لا شيء يعكس هشاشة المشهد السياسي الإسرائيلي اليوم أكثر من استطلاعات الرأي التي تثير الرعب في أروقة الليكود. فما يجري داخل "معسكر نتنياهو" ليس مجرد قلق اعتيادي يسبق أي استحقاق انتخابي، بل هو ذعر حقيقي من احتمال فقدان السلطة، والأخطر من ذلك من سيناريو دراماتيكي يتمثل في عدم تمكن حزب "الصهيونية الدينية" بزعامة وزير المالية الحالي بتسلئيلسموتريتش من تجاوز نسبة الحسم.
هذا السيناريو، كما تدرك القيادة في الليكود جيدا، ليس مجرد إحراج سياسي، بل هو كارثة بنيوية تهدد بتفكك الكتلة اليمينية بأكملها. فكل مقعد سيخسره سموتريتش وأنصاره هو مقعد ثمين قد يكلف اليمين السلطة في معركة متكافئة مع معسكر التغيير. وهنا يبرز دهاء نتنياهو السياسي، أو ما يمكن تسميته "فن المناورة في اللحظات الحرجة"، حيث بدأ يدرس بدءاً من إمكانية إعادة توحيد سموتريتش مع وزير الأمن القومىإيتمار بن غفير، وصولاً إلى حلول أكثر إبداعا وتحديا.
الصراع الداخلي في الليكود:
في بداية شهر يونيو المقبل، من المتوقع أن تصدر "المحكمة الحزبية" لليكود قراراتها بشأن القضايا الخلافية التي سترسم ملامح الانتخابات التمهيدية (البرايمرز) داخل الحزب. والمحكمة الحزبية ليست محكمة قضائية رسمية، بل هي هيئة داخلية تتألف من قضاة متقاعدين أو محامين كبار من أعضاء الحزب، مهمتها الفصل في النزاعات حول تفسير النظام الداخلي للليكود. قراراتها ملزمة للجميع داخل الحزب، ولا يمكن الطعن عليها إلا في محكمة العدل الإسرائيلية في حالات نادرة.
ما الذي تختلف عليه الأطراف داخل الليكود؟ هناك أربع قضايا مصيرية تنتظر قرار المحكمة:
أولاً ــ آلية الاقتراع – هل يحق لجميع أعضاء الحزب التصويت وعددهم نحو 150 ألفا، أم يقتصر الحق على أعضاء "مركز الليكود" وعددهم نحو 4 آلاف فقط؟ هذا ليس خلافاتقنيا بسيطاً، بل هو صراع على السيطرة. نتنياهو يفضل توسيع دائرة المصوتين لأنه يتحكم بالجهاز الحزبي الواسع، بينما خصومه يريدون تضييقها لزيادة نفوذهم النسبي.
ثانياً ــ موعد إجراء الانتخابات التمهيدية – هل تجرى مبكرا قبل حل الكنيست رسميا، أم تتأخر إلى ما قبل الانتخابات العامة بأسبوعين أو ثلاثة؟ الموعد يؤثر بشكل كبير على قدرة المرشحين على تنظيم حملاتهم الانتخابية، وعلى فرصة نتنياهو في عقد تفاهمات مع الشخصيات القيادية خارج إطار المنافسة المباشرة.
ثالثاً ــ عدد التخصيصات أو ما يعرف بـ"الشرايونيم" – التخصيص هو مقعد مضمون في القائمة الحزبية يمنحه رئيس الحزب لشخص معين دون حاجة لخوض الانتخابات التمهيدية. والسؤال الخلافي هنا: كم عدد المقاعد التي يحق لنتنياهو تخصيصها؟ اثنين؟ خمسة؟ عشرة؟ نتنياهو يسعى حالياللحصول على خمسة تخصيصات على الأقل، وهو رقم يعتبره خصومه مفرطاً.
رابعاًــ آلية ترتيب القائمة النهائية – بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية وحصول كل مرشح على عدد من الأصوات، هل توزع المقاعد حسب الأصوات فقط، أم إن لرئيس الحزب صلاحية إعادة ترتيب القائمة وفق رؤيته السياسية؟
هذه القضايا الأربع لن تحسم بالتصويت داخل الحزب، لأن الانقسامات عميقة، بل ستفصل فيها المحكمة الحزبية التي ستنظر في الالتماسات المقدمة من مختلف الأطراف. وأي قرار تصدره سيكون بمثابة "قواعد اللعبة" التي سيجري على أساسها التنافس على المقاعد الواقعية في القائمة.
جدير بالذكر أن نتنياهو لا ينتظر قرارات المحكمة. فهو يعمل في الخلفية على عقد تفاهمات مع مراكز القوى في الحزب، أمثال دافيد بيتان، رئيس لجنة الاقتصاد في الكنيست والذي يُعتبر صوتاً معارضاً داخل الليكود معروفا بجرأته في انتقاد السياسات الحكومية، وحاييم كاتس، وزير الإسكان الذي يُعد من المقربين التقليديين لنتنياهو ويتمتع بعلاقات واسعة داخل أروقة الحزب.
وثمن هذه المناورات يدفعه آخرون. ففي محيط بنيامين نتنياهو، يُذكر اسم ديدي شمخي، الشخصية الأمنية السابقة والمقربة من نتنياهو، كمرشح محتمل للتخصيص، لكنه اشترط موافقته على الانضمام بحصوله على مكان متقدم ومضمون في القائمة. ومعنى ذلك أن أعضاء كنيست حاليين سيجدون أنفسهم إما خارج دائرة الضوء تماما، أو على الأقل خارج المقاعد الواقعية التي تضمن بقاءهم في البرلمان المقبل.
هذه المعادلة الصعبة أوجدت ما يصفه مراقبون إسرائيليون بـ"الضغط الهائل" داخل الليكود. واللافت أن بعض أعضاء الكنيست المضغوطين بدأوا بهدوء بفحص خيارات بديلة، ولم يتردد بعضهم في التواصل مع أنصار إيتمار بن جفير لاستكشاف إمكانية الاندماج في قائمة "القوة اليهودية".
إنها لحظة مفارقة تاريخية بكل المقاييس: ليكوديون يبحثون عن ملاذ في حزب كان حتى الأمس القريب يعتبر متطرفا جدا حتى بمعايير اليمين الإسرائيلي نفسه.
المحاكمة: نتنياهو بين القضاء والسياسة:
بينما تخوض قيادة الليكود معركتها الانتخابية، يقاتل نتنياهو معركة جبهة أخرى لا تقل خطورة: قاعة المحكمة. فمنذ العام 2020، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي تهما بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا منفصلة، جمعتها السلطات القضائية الإسرائيلية في ملف واحد.
القضية 1000، التي يصفها نتنياهو ساخراً بـ"قضية باجز باني والسيجار"، تتعلق بتلقيه هدايا فاخرة بمئات آلاف الشواكل من رجال أعمال أجانب، بينهم الملياردير أرنون ميلشن، مقابل تسهيلات وتفضيلات سياسية .أما القضية 2000، فتركز على محادثاته مع ناشر "يديعوت أحرونوت" نوني موزيس، حيث يُشتبه بمحاولة التوصل إلى صفقة غير قانونية: تغطية إعلامية إيجابية مقابل التشريع لإضعاف صحيفة "إسرائيل هيوم" المنافسة.والقضية 4000، الأخطر والأكثر تعقيدا، والتي لا تزال تشمل تهمة الرشوة، تتعلق بقيام نتنياهو، عندما كان وزيرا للمواصلات، بإصدار قرارات تنظيمية أفادت شركة "بيزيك" (Bezeq) للاتصالات بمئات الملايين من الشيكلات، وفي المقابل حصل على تغطية إعلامية إيجابية في موقع "واللا" الإخباري المملوك لمساهم الشركة شاؤول إيلوفيتش .
ما يجعل شهادة نتنياهو في هذه القضايا مثيرة للاهتمام، خاصة في القضية 2000 التي تناقشها وسائل الإعلام حالياً، ليس تفاصيلها القانونية وحدها، بل الطريقة التي يصوغ بها رئيس الوزراء روايته. فبدلاً من أن يظهر في قفص الاتهام كمسئول يخضع للتحقيق، يحاول نتنياهو باستمرار قلب الطاولة وتقديم نفسه كرجل سياسي يحارب من أجل الديمقراطية وحرية الصحافة. في شهادته، لا يتحدث عن رشوة أو صفقات غير قانونية، بل عن "محادثات فارغة" مع "خصم سياسي قوي".
ووفقاً لتحليلات صحفية إسرائيلية، مثل تلك المنشورة في "إسرائيل هيوم" و"يديعوت أحرونوت"، فإن نتنياهو يتبع استراتيجية مدروسة تحول المحكمة إلى منصة سياسية بامتياز.فهو يوظف جلسات الاستماع العلنية لترسيخ سردية "المطاردة السياسية" (political witch hunt) في أذهان الجمهور، متجاهلا الأسئلة الإجرائية للمحققين ليتحدث مباشرة إلى الكاميرات وأنصاره. أحدث تجليات هذه الاستراتيجية كان طلبه المفاجئ للعفو الرئاسي في نهاية عام 2025، بحجة أن "استمرار المحاكمة يمزقنا من الداخل"، وهو طلب صادم نظرا لأنه قدم قبل إدانته، وبدون اعتراف بالذنب، وهو ما وصفه نقاده بأنه اعتراف ضمني منه بأنه لا يملك ثقة كاملة في تبرئته عبر القنوات القانونية العادية.
هذه السردية تتلقى دعما كبيرا من شبكة دعايته الإعلامية المتمثلة بقناة 14، والتي وصفتها صحيفة "العين السابعة"العبرية بـ "آلة السموم".فالقناة لا تكتفي بتغطية المحاكمة، بل تعمل على نسج مؤامرة كبرى تربط بين هيئات إنفاذ القانون، والقضاء، والإعلام التقليدي، وتصفهم جميعا بأنهم جزء من "دولة عميقة" تسعى للإطاحة بنتنياهو المنتخب ديمقراطيا.وبهذه الطريقة لا يظهر نتنياهو كمتهم في قضايا فساد، بل كضحية للنخبة التي تريد إسكات صوته، ويتم تحويل المحاكمة من قضية قانونية إلى معركة وجودية بين "الشعب" و"النخبة الحاكمة".
وهنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها الكثير من المحللين: بينما يقدم نتنياهو نفسه في قاعة المحكمة كمدافع عن الديمقراطية الإسرائيلية، فإن هذه الديمقراطية نفسها هي التي تقدمه للمحاكمة. القضاء الإسرائيلي، بكل عيوبه وانحيازاته السياسية المحتملة، هو الذي فتح ملفات الفساد ضده، والصحافة المستقلة هي التي نشرت تفاصيل التحقيقات. إن نجاح نتنياهو في إقناع جمهوره بأن هذه المؤسسات "فاسدة" أو "مسيسة" هو بحد ذاته أهم وأخطر تهديد على الديمقراطية الإسرائيلية من صنع سياسي يريد إنقاذ نفسه.فبينما تدور رحى المعركة في قاعة المحكمة، تُعاد في الوقت نفسه صياغة قواعد اللعبة السياسية الإسرائيلية برمتها.
منافسو نتنياهو على مقعد رئيس الوزراء:
في الطرف الآخر من الخريطة السياسية، يقدم أفيجدور ليبرمان زعيم من زعماء المعارضة في إسرائيل ورئيس حزب "يسرائيلبيتنو" نفسه كبديل صريح وجريء. تصريحاته الأخيرة لا تحتمل التأويل: "أريد أن أكون رئيس وزراء" و"لن أجلس مع نتنياهو حتى لو انقلب العالم". هذا التصعيد ليس مجرد خطاب انتخابي، بل هو قراءة دقيقة للحظة السياسية التي يمر بها اليمين الإسرائيلي.
يضع ليبرمان شروطا واضحة لأي تحالف مستقبلي، وفي مقدمتها قانون تجنيد كامل يلزم الحريديم بالخدمة العسكرية. هذا الشرط، كما يعلم الجميع، هو قنبلة موقوتة داخل أي ائتلاف مستقبلي، لأنه يمس أحد أكثر الخطوط الحمراء حساسية في السياسة الإسرائيلية الداخلية.
وبالنسبة لإمكانية التوحد مع جادي آيزنكوت (رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق ومرشح لرئاسة الوزراء في انتخابات 2026)، يصر ليبرمان على وجود "فجوات جوهرية" بينهما في التصور، خاصة فيما يتعلق بقانون التجنيد. لكنه يبقى الباب مفتوحا لأي تحالف يخدم هدفه المزدوج: "استبدال حكومة الشر-يقصد حكومة نتنياهو، وأن أكون رئيس وزراء".
في المقابل، يلعب نفتالي بينت (رئيس وزراء سابق) دورا أكثر حذرا. وصفه ليبرمان بأنه "شريك جاد ومسئول" و"يضع الدولة فوق الأنا"، الوصف الذي يعكس استراتيجية واضحة: إبقاء خيار التحالف مفتوح دون حرق المراحل. يدرك بينت أن الصورة متضررة، لكنه يدرك أيضاً أن أي حكومة بديلة لن تمر دون مشاركته أو مشاركة ليبيرمان، أو كليهما معاً.
السيناريوهات المستقبلية: ماذا ينتظر المنطقة؟:
كمراقبة عربية، لا يمكن الاكتفاء بتحليل المشهد الإسرائيلي الداخلي كحدث بذاته، بل يجب وضعه في سياقه الإقليمي وتداعياته على القضية الفلسطينية والمصالح العربية.
السيناريو الأول: بقاء اليمين بقيادة نتنياهو:
إذا نجح نتنياهو في تجاوز هذه العاصفة، إن عبر الليكود وحلفاؤه عتبة الحسم وحافظوا على كتلة صلبة، فالثمن سيكون باهظا. لضمان بقاء شركائه الصغار في الائتلاف، سيضطر لتقديم تنازلات دراماتيكية في ملفات الاستيطان والضم والسيادة. هذا يعني تصعيدا خطيرا في الضفة الغربية، ومواجهة محتملة مع الإدارة الأمريكية إذا كان ترامب أو خليفته غير مستعدين لمنحه بطاقة بيضاء. وبالنسبة للفلسطينيين، هذا السيناريو يعني استمرار، بل تعميق، التوسع الاستيطاني، وموت أي أمل في حل الدولتين حتى كوهم سياسي.
السيناريو الثاني: حكومة تغيير بقيادة ليبرمان - بينت
هذا السيناريو، رغم كل الصعوبات، يبقى وارداً. لكن هل يعني تغييرا حقيقيا بالنسبة لنا؟ أفيجدورليبرمان، المعروف بتطرفه ضد القيادة الفلسطينية ودعواته المتكررة لإعدام أسرى وضرب غزة بـ"الجرافة"، ليس صديقاً للقضية الفلسطينية. لكن التركيز مختلف. حكومة برئاستها قد تنشغل أكثر بالصراع الداخلي: مع الحريديم حول التجنيد، مع الطبقة الوسطى حول الاقتصاد، ومع النظام القضائي حول سلطاته. هذا الانشغال قد يترجم تراجعا في زخم التوسع الاستيطاني البرّاق، لكن الحصار المفروض على غزة والضفة سيبقى، والقدس ستبقى هدفاً للتهويد. الفرق قد يكون في الشدة والسرعة وليس في الجوهر.
السيناريو الثالث: الانهيار والتجميد:
إذا لم يتمكن أي من المعسكرين من تشكيل حكومة مستقرة، وهو احتمال قوي بالنظر إلى تعقيدات المشهد، فسنشهد انتخابات خامسة أو سادسة. هذا الشلل السياسي الإسرائيلي هو نقطة ضعف حقيقية. فحكومة مشغولة بذاتها، غير قادرة على تجاوز خلافاتها الداخلية، هي حكومة أقل قدرة على شن حروب أو تمرير قوانين مصيرية. بالنسبة للمجتمع الدولي، هذا السيناريو قد يكون فرصة للضغط من أجل تجميد الاستيطان في غياب سلطة فاعلة في تل أبيب. بالنسبة للفلسطينيين، قد يكون فرصة لتعزيز الوحدة الداخلية وإعادة بناء المؤسسات في غياب ضغط إسرائيلي يومي منظم.
العرب في مواجهة فوضى تل أبيب:
ما يحدث اليوم في إسرائيل هو أكثر من مجرد انتخابات. إنه انعطاف بنيوي يعكس انهيار نموذج الحكم اليميني التقليدي الذي هيمن على المشهد السياسي لعقد كامل. اليمين الذي بنى نفسه على ثلاثية "الأمن - الاستيطان - القيادة القوية" يجد نفسه اليوم ممزقاً بين طموحات زعاماته الصاعدة، وخوف قاعدته الجماهيرية من التشرذم، ومخاوف نتنياهو الشخصية من السجن وفقدان الحصانة.
نتنياهو يحارب على ثلاث جبهات متزامنة:
1. القانون الذي قد يرسله إلى السجن.
2. السياسة التي قد تبعده عن الكرسي.
3. البقاء الشخصي الذي يدفعه لمناورات قد تزيد الأمور تعقيدا.
أخيرا،لا ينبغي الرهان على "خيرية" أي طرف. السياسة الإسرائيلية، حتى في أعمق فوضى، تظل معادية للحقوق الفلسطينية، ومشروعة أيديولوجيا على حساب الأرض والإنسان. لكن علينا أن نقرأ الخريطة بدقة: فالحكومة الإسرائيلية الضعيفة، المنشغلة بصراعاتها الداخلية، غير القادرة على تجاوز خلافاتها وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار، هي حكومة أقل قدرة على شن حروب جديدة أو تنفيذ خطوات ضم واسعة.
تشكل الفوضى السياسية في تل أبيب، في هذا السياق المحدد، فرصة للضغط الدولي لوقف الاستيطان، وفرصة لإعادة تعريف الأولويات في الخطاب السياسي العربي، وفرصة لفضح التناقضات الداخلية للكيان الذي يقدم نفسه دائما كحصن ديمقراطي مستقر في منطقة مضطربة.