أوروبا وترامب بين التبعية والاستقلال ومحاولة إنقاذ النظام الغربي
21-5-2026

م/ حسام الدين على
* سياسى مصرى

لم تعد أوروبا تنظر إلى عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بوصفها مجرد تغيير في إدارة أمريكية، بل باعتبارها لحظة اختبار كبرى لموقعها في العالم. فالرجل الذي عاد بخطاب صدامي تجاه الحلفاء، وبنظرة تجارية إلى التحالفات، أعاد فتح أسئلة كانت أوروبا تؤجلها منذ سنوات: هل لاتزال الولايات المتحدة شريكًا يمكن الاعتماد عليه كما في السابق؟ وهل يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يبقى قويًا سياسيًا وأمنيًا في ظل تراجع الثقة بالمظلة الأمريكية؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت أساسًا لتحركات أوروبية متسارعة على أكثر من جبهة.

التحول الأهم هنا أن أوروبا لم تعد تتصرف ككتلة مطمئنة إلى أن واشنطن ستتولى دائمًا قيادة النظام الغربي. فمع كل تصريح جديد لترامب عن الناتو، أو عن القادة الأوروبيين، أو عن تكلفة الدفاع، يتأكد لدى العواصم الأوروبية أن زمن اليقين من الشريك الأمريكي قد انتهى أو على الأقل تراجع كثيرًا.
ولهذا بدأت أوروبا في إعادة ترتيب أولوياتها بقيادة فرنسا وألمانيا وذلك عن طريق رفع مستوى التنسيق الداخلي، ورفع الإنفاق الدفاعي بشكل غير مسبوق مما انعكس علي خطط أخرى للتنمية الداخلية، بل والتفكير في استقلالية أكبر عن الولايات المتحدة او الاستعداد للغياب الكامل لحليفهم الكبير وفي الوقت نفسه الإصرار على عدم انهيار الناتو، لأنه لايزال الإطار الوحيد القادر على منع فراغ أمني خطير في القارة أمام تهديدات روسيا وربما غيرها.

هذا التوتر بين الرغبة في الاستقلال والحاجة إلى المظلة الأمريكية يفسر كثيرًا من التحركات الأوروبية في المرحلة الحالية. فالاتحاد الأوروبي لا يريد القطيعة مع واشنطن، لكنه لم يعد مستعدًا أيضًا للعيش على افتراض أن الحماية الأمريكية مضمونة بلا شروط. لذلك نرى دولًا أوروبية كبرى تتحرك باتجاه بناء قدرة دفاعية أوضح وأكثر مؤسسية، سواء عبر زيادة ميزانيات التسلح، أو عبر دعم الصناعة العسكرية الأوروبية، أو عبر تنسيق أكبر في إدارة الأزمات.
الفكرة ببساطة هي أن أوروبا تحاول أن تصير أكثر استعدادًا لاحتمال أن أمريكا لن تكون دائمًا كما كانت، فملف أوكرانيا قد كشف هذه الحقيقة بوضوح فالحرب هناك لم تعد بالنسبة إلى الأوروبيين مجرد أزمة على الحدود الشرقية، بل اختبارًا مباشرًا لجدية أوروبا نفسها. مع تراجع ثقة الأوروبيين في استمرار الدعم الأمريكي بلا حدود بعد رحيل بايدن واتخاذ ترامب لسياسة مغايرة تماما، أصبحت مسألة مساندة كييف جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الأوروبية، لا مجرد موقف تضامني.

من هنا جاء التوجه الأوروبي نحو سد بعض الفجوات المالية والعسكرية، ومحاولة الحفاظ على استمرارية الدعم لكييف، لأن سقوط أوكرانيا أو إضعافها بشدة سيعني بالنسبة إلى أوروبا تهديدًا مباشرًا لأمنها الداخلي ولمعادلة الردع ضد روسيا و سيخشون أن يستمر التوجه الروسي في التوسع تهديدا يوميا.
لكن الأمر لا يتوقف عند أوكرانيا. فداخل أوروبا نفسها، بدأ نقاش أعمق حول معنى الناتو وموقعه في المرحلة المقبلة. الحلف الأطلسي لايزال بالنسبة إلى الأوروبيين ضرورة لا غنى عنها، لكنه لم يعد يُرى بالطريقة ذاتها التي سادت خلال العقود الماضية. هناك إدراك متزايد بأن الناتو يجب أن يبقى، لكن بشروط جديدة، أهمها أن تتحمل أوروبا نصيبًا أكبر من العبء، وأن لا تبقى قرارات الأمن القاري مرهونة بالكامل بالمزاج السياسي في واشنطن والذي يحركه الناخب الأمريكي الذي اختار ترامب للمرة الثانية رغم تجربتهم له في الولاية الأولى.
ولهذا يمكن القول إن أوروبا لا تفكر في إنهاء الناتو، بل في “أوربته” من الداخل، أي تحويله إلى إطار أكثر توازنًا في القيادة والأعباء.
إلى جانب ذلك بدأت بعض العواصم الأوروبية تنظر إلى الصين بوصفها جزءًا من معادلة التوازن الجديدة. هذا لا يعني بالضرورة انحيازًا إلى بكين، لكنه يعكس رغبة في تنويع الخيارات وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها.

واللافت للنظر أن الصين أيضا تسعى للتقارب مع أوروبا وتجد فرصة الشرخ الأمريكي ــ الأوروبي فرصة سانحة لبناء علاقات أكثر استقلالية وانضباطا مع أوروبا التي أيقنت ان التقارب الحذر مع الصين يمنح الأوروبيين هامش مناورة أوسع، خاصة في لحظة تتسم فيها السياسة الأمريكية بالتقلب والضغط والرسائل المتشددة.
ومع ذلك لا يبدو أن أوروبا مستعدة للمجازفة بعلاقة كاملة ومفتوحة مع الصين، لأن هذا التقارب نفسه محفوف بمخاوف اقتصادية وأمنية، ولأن الأوروبيين يدركون أن بكين ليست شريكًا بديلًا بالمعنى الكامل، بل قوة كبرى لها حساباتها الخاصة.
في هذا السياق تصبح تصريحات ترامب المثيرة للجدل ضد القادة الأوروبيين أكثر من مجرد مادة إعلامية. فهي تؤدي وظيفة سياسية واضحة هدفها إضعاف الثقة، وإظهار التفوق، ودفع الأوروبيين إلى موقع الدفاع فالرئيس ترامب لا يتعامل مع الحلفاء بوصفهم شركاء ثابتين، بل بوصفهم أطرافًا يجب إعادة تقييمها باستمرار، وهو ما يخلق حالة من القلق الدائم داخل أوروبا. وقد انعكس هذا القلق في ارتفاع مستوى الحساسية الأوروبية تجاه أي تهديد أميركي بالرسوم، أو أي تلميح بانسحاب، أو أي خطاب يقلل من قيمة الحلفاء الأوروبيين في مواجهة روسيا أو في ملفات التجارة والأمن.

أما في الشرق الأوسط، فإن أوروبا تتحرك في ملفات غزة وإيران ضمن سقف ضيق لكنه مهم ولافت. ففي غزة تحركت العواصم الأوروبية في اتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية في إشارة للولايات المتحدة أننا أيضا نملك عدوانا ونستطيع ان نظهر قدرتنا علي العمل الأحادي ورفع التكاليف السياسية علي واشنطن
كذلك في الملف الإيراني، ابدت اوروبا موقفا مغايرا للتحرك الأمريكي بل ورفضت الحرب واستمرارها و فضلت إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، لأن أي تصعيد كبير ستكون كلفته مضاعفة على الأمن الأوروبي، والطاقة، والأسواق.
من هنا يمكن فهم الحركة الأوروبية الحالية بوصفها تقول عمليًا إنها لم تعد تستطيع أن تراهن علي واشنطن، وأنها ستبحث عن صيغة جديدة تحفظ لها الموقع نفسه تقريبًا، لكن بأدوات أكثر استقلالًا وأكثر تنوعًا.إنها لحظة انتقال من التبعية المريحة إلى الاستقلال القلق، ويفتح الباب أمام أربعة سيناريوهات رئيسية للمستقبل.

السيناريو الأول هو أن تنجح أوروبا في بناء استقلال دفاعي تدريجي، بحيث تزيد قدرتها على التحرك دون أن تقطع مع الولايات المتحدة.
السيناريو الثاني هو أن يستمر الوضع الحالي: تحالف قائم لكن متوتر، وشراكة مضطربة تحكمها الأزمات والتجاذبات، عسى أن يرحل ترامب ويأتي رئيس أمريكي جديد يرأب الصدع.
السيناريو الثالث هو أن تمضي أوروبا في سياسة توازن أوسع مع الصين وقوى أخرى، لتخفيف الضغط الأمريكي.
أما السيناريو الرابع فهو الأسوأ وان كان الأكثر استبعادا، ويتمثل في انقسامات أوروبية داخلية تُضعف قدرة القارة على اتخاذ موقف موحد.

في كل الأحوال، يبدو واضحًا إن أوروبا بعد ترامب ليست أوروبا السابقة. فالقارة القديمة تدخل اليوم مرحلة مراجعة عميقة لمعنى الأمن، والتحالف، والسيادة. والأرجح أن السنوات المقبلة لن تحدد فقط شكل العلاقة مع واشنطن، بل ستحدد أيضًا إن كانت أوروبا قادرة فعلًا على التحول من تابع إلى لاعب استراتيجي كامل. وهذه ربما هي أهم معركة سياسية تخوضها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.


رابط دائم: