلود" و"الدولة الراسخة" التي لا تتزعزع بفعل الأزمات العابرة أو التهديدات الطارئة.

·الاعتدال الديني والتسامح المجتمعي:التركيز على البنية المؤسسية الدينية العريقة (مؤسسة الأزهر الشريف والكنيسة القبطية)؛ لتقديم مصر منارةً للوسطية، وحائطَ صدٍّ عقائدي وفكري رئيسي ضد الإرهاب والأيديولوجيات الراديكالية التي لا تهدد الشرق الأوسط فحسب، بل تمتد لتشهدها أوروبا بصورةٍ مباشرة.

·الدينامية الإقليمية والشراكة القارية:تصوير مصر عاصمةً حيويةً للجهود الدبلوماسية الرامية إلى حل النزاعات الإقليمية، وبوابةً استراتيجية لا غنى عنها للقارة الإفريقية؛ وهو ما يُعزز ثقة الحلفاء الغربيين —وفي القلب منهم فرنسا— في بناء شراكةٍ عضوية طويلة الأمد مع القاهرة.

وتتقاطع هذه الروافع مع ما تؤكده الباحثة أشلي دوليبر من أن الصورة تمتلك قدرةً فريدةً على تغيير مسار التفكير حول القضايا الدولية المعقدة، وتحفيز التعاطف، وخلق فهمٍ مشتركٍ بين الشعوب قد تعجز السياسة المجردة عن تحقيقه. وفي هذا السياق، يمكن قراءة توظيف الدولة المصرية للفنون والمقاصد السياحية في سفاراتها ومحافلها الدبلوماسية؛ بوصفه جزءاً من عملية "بناء العلامة الوطنية" التي تتغلب على التحديات الاقتصادية والسياسية المؤقتة.

المسار الزمني والتحليل البصري لزيارات الرئيس ماكرون (2019-2026): تفكيك المشاهد:

لا يمكن دراسة الدبلوماسية البصرية المصرية-الفرنسية بوصفها حدثا سياسيا منفردا أو عرضيا، بل هي مسارٌ تصاعديٌ تراكميٌ شديد التنسيق، وُظِّفت فيه الأماكن والخلفيات المرئية أدواتٍ دقيقةً للتأطير السياسي والهندسة الإدراكية. وقد تنوعت هذه المشاهد عبر أربع محطاتٍ زمنيةٍ كبرى؛ عكست كلٌّ منها مرحلةً مفصليةً من مراحل تطور الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وباريس، وتجلت فيها مقاربات الدبلوماسية البصرية في أبهى صورها.

1. المحطة الأولى (2019): هندسة الثقة البصرية، التراث الممتد ومكافحة التطرف:

جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يناير 2019، بوصفها أولَ زيارةٍ رسميةٍ له إلى مصر والمنطقة منذ توليه سدة الرئاسة الفرنسية عام 2017. ولم تكن هذه الزيارة تقليديةً في ترتيباتها البروتوكولية، بل كانت محملةً بدلالاتٍ بصريةٍ مكثفةٍ؛ إذ استُهِلَّت بمشهدٍ استثنائي من أقصى جنوب البلاد، وتحديدا في معبد «أبو سمبل» بمحافظة أسوان؛ للاحتفال بالذكرى الخمسين لإنقاذ المعبد من الغرق بمشاركةٍ فرنسيةٍ ودوليةٍ بارزةٍ.

الدلالة الاستراتيجية لمشهد "أبو سمبل" ومنطقة الأهرامات:

لم يكن اختيار موقع أبو سمبل، ثم الجولة المنفصلة لقرينته في منطقة الأهرامات بالجيزة، مجرد دعايةٍ سياحيةٍ أو تغطيةٍ إعلاميةٍ عابرةٍ، بل كان فعلا دقيقاً لـ "إشارة المكانة". ويوجب التحليل وضع هذا المشهد في سياقه السياسي المعاصر؛ ففي ذلك التوقيت تحديدا، كان ماكرون يواجه أزمةً داخليةً طاحنةً في فرنسا؛ تمثلت في التظاهرات العنيفة لحركة "السترات الصفراء" التي اندلعت منذ نوفمبر 2018، وشغلت كامل تركيزه الداخلي.

ومِن ثَمَّ فإن ظهوره البصري في موقعٍ حضاري يتسم بالعظمة التاريخية، والهدوء المطلق، والسكينة، برفقة قرينته ومسئولي الدولة المصرية البارزين (وزير الآثار، ووزيرة السياحة، ومدير المعهد الفرنسي للآثار)؛ قد أرسل رسالةً للداخل الفرنسي وللعالم أجمع، تفيد بقدرته على ممارسة مهامه الدولية بوصفه زعيما يمتلك زمام المبادرة.

وقد التقط الإعلام الفرنسي هذه الرسالة بوضوح؛ إذ أبرزت التغطيات الفرنسية أن إتمام الزيارة —رغم أزمة "السترات الصفراء" الداخلية— يعكس الأهمية القصوى التي توليها باريس لمصر؛ بوصفها ركيزةً أساسيةً للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وأوروبا.

وفي السياق ذاته ركزت وسائل إعلام فرنسية —من بينها قناة "فرانس 24"— على الأبعاد الاستراتيجية العميقة لهذه الجولات الدبلوماسية. وفي الوقت نفسه وفّر هذا المشهد لمصر تأطيرا بصريا قويا؛ ينفي تماماً أية سردياتٍ إعلاميةٍ سلبيةٍ حول غياب الأمن في مناطقها السياحية المترامية الأطراف.

وقد أكد الخبراء في قطاع السياحة أن هذه الزيارة تُمثل رسالةً صريحةً ودعوةً مباشرةً للمواطنين الفرنسيين والأوروبيين تفيد بأن مصر تتمتع بأعلى درجات الأمن والأمان؛ وهو ما يُنشط السياحة الثقافية ويُحفز التدفقات النقدية.

مشهد "الاعتدال المؤسسي" في مواجهة الإرهاب:

في الزيارة نفسها انتقل المسرح الدبلوماسي من العراقة الفرعونية إلى العراقة الدينية؛ إذ التقى ماكرون فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، الدكتور أحمد الطيب، في مقر المشيخة، ثم زار الكاتدرائية المرقسية. وتكمن القوة البصرية الهائلة هنا في الجمع السلس بين المؤسستين الإسلامية والمسيحية الكبريين؛ حيث نوقشت خلال اللقاء قضايا حيوية، مثل: طلب تدريب الأئمة الفرنسيين في الأزهر الشريف؛ للمساعدة على التغلب على الإرهاب ونشر الفكر الوسطي في أوروبا.

ومن الناحيتين البصرية والسياسية، صُدِّرت الدولة المصرية "منارةً للتدين الوسطي" المعتدل، للشريعتين الإسلامية والمسيحية؛ إذ رُبِط هذا الدور الاستراتيجي بافتتاح القيادة السياسية أكبرَ كاتدرائيةٍ ورابعَ أكبرِ مسجدٍ بالعاصمة الجديدة في 6 يناير 2019.

وقد رسخت هذه المشاهد المتتالية رؤيةَ فخامة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية؛ القائلة بأن المساواة بين المواطنين تمثل أعلى مراتب الحفاظ على حقوق الإنسان، كما جعلت القيادةَ الفرنسية تدرك، بصريا وموضوعيا، أن استقرارها الداخلي وحربها ضد التطرف يرتبطان ارتباطا عضويا بالتعاون الوثيق مع مصر المؤسسية.

2. المحطة الثانية (2022-2023): المشهد المتعدد الأطراف ودبلوماسية المناخ العالمية:

مع انعقاد مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (COP27) في مدينة شرم الشيخ المصرية، في نوفمبر 2022، تحولت الكاميرات العالمية إلى الجغرافيا المصرية في مشهدٍ استثنائي؛ إذ شكلت هذه المحطة مسرحا بالغ التعقيد لـ "دبلوماسية القمة". وفي رحابه التقى قادة العالم وصُنّاع القرار —ومن بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره المصري السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي— إلى جانب شخصياتٍ عالميةٍ نافذةٍ.

دلالات الدبلوماسية البصرية في البيئة المتعددة الأطراف:

أشاد الرئيس الفرنسي ماكرون، خلال المؤتمر، بالنجاح المذهل لمصر في تنظيم هذا الحدث العالمي الضخم، مثمنا الدور المصري الفاعل في إرساء أسس الاستقرار في الشرق الأوسط، ومؤكدا حرصَ فرنسا على التشاور والتنسيق المكثف مع مصر؛ بوصفها واحدةً من أهم شركائها في المنطقة.

ومن زاوية الدبلوماسية البصرية، شكلت الصورة الجماعية واللقاءات الثنائية للقادة الدوليين في منتجع شرم الشيخ، المُطل على البحر الأحمر، تأطيراً بصرياً بالغ الأهمية لمصر؛ بوصفها دولةً رائدةً قادرةً على حشد وتأمين الوفود الدولية كافة في توقيتٍ إقليمي دقيق. إذ ساهم هذا الحدث في تجاوز الأطر الثنائية التقليدية؛ لتقديم مصر بصريا راعيا دوليا للتوافق العالمي المتعلق بأهم التحديات الإنسانية والمتمثل في ملف المناخ.

ويُعد هذا الأداء البصري —وفقا لرواد تحليل مؤتمرات القمة، مثل: كارل ديث وبنجامين داي— تثبيتا للمكانة والسعي لإرسال إشاراتها في قمة النظام الدبلوماسي المتعدد الأطراف. فالوجود وإدارة هذا المسرح يمنحان الدولة المضيفة رأسمالا رمزيا وسياسيا هائلا؛ إذ يُنظر إليها بوصفها شريكا لا غنى عنه في صياغة النظام العالمي.

3.    المحطة الثالثة (أبريل 2025): الارتقاء للشراكة الاستراتيجية والتأثير الإقليمي

مثلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للقاهرة، في أبريل 2025، نقطة تحولٍ مفصليةً وتاريخيةً في مسار العلاقات الثنائية؛ إذ شهدت توقيع قادة البلدين إعلاناً مشتركاللارتقاء بالعلاقات إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية" الشاملة. وقد وُثِّقَت هذه اللحظة بصريا، وبُثَّت عبر التلفزيون المصري ووكالات الأنباء العالمية من داخل قصر الاتحادية الرئاسي بالقاهرة؛ حيث ظهر الزعيمان وهما يتصافحان ويتبادلان نسخ الإعلان المشترك.

غير أن قوة هذه الزيارة، من منظور الدبلوماسية البصرية، تجلت في التحركات الميدانية خارج أسوار القصور الرئاسية؛ وتحديدا في الجولة التي قام بها ماكرون في المتحف المصري الكبير بغرب القاهرة، والتي تلاها سيرٌ في الشوارع التاريخية للعاصمة، ولا سيما سوق "خان الخليلي" الشهير.

تحليل مشهد "المتحف الكبير" وخان الخليلي في سياق الأزمات:

إن اصطحاب زعيم دولةٍ كبرى بحجم فرنسا، وفي مستوى عضوية مجلس الأمن الدائم، إلى المتحف المصري الكبير قبيل توقيع شراكةٍ استراتيجيةٍ؛ لا يُعد صدفةً بروتوكوليةً، بل هو "أداءٌ دبلوماسي" مصممٌ بعنايةٍ فائقةٍ. إذ يرمز هذا الصرح المعماري العملاق إلى قدرة الدولة المصرية الحديثة على تنفيذ مشروعاتٍ هندسيةٍ ضخمةٍ تحفظ تراث الإنسانية وتُعظمه؛ وهو ما يعكس كفاءة الإدارة وقدرات الإنجاز الفائقة للدولة المستقرة.

أما السير في شوارع "خان الخليلي" المكتظة، فيرسل أقوى إشارةٍ بصريةٍ ممكنةٍ حول صلابة الأمن الداخلي المصري؛ فجولات رئيس دولةٍ غربيةٍ بحريةٍ وأريحيةٍ في أسواق شرقيةٍ مفتوحةٍ ومكتظةٍ بالمواطنين والسياح، تُعد أبلغَ ردٍّ بصري على أية ادعاءاتٍ تتعلق بالهشاشة الأمنية، كما تُجسد ممارسة الدبلوماسية عبر الاحتكاك المباشر مع الحيز العام.

وتتعاظم دلالات هذه المشاهد عند قراءتها في السياق الإقليمي المعقد الذي واكب الزيارة؛ إذ تزامنت هذه المشاهد السلمية مع انعقاد قمةٍ ثلاثيةٍ حاسمةٍ في القاهرة، ضمت فخامة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، والرئيس الفرنسي إيمانويلماكرون، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني؛ لبحث تداعيات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وقد أظهرت الصورة الجماعية للقادة الثلاثة ثِقَل الدور المصري في الوساطة وصنع السلام؛ مِمَّا عزز السردية التي تضع القاهرة بوصلةً ضروريةً وحصريةً لضبط الإيقاع الأمني والسياسي في الشرق الأوسط، واحتواء النزاعات الكبرى.

4.    المحطة الرابعة (مايو 2026): الامتداد القاري.. الفرنكوفونية، والتراث المتوسطي:

بلغت الدبلوماسية البصرية ذروة نضجها وتكاملها الاستراتيجي في المحطة الأحدث من سلسلة الزيارات، وتحديدا في العاشر من مايو 2026؛ إذ شهدت هذه الزيارة حدثا استثنائيا تمثل في افتتاح فخامة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، ونظيره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المقرَّ الجديد لجامعة "سنجور" بمدينة برج العرب الجديدة في محافظة الإسكندرية؛ وذلك بحضور عددٍ من المسئولين الأفارقة، والأمين العام للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، السيدة لويز موشيكيوابو.

دلالات مشهد برج العرب (جامعة سنجور):

تُمثل جامعة «سنجور» —التي سُميت تيمنا بالشاعر والرئيس السنغالي الأسبق وأحد رموز الفرنكوفونية، ليوبولد سنجور— إحدى أهم المؤسسات الأكاديمية الإفريقية التابعة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية؛ إذ أُسست الجامعة رسمياً في مصر عام 1990؛ بهدف إعداد كوادرَ إفريقيةٍ متخصصةٍ في مجالات الإدارة، والصحة، والبيئة، والثقافة؛ لدعم التنمية المستدامة في القارة. وقد جاء افتتاح الحرم الجامعي الجديد؛ ليمثل نقلةً نوعيةً في قدرة الجامعة على استيعاب أعدادٍ أكبرَ من القادة الأفارقة المستقبليين وتدريبهم.

وتحمل مشاركة الزعيمين في هذا الافتتاح دلالاتٍ سياسيةً وبصريةً مركبةً وشديدةَ التعقيد:

· المأزق الفرنسي ومحاولة الإنقاذ الناعم:تواجه باريس، في السنوات الأخيرة، تراجعا استراتيجيا ملحوظا ومشاعرَ مناهضةً متصاعدةً في دول غربي إفريقيا ووسطها. ومِن خِلال وقوف ماكرون في الإسكندرية إلى جوار القيادتين المصرية والإفريقية؛ لافتتاح صرحٍ تنموي، تُحاول فرنسا، بوضوح، إعادة بناء صورتها الذهنية داخل القارة السمراء. وقد توافقت التحليلات في الإعلام الفرنسي مع هذه الرؤية؛ إذ وصفت منصاتٌ تحليلية فرنسية محطة الإسكندرية بأنها جزءٌ من محاولةٍ فرنسيةٍ لـ "استعادة النفوذ" والتأثير في القارة. كما أبرزت قنواتٌ إعلامية —من بينها قناة "تي في 5 موند" ووكالة الأنباء الفرنسية— حرصَ ماكرون على تصدير صورةٍ "إيجابيةٍ للغاية" خلال جولته؛ لتجاوز التحديات التي تواجهها بلاده إفريقيا. وبناءً على ذلك تعتمد باريس على البوابة المصرية —الأكثر قبولا وموثوقية في الوجدان الإفريقي— مستخدمةً مسار "التنمية وبناء القدرات التعليمية"؛ بوصفه بديلاً استراتيجيا عن مسار "التدخل الأمني والعسكري" الذي بات مرفوضا إفريقيا.

· المركزية الإفريقية للدولة المصرية:يؤكد هذا المشهد البصري والسياسي توجهَ الدولة المصرية الراسخ نحو دعم المؤسسات التعليمية، وبناء القدرات، والتنمية المستدامة في إفريقيا. فالصورة التي تُبث للعالم تُظهر مصر "حاضنةً استراتيجيةً للكفاءات الإفريقية"، وقوةً ناعمةً رائدةً تقود عمليات التحديث المؤسسي والإداري في القارة.

التراث المتوسطي بين الفضاء الأثري والدبلوماسية عبر الحيز العام المعاش:

لم تكتفِ الدبلوماسية المصرية برسالة الفرنكوفونية والإفريقية، بل حرصت على تعزيز المشهد بجولةٍ تفقدية مسائية في مدينة الإسكندرية؛ إذ شملت الجولةُ المرورَ بالممشى السياحي على الكورنيش، وصولا إلى قلعة قايتباي التاريخية. وخلال الجولة، استمع الرئيسان إلى خبراء الآثار المصريين والفرنسيين؛ في عرضٍ تفصيلي حول الآثار الغارقة في قاع البحر الأبيض المتوسط، ولا سيما بقايا فنار الإسكندرية القديم، الذي يُعَدُّ إحدى عجائب الدنيا السبع.

إن هذا المزج البصري المتقن —بين المبنى الجامعي الحديث في برج العرب (الموجه نحو المستقبل والعمق الإفريقي)، والقلعة الأثرية والتنقيبات الغارقة (الموجهة نحو التاريخ والمشترك المتوسطي الهلنستي) — يُعزز مفهوم "المجال الحيوي متعدد الأبعاد" للدولة المصرية؛ إذ يُقدم مصر عقدةَ الوصل الحضارية والجيوسياسية المركزية بين إفريقيا وأوروبا عبر حوض البحر المتوسط.

وفي السياق نفسه حمل المشهد العفوي واللافت للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وهو يمارس رياضة الجري في شوارع الإسكندرية وعلى كورنيشها، دون حراساتٍ ظاهرةٍ مشددةٍ ووسط المواطنين المصريين، دلالةً سيميوطيقيةً بالغة الأهمية؛ إذ يُمثل هذا السلوك الميداني ذروة ممارسة "الدبلوماسية عبر الحيز العام المعاش".

ومن منظور الهندسة الإدراكية، فإن جري رئيس دولة غربية كبرى، بحريةٍ تامةٍ وأمانٍ مطلقٍ في الشوارع المفتوحة لمدينةٍ مصريةٍ ساحليةٍ؛ يبعث بأقوى رسالة ردعٍ بصري ممكنة ضد كل سرديات التشكيك الأمنية، ويُقدم برهاناً ساطعاً وملموساً على حالة الاستقرار الشامل والسيطرة السيادية الكاملة التي تتمتع بها الدولة المصرية. كما يرسل المشهد —في بعده السوسيولوجي— إشارات ثقةٍ متبادلةٍ بين القائد الغربي والشارع المصري، محولاً الجغرافيا المفتوحة من مجرد فضاءٍ مكاني إلى "مسرح برهان واطمئنان" يعزز صورة مصر الدولية واحةً آمنةً وجاذبةً للاستثمار والسياحة العالمية.

جدول 2: الفضاءات المكانية والرسائل الاستراتيجية للدبلوماسية البصرية المصرية خلال زيارات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (2019-2026)

تاريخ الزيارة

الموقع البصري المُوظف دبلوماسياً

الرسالة الاستراتيجية / البصرية الموجهة

يناير 2019

معبد أبو سمبل، الأهرامات، ومؤسسة الأزهر، والكاتدرائية المرقسية

الاستقرار الأمني العتيق، الاعتدال والتدين الوسطي، ونبذ ومكافحة التطرف، والدعم غير المباشر للسياحة في ظل تحديات فرنسية داخلية.

نوفمبر 2022

مدينة شرم الشيخ (قمة المناخ COP27)

القدرات التنظيمية والحشدية الدولية، والالتزام القوي تجاه القضايا العالمية المشتركة، والقيادة الرصينة في الإطار المتعدد الأطراف.

أبريل 2025

قصر الرئاسة، والمتحف المصري الكبير، وشوارع خان الخليلي

الارتقاء الدبلوماسي للشراكة الاستراتيجية، وإظهار القدرات الإنشائية والتحديثية الهائلة، وتأكيد الدور الإقليمي المركزي في نزاعات الشرق الأوسط (قمة غزة).

مايو 2026

جامعة سنجور (برج العرب)، وقلعة قايتباي، والآثار الغارقة، وممارسة رياضة الجري في شوارع الإسكندرية دون حراسة مشددة

تأكيد المركزية الإفريقية لمصر في بناء القدرات، وتقديم البوابة المصرية بديلاً استراتيجياً لإنقاذ النفوذ الفرنسي الناعم قاريّاً عبر التنمية لا التدخل العسكري، وتفعيل الردع البصري بإرسال إشارات الاستقرار والأمان المطلق عبر الدبلوماسية في الحيز العام المعاش، وتأكيد الشراكة المتوسطية العميقة.

 

الانعكاسات الاستراتيجية على مقتضيات الأمن القومي:

في التحليل الاستراتيجي المعمق —الذي تُعنى به الأدبيات الرصينة في العلاقات الدولية— لا تُقاس النتائج بما يطفو على السطح فحسب، مثل: التغطية الإعلامية اللحظية أو مجرد توقيع العقود التجارية؛ بل تبرز الأهمية القصوى في التداعيات الأعمق التي تُعيد تشكيل السلوكيات السياسية والهياكل الإدراكية للفاعلين الدوليين والمتمثلة في الآثار من الدرجتين الثانية والثالثة. إذ إن تفكيك زيارات ماكرون يكشف عن مكاسبَ استراتيجيةٍ مركبةٍ للأمن القومي المصري.

الإحلال الرمزي وتغيير الخرائط الإدراكية (Cognitive Maps):

إن الانتشار الواسع والمستمر لصور الدبلوماسية المصرية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإنترنت، يمثل أداةً بالغة التأثير؛ لإعادة هندسة الصورة النمطية التي ربما تكون قد تشكلت في فتراتٍ سابقةٍ سادت فيها الاضطرابات الإقليمية. إذ تُشير دراسات الدبلوماسية البصرية، بعمق، إلى أن الصور قادرةٌ على إثارة التعاطف، وحشد الاهتمام الإيجابي؛ بشكلٍ يتفوق على الخطاب السياسي التقليدي.

ومِن خِلال تسليط الضوء المنهجي على مشاهد التراث العريق، والفن، والديناميكية العمرانية الحديثة في مصر، تجاوزت القاهرة سردية "الدولة المأزومة" أو المحاطة بالأزمات؛ لترسخ سردية "الدولة الصاعدة" الصانعة للاستقرار والمتطلعة للمستقبل. وهذا التأثير من الدرجة الثالثة ليس تأثيرا معنويا فحسب، بل له ترجمةٌ تنمويةٌ واستثماريةٌ مباشرةٌ؛ إذ يُسهم في خفض التقييمات السلبية لمخاطر الدولة، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر. فرأس المال العالمي والإقليمي يتدفق بطبيعته إلى البيئات التي "تبدو" بوضوحٍ مستقرةً، ومحميةً، وجاذبةً؛ وهو ما توفره هذه المشاهد المتتالية للزعماء الأجانب في شوارع مصر ومتاحفها.

خلق الاعتمادية الجيوسياسية المتبادلة:

يُعَدُّ تحول العلاقة بين القاهرة وباريس —من علاقةٍ تقليديةٍ مبنيةٍ على مجرد تبادل المصالح اللحظية، إلى علاقةٍ راسخةٍ من الاعتمادية الجيوسياسية المتبادلة— من أبرز التأثيرات الاستراتيجية العميقة التي أفرزتها الدبلوماسية البصرية والعملية المحيطة بزيارات الرئيس الفرنسي.

إذ أضحت الدولة المصرية ركيزةً أساسيةً للأمن القومي الفرنسي ولأوروبا بأسرها؛ فاستقرار القارة الأوروبية وحمايتها من موجات الهجرة غير الشرعية المتدفقة عبر البحر الأبيض المتوسط، وتحصين مجتمعاتها من الاختراق الفكري والإرهاب العابر للحدود، باتا مرتبطينِ ارتباطا عضويا بقدرة الأجهزة الأمنية المصرية وكفاءة المؤسسات الدينية التاريخية، مثل الأزهر الشريف، في تفكيك الخطاب المتطرف.

وعلى الصعيد القاري الإفريقي باتت باريس تدرك حاجتها الماسة إلى "المظلة الإفريقية" التي توفرها لها مصر؛ والتي تجلت بوضوحٍ في الرعاية المشتركة لبرامج جامعة سنجور المعاصرة لعام 2026. إذ تحتاج باريس إلى هذه الشراكة؛ لإعادة تسويق حضورها المعرفي والتنموي في القارة السمراء، سعياً إلى التخلص من الإرث الكولونيالي الثقيل والسمعة السلبية المتنامية هناك؛ وهو ما انعكس في اهتمام الصحف الفرنسية الكبرى —ومن بينها صحيفة "لوفيجارو"— بمتابعة التفاصيل الدقيقة للتفاعلات الثقافية والاستراتيجية بين البلدين؛ مِمَّا يؤكد نجاح الدبلوماسية البصرية المصرية في اختراق الوعي الإعلامي والنخبوي الفرنسي وتوجيهه إيجابياً.

في المقابل توفر هذه الاعتمادية الشديدة لباريس على مصر مكاسبَ استراتيجيةً للقاهرة؛ إذ تمنح مصر غطاءً دبلوماسياً حيوياً وداعماً داخل أروقة الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية، فضلاً عن ضمان مصدرٍ موثوقٍ ومستدامٍ للحصول على التقنيات الاستراتيجية التي يتطلبها المجال الحيوي؛ في ظل التحديات الجيوسياسية المحيطة بالدولة المصرية لعام 2026.

تفنيد التهديدات الأمنية اللاتماثلية عبر "غياب الصورة" و"الردع البصري":

في أوقات النزاعات اللاتماثلية وتنامي دور الفاعلين العنيفين من غير الدول —مثل: الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة— تسعى هذه الكيانات التخريبية، دائماً، لفرض واقعٍ بصري موازٍ يعتمد على نشر صور الفوضى وفيديوهاتها، والتدمير، والعنف؛ لترويع المجتمعات وضرب الروح المعنوية. ومِن ثَمَّتتدخل الدبلوماسية البصرية للدولة؛ بوصفها آليةً حاسمةً للمقاومة الاستراتيجية.

«فعندما تنتشر صور الرؤساء والوفود الأجنبية الكبرى وهي تتجول في المتاحف المفتوحة، والمقاهي الشعبية، والجامعات الإقليمية بكامل الطمأنينة؛ يُبطَل مفعول بروباجندا التنظيمات الراديكالية تلقائيا. ويُعَدُّ هذا الأداء تطبيقاً عملياً لمفهومٍ نظري بالغ الدقة، يُعرف بـ "تأثير اللامرئي" أو دور ما يُستبعد من الصورة؛ وهو المفهوم الذي أشار إليه الباحثان رون سوغمان أندرسن وفرانك مولر. فالصورة التي تُظهر الاستقرار الطبيعي المتدفق تلغي، ضمنيا وبشكلٍ قاطع، صور الخوف والهلع؛ وتُؤكد احتكار الدولة المطلق لأدوات القوة، وقدرتها الكاملة على فرض سيادة القانون، وتوفير مناخٍ آمنٍ للمواطن والزائر معاً.

الدور المحوري لوسائل الإعلام والدبلوماسية الرقمية في استدامة التأثير:

لا تكتسب الأحداث الدبلوماسية البصرية قيمتها الكلية وتأثيرها الممتد بمجرد حدوثها في النطاق الجغرافي، بل تتضاعف هذه القيمة عبر ما يُعرف بـ "الوساطة الإعلامية للسياسة". ومِن ثَمَّ، يُشير الانتقال من الدبلوماسية العامة التقليدية إلى فضاء الدبلوماسية الرقمية والبصرية؛ إلى أن التدوينات، والصور، والمقاطع المصورة المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي الرسمية للدول وقياداتها، أضحت هي الوسيط الأساسي الذي يصنع الواقع في أذهان الملايين.

إن الاستخدام المنهجي للحسابات الرسمية للرئاستين الفرنسية والمصرية، وكذلك تغطيات وكالات الأنباء؛ لتوثيق الجولات الاستثنائية في الإسكندرية، أو في رحاب معبد أبو سمبل، أو داخل أروقة المتحف المصري الكبير؛ يُشكل آليةً قويةً لترسيخ الوعي العام محليا ودولي. ومِن ثَمَّ تُعد هذه المنصات الرقمية المفتوحة —كما تؤكد الدراسات المعاصرة في حقل العلاقات الدولية— ساحاتٍ بديلةً للنزاع الإدراكي وبناء التحالفات الرمزية.

ووفقا لما تطرحه الباحثة أشلي دوليبر، فإن الصورة الفوتوغرافية الواحدة التي تُنشر في التوقيت المناسب وتُوزع عبر الشبكات الرقمية؛ تمتلك القدرةَ الهائلةَ على تغيير مسار التفكير السياسي لدى قطاعاتٍ واسعةٍ، وتحفيز التعاطف الإنساني، وإثارة نقاشاتٍ عالميةٍ حول دور دولةٍ ما وموقعها الحضاري.

ومِن ثَمَّ، فإن قيام الإعلام الدولي والمحلي بنشر صور الزعيمين أثناء توقيع الاتفاقيات الاستراتيجية —وفي الخلفية تظهر إما الآثار الخالدة المُنقذة من الغرق، أو المنشآت الأكاديمية التنموية الحديثة— يخلق تراكماإيجابيا لـ "بناء العلامة الوطنية" للبلاد. وكما يُبرز انتقاءُ الفن الراقي في أروقة السفارات هويةَ الدولة ويُعزز قوتها الثقافية؛ فإن وضع الأصول الاستراتيجية، والسياحية والإنشائية لمصر خلفيةً حيةً ومستمرةً للمفاوضات السياسية، يصنع علامةً تجاريةً وطنيةً قويةً ترتبط عضويا بقيم العراقة، والموثوقية، والتسامح، والإنجاز السريع.

لقد أدت هذه الديناميكية إلى أن تصبح الصور التي تلتقطها الكاميرات جزءاً لا يتجزأ من "القوة الناعمة" الوطنية؛ إذ تكون قدرةُ الصورة على الانتشار العالمي، في ثوانٍ معدودةٍ، أقوى في كثيرٍ من الأحيان وأكثر أمانامن اللغة المنطوقة التي قد تُساء ترجمتها أو تأويلها؛ مِمَّا يرسخ الدبلوماسية البصرية بوصفها أداةً لا غنى عنها في هندسة النفوذ المعاصر.

الاستنتاجات والتوصيات الاستراتيجية:

يقود التحليل العلمي والمعمق للتوظيف البصري المتمكن، في التفاعلات الدبلوماسية المصرية-الفرنسية المتتابعة خلال الفترة من عام 2019 وحتى عام 2026، إلى استنتاجاتٍ محوريةٍ حول طبيعة ديناميات القوة الحديثة وسبل صون الأمن القومي الشامل. إذ يتضح، بجلاء، أن "البروتوكول الدبلوماسي" لم يعد مجرد ترتيباتٍ حركيةٍ أو مأدباتٍ رسميةٍ تُعقد خلف الأبواب المغلقة، بل تحول بامتياز إلى "مسرح عملياتٍ" دقيقٍ تُحسم فيه معارك الإدراك، والهيمنة الثقافية، وصناعة النفوذ في العالم الرقمي والشبكي.

أولاً:أثبتت الدولة المصرية قدرةً فائقةً على هندسة دبلوماسيةٍ بصريةٍ احترافيةٍ؛ إذ نجحت في تحويل أصولها المادية من التراث الثقافي الخالد —مثل: الآثار المنتشرة في أنحاء الجمهورية، والمؤسسات الدينية العريقة كالأزهر الشريف والكنيسة القبطية— والإنشائيات القومية العملاقة الحديثة، مثل: المتحف المصري الكبير وجامعة سنجور المحدثة، إلى مفردات لغةٍ دقيقةٍ للقوة الناعمة.

واستطاعت هذه المفردات مخاطبةَ العقل الباطن للنظام الدولي؛ مرسخةً في الوعي العالمي صورةَ مصر بوصفها دولةَ مؤسساتٍ متجذرةً، تتسم بالصلابة والموثوقية، وتمتلك القدرةَ اللوجستية والأمنية العالية؛ لاستيعاب الفعاليات العالمية الكبرى وإدارة الأزمات المتقاطعة.

ثانياً ـتُمثل الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين القاهرة وباريس نموذجاً ناضجا ومتقدما لمفهوم "الاعتمادية البصرية والمصلحية المتبادلة"؛ فكما تجني مصر ثمار الترويج لصورتها الأمنية المطلقة، وثِقَلها الثقافي والجيوسياسي، من خلال استقبال رئيس دولةٍ غربيةٍ وعضوٍ دائمٍ في مجلس الأمن في مواقعَ رمزيةٍ ودقيقةٍ؛ تستثمر باريس، بقوة، في "الشرعية التاريخية والإقليمية" التي تمتلكها مصر. إذ يُمكِّن هذا الاستثمار باريس من محاولة ترميم صورتها المتردية في الفضاء الإفريقي، وتأكيد حضورها الاستراتيجي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط وسط تنافسٍ دوليٍّ محمومٍ.

ثالثاً ـيُعد تبني مصر واحتضانها لمشروع التوسعة الإنشائية لجامعة «سنجور» ببرج العرب، وتوظيفه بصرياعبر افتتاحه بمشاركةٍ فرنسيةٍ وحضور قياداتٍ إفريقيةٍ بارزةٍ في مايو ٢٠٢٦، اختراقا استراتيجيا نوعيا في ملف بناء الكوادر وتأمين العمق الإفريقي للمصلحة الوطنية المصرية. إذ يؤكد هذا التحرك استمرارية الدور الريادي المصري التنموي، ويُكرس مكانة القاهرة قائدةً مفصليةً في تعزيز التعاون بين دول الجنوب، وفي ربط القارة الإفريقية بالشراكات التنموية الأوروبية الفعالة.

التوصيات:

بناءً على هذا التحليل الشامل، وفي سبيل تعزيز الأمن القومي الشامل وخدمة الأهداف العليا للدولة المصرية المعاصرة، يوصي التحليل بما يلي:

· مأسسة الدبلوماسية البصرية الشاملة:ضرورة استحداث إدارةٍ أو وحدةٍ متخصصةٍ عليا ضمن هياكل صنع القرار للسياسة الخارجية والدبلوماسية الرقمية، تضم خبراءَ أكاديميين وممارسين في مجالات الاتصال البصري السيميائي، وعلم النفس السياسي، والإعلام الرقمي. وتُناط بهذه الوحدة مهمةُ هندسة وتصميم "الرسائل البصرية" والسينوغرافيا المرافقة للأنشطة والزيارات الدبلوماسية كافة؛ بما يضمن اتساقها الدائم مع التطورات والمتطلبات الاستراتيجية المتغيرة للأمن القومي.

· استثمار نطاق الجغرافيا الثقافية وتوسيعه:استمرار في سياسة ربط المحافل والفعاليات السياسية والدبلوماسية رفيعة المستوى بالأيقونات الجغرافية والحضارية المتنوعة لمصر. وينبغي التوسع في دمج المواقع الحديثة في مدن الجيل الرابع —مثل: العاصمة الجديدة، ومدينة العلمين الجديدة، ومدينة الجلالة— مع المواقع التراثية التقليدية؛ لترسيخ ثنائيةٍ بصريةٍ بالغة الأهمية تؤكد أن مصر تجمع بين الأصالة الضاربة في الجذور، والتحديث التكنولوجي والعمراني المتسارع.

· توسيع وتعميم النموذج الأكاديمي (نموذج جامعة سنجور):البناء على النجاح الدبلوماسي والمؤسسي المحقق في تجربة جامعة «سنجور» بالإسكندرية؛ لتأسيس نماذجَ مشابهةٍ وموازيةٍ. إذ يمكن إطلاق مشروعاتٍ دبلوماسية أكاديمية وثقافية مستدامة تُخاطب دوائر الحركة السياسية الأخرى للدولة المصرية، مثل: الدائرة الآسيوية، والدائرة العربية، والكتل الناشئة؛ لضمان توسيع نقاط الارتكاز الاستراتيجي لمصر عبر القوة الناعمة المتعددة الأقطاب.

تأسيساً على ما تقدم، يكشف التوليف المنهجي للتحليل عن مصفوفةٍ متكاملةٍ تتفاعل فيها ثلاثة أبعاد بصرية؛ الأول: البُعد الفضائي التراثي (معبد أبو سمبل، والأهرامات، وقلعة قايتباي، والمتحف المصري الكبير) الذي ثبّت شرعية الدولة التاريخية، ودحض سرديات الهشاشة الأمنية. والثاني: البُعد الحيزي المعاش (جولات خان الخليلي، وممارسة رياضة الجري على الكورنيش) الذي فعّل الردع البصري، وعزز الثقة الدولية في السيطرة السيادية. والثالث: البُعد المؤسسي القاري (جامعة سنجور، ومشيخة الأزهر الشريف، والكنيسة القبطية، والقمم المتعددة الأطراف) الذي نقل الصورة الاستراتيجية لمصر من حيز "الدفاع عن الاستقرار الداخلي" إلى حيز "الهيمنة المعرفية والريادة الإقليمية الدائمة".

خلاصة القول؛ إن الدبلوماسية البصرية لم تعد ترفا إعلاميا، بل أضحت تقف اليوم في صدارة خطوط الدفاع الأولى للدول؛ بوصفها عنصرا تفاضليا حاسما في موازين القوى الشاملة. ولقد برهنت القراءة الدقيقة للمشاهد البصرية المرافقة لمسار زيارات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الممتد عبر السنوات، على وعيٍ استراتيجي مصري بالغ الدقة بمتطلبات العصر الرقمي والمرئي؛ إذ تتآلف الأبعاد التاريخية، ومحاربة التطرف باعتدالٍ مؤسسي، وتحمل المسئولية التنموية والقارية؛ لتشكل مجتمعةً درعا ناعما وصلباً في آنٍ واحدٍ، يُحصن الصورة الاستراتيجية للدولة، ويُعظم نفوذها، ويحمي أمنها القومي الشامل في محيطٍ إقليمي وعالمي بالغ التوتر والتعقيد.

المراجع:

أولاً: المراجع باللغة العربية

الخليج. السيسي وماكرون يفتتحان مقر جامعة سنجور ببرج العرب. صحيفة الخليج.(2026، 9 مايو).

العربية. ماكرون يبدأ زيارة مصر من معبد أبو سمبل. العربية نت(2019، 27 يناير)..

اليوم السابع. «العلاقات المصرية الفرنسية».. تاريخ ممتد من التعاون الحضاري إلى الشراكة الاستراتيجية. اليوم السابع.(2026، 9 مايو).

محمد إبراهيم حسنفرج،.  الدبلوماسية الثقافية في مصر: كيف يغيّر المتحف المصري الكبير معادلة التأثير الحضاري. مجلة السياسة الدولية(2025)..

وزارة التعاون الدولي,مصر وفرنسا والاتحاد الأوروبي يوقعون 9 اتفاقيات تمويلات ومنح بقيمة 262.3 مليون يورو. موقع وزارة التعاون الدولي المصرية(2025، 8 أبريل)..

ثانياً: المراجع باللغات الأجنبية

Bleiker, R. (Ed.). (2018). Visual global politics. Routledge.

Callahan, W. A. (2020). Sensible Politics: Visualizing International Relations. Oxford University Press.

Constantinou, C. M. (2018). Visual diplomacy: Reflections on diplomatic spectacle and cinematic thinking. The Hague Journal of Diplomacy, 13(4), 387-409.  

Danielson, A., &Hedling, E. (2022). Visual diplomacy in virtual summitry: Status signalling during the coronavirus crisis. Review of International Studies, 48(2), 243-261.  

Death, C. (2011). Summit theatre: Exemplary governmentality and environmental diplomacy in Johannesburg and Copenhagen. Environmental Politics, 20(1), 1-19.  

Doliber, A. (2016). Can visual diplomacy save the world? MIT Center for Civic Media.  

Egyptian Streets. (2026, May 10). Macron opens Africa tour in Alexandria, reaffirming ties with Egypt. Egyptian Streets.  

Faizullaev, A. (2026). Diplomatic representation. The Hague Journal of Diplomacy.  

Hansen, L. (2018). Security images. In R. Bleiker (Ed.), Visual global politics. Routledge.  

Middle East Monitor. (2025, April 7). Egypt, France elevates relations to strategic partnership. Middle East Monitor.  

Saugmann Andersen, R., & Möller, F. (2013). The invisible. In R. Bleiker (Ed.), Visual global politics. Routledge.  

TV5Monde. (2026, May 13). EnAfrique, Macron ultrapositif sur le continent... et sur son bilan. TV5Monde.

 


رابط دائم: