مضيق هرمز بين قواعد الاشتباك الجديدة وتغيرات موازين القوى
12-5-2026

د. شيماء المرسي
* الخبيرة فى الدراسات البينية الإيرانية

بعد أقل من 48 ساعة على إطلاق مشروع الحرية، الذي استهدف تأمين خروج ناقلات النفط العالقة في مضيق هرمز بالقوة، أعلن الرئيس الأمريكي ترمب تعليقه، عازيًا هذا القرار إلى مقترحات تقدمت بها باكستان ودول أخرى. ومع ذلك، لا يمكن تصنيف هذا القرار كتراجع تكتيكي فحسب، بل هو إقرار ضمني بنجاح إيران في فرض قواعد اشتباك معقدة.

ولذلك، يمكن القول بأن المبادرة الدبلوماسية الإيرانية ببنودها الـ 14 لم تكن سوى غطاء ذكي لرفع سقف التفاوض، وصولًا إلى الهدف النهائي المتمثل في المساومة على فرض السيادة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز. ورغم محاولة البحرية الأمريكية الدفع بناقلات نفط للعبور قسرًا، إلا أن الرد الإيراني جاء حاسما باستهداف فرقاطة أمريكية بطلقات تحذيرية دفعها لتغيير مسارها، ثم معاودة استهداف الإمارات بتبرير اضطلاعها في دعم العملية الأمريكية التي طالت زورقين مدنيين إيرانيين ومصفاة في جزيرة لاوان.

حدود مقاومة إيران للحصار البحري الأمريكي:

يتساءل الكثيرون عن مدى قدرة إيران على تحمل الحصار الأمريكي، لكن حقيقة الصمود ليست نابعة من رفاهية اقتصادية، بل من استراتيجية النفس الطويل، والتكيف القسري مع الأزمات، إذ طورت إيران على مدار عقود بنية تحتية تهدف إلى الفصل بين الاحتياجات الأساسية للداخل وبين مسارات التجارة الخارجية، وهذا جعل اعتمادها على الإنتاج المحلي في قطاعات معينة يقلل من حدة الصدمة الفجائية للحصار البحري، مقارنة بدول أخرى تعتمد كليًا على الاستيراد الاستهلاكي.

وفي الوقت ذاته، تمتلك إيران تاريخيًا شبكات غير رسمية ومعقدة لتصدير النفط والالتفاف على القيود البحرية، وهو ما يجعل الحصار -إن كان مؤلمًا وخانقًا- غير قادر على تصفير الصادرات بشكل كامل أو فوري. وبالمقابل، ترتكز السياسة الإيرانية على فرضية مفادها أن قدرة النظام على تحمل الضغط الداخلي تفوق قدرة الحكومات الديمقراطية (مثل اليابان أو كوريا أو حتى أمريكا) على تحمل سخط شعوبها الناتج عن ارتفاع أسعار الوقود، الأمر الذي يحول الأزمة إلى حالة عض أصابع دولية، ويكشف سر مراهنة إيران على ديمومة الوضع الحالي.

بمعنى أوسع، تستفيد إيران من الحصار البحري داخليًا، من أجل تعزيز الرواية السياسية حول المظلومية والاستهداف الخارجي، وبالتالي منح القيادة الإيرانية غطاءً لتمرير إجراءات اقتصادية تقشفية قاسية كانت ستواجه معارضة أشد في الظروف الطبيعية. باختصار، هي تستحمل، لأن خياراتها البديلة أكثر صعوبة، ولأن بنيتها مصممة أساسًا للعمل تحت ضغط اقتصاد المقاومة، مدعومة بأدوات سلطوية وأيديولوجية ترفع من قدرة النظام على امتصاص الضغط الشعبي لفترات طويلة.

وعلى النقيض، نجد الدول الصناعية الكبرى مصممة للعمل في بيئة تدفقات تجارية مستقرة، حيث يمكن لخلل بسيط أو زيادة طفيفة في سعر جالون البنزين أن تسقط حكومات أو تغير نتائج انتخابات، وهذا هو الرهان الإيراني الراهن. أما النقطة الأبرز، فهي أن تصوير الحصار البحري كحرب أمريكية ضد الشعب الإيراني يمنح صانع القرار تفويضًا أخلاقيًا-من وجهة نظر أنصاره- لفرض التقشف، ويحول أي صوت معارض للسياسات الاقتصادية إلى صوت متماهٍ مع العدو، مما يؤدي بلا شك إلى إفراغ المعارضة الداخلية من زخمها المطلبي.

تغير موازين الصراع الإيراني الأمريكي:

بينما انشغل العالم بمراقبة الحشود العسكرية والأساطيل الأمريكية، كان ثمة جانب مغفول يتلخص في أن إيران لم تكن غارقة في تداعيات الحصار البحري كما رُوّج، بل مارست صبرًا استراتيجيًا مكنها من تثبيت سلطتها الميدانية على المضيق بالقوة رغم الضغوط. ومع تعليق المشروع الأمريكي، استحال خضوع السفن التجارية لإجراءات التسجيل الإيرانية واقعًا مفروضًا يفتقر إلى معارضة عسكرية حقيقية،وهذايمنح طهران نقاط هذه الجولة كاملة عبر أدوات الضغط الميداني.

يتزامن هذا المشهد مع تلويح الإدارة الأمريكية بنفاد صبر ترمب 22 مايو الجاري، إزاء استمرار إغلاق المضيق، بل وهددت بعودة العمليات العسكرية، وهو ما يؤكد أن ترمب لا يسعى لحرب تستنزف الميزانية أو تؤدي لقفزة جنونية في أسعار النفط، التي ارتفعت بالفعل بنسبة 55% في أمريكا، بل يبحث في جوهره عن صفقة عادلة تضمن له خروجًا آمنًا دون حرج دولي. ويبدو أن طهران تدرك هذه الرغبة جيدًا، لذا فهي مستعدة لتحمل كلفة الحصار في سبيل كسر الإرادة السياسية لترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم، أو استباقًا لانفجار اقتصادي عالمي وشيك.

وللحق، يبعث هذا السلوك الأمريكي برسالة صريحة للقوى الإقليمية، وللصين وروسيا تحديدًا، مفادها أن واشنطن غير مستعدة للذهاب إلى النهايات القصوى في أي مواجهة مباشرة، وهذا بلا شك يعزز الموقف التفاوضي الإيراني في أي جولات قادمة. خاصة وأن طهران نجحت في تحويل استراتيجية حافة الهاوية إلى آلية فعالة لابتزاز التنازلات، واضعةً واشنطن في مأزق حقيقي. فلا هي قادرة على استئناف حرب مباشرة نظرًا لمخاطرها الكبرى، ولا هي قادرة على الرهان على الحصار السلبي بعد أن غيّرت إيران الواقع الميداني في قلب هرمز.

تداعيات إغلاق هرمز على موازين الدول:

ذكرت مجلة فورين أفيرز أن إغلاق مضيق هرمز في أوائل شهر مارس الماضي تسبب في واحدة من أكبر صدمات الطاقة خلال العقد الأخير، وهذا كشف عن التبعية الشديدة لكثير من الدول لمسارات نقل النفط والغاز الحيوية. ومع انسداد هذا الممر الاستراتيجي الذي يعبر من خلاله نحو 20% من النفط والغاز المسال في العالم، ارتفعت أسعار الطاقة بسرعة فائقة، ما أدى إلى دفع الحكومات لاتخاذ إجراءات طارئة، بدءًا من إعلان حالة الطوارئ في قطاع الطاقة في الفلبين والتعليق المؤقت لضرائب الوقود في زامبيا، وصولاً إلى تقنين توزيع الوقود في سلوفينيا.

وفي شرق آسيا، كانت اليابان وكوريا الجنوبية الأكثر تضررًا نظرًا لتأمين الجزء الأكبر من احتياجاتهما من الخليج العربي، حيث قفزت تكلفة واردات الطاقة اليابانية بنسبة 45%، واضطرت سيول للسحب من احتياطياتها الاستراتيجية. ولم تكن الولايات المتحدة، رغم زيادة إنتاجها من النفط الصخري، بمنأى عن هذه الموجة من الغلاء، إذ سجلت أسعار البنزين فيها أعلى مستوياتها منذ سبع سنوات، وحطم العجز في ميزانها التجاري أرقامًا قياسية بسبب قفزة تكاليف استيراد المشتقات النفطية.

علاوة على ذلك، أدى الاضطراب في سلاسل التوريد العالمية إلى مواجهة صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى أوروبا صعوبات مؤقتة، وانخفضت إيرادات شركات الطاقة الأمريكية في الأسواق الدولية بمليارات الدولارات. وفي المقابل، كانت الدول التي توجهت نحو الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة أقل تضررًا، حيث وجدت الهند -بتقليل اعتمادها على الواردات- وإسبانيا والبرازيل، بفضل حصصهما العالية من الكهرباء النظيفة، أنفسها في وضع أكثر استقرارًا.

وفي خضم ذلك، برزت الصين كأحد الرابحين الرئيسيين من الأزمة، إذ شهدت شركاتها العاملة في مجال الطاقة النظيفة نموًا ملحوظًا، وتعززت مكانة بكين في السلسلة العالمية لتكنولوجيا الطاقة أكثر من ذي قبل، وهو الحدث الذي أكد مرة أخرى مقولة أن استقلال الطاقة يمكن أن يعني الاستقلال السياسي والاقتصادي للدول. بينما حملت انعكاسات هذه الأزمة على إيران طبيعة مزدوجة ومعقدة، فهي تتأرجح بين المكاسب الجيوسياسية والخسائر الاقتصادية واللوجستية الحادة المتمثلة في خنق شريانها التصديري.

خاصة وأن الموانئ الإيرانية الرئيسية في الخليج تعتمد كليًا على هذا الممر، وأي إغلاق طويل سيؤدي بالضرورة إلى تكدس الناقلات وتوقف التدفقات النقدية من مبيعات النفط،وبالتالي تفاقم أزمة العملة الصعبة للداخل الإيراني.زد على ذلك، تأثر الداخل الإيراني بارتفاع تكاليف الاستيراد، فالمضيق ليس فقط لتصدير النفط، بل هو ممر حيوي للسلع الأساسية والحبوب والمواد الأولية التي تحتاجها الصناعة الإيرانية، وهذا تسبب في موجات تضخمية إضافية أثقلت كاهل الاقتصاد المحلي.

خاتمة:

في المحصلة، برغم التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز، ترى طهران في أزمة تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وتعثر التوافقات لإنهاء الحرب، فرصةً لتأكيد قدرتها على صياغة معادلات الطاقة العالمية وفرض قواعد اشتباك جديدة. ورغم أن هذا المسار يقابله تصاعد في الضغوط الدولية والمطالبات بتأمين الممرات المائية، وبالتالي رفع كلفة التأمين والشحن للموانئ الإيرانية، إلا أن إيران استبقت ذلك بتسريع نقل منصات التصدير نحو ميناء جاسك الواقع خارج المضيق على بحر عمان، رغبةً منها في فك الارتباط العضوي بهرمز وتأمين صادراتها ضد أي سيناريوهات إغلاق مستقبلية.

بموازاة ذلك، تدرك طهران جيدًا أن اقتصادات دول الخليج العربية بُنيت تاريخيًا تحت مظلة الهيمنة الأمريكية، وتراهن على أن انحسار هذه الهيمنة مقابل ديمومة السيادة الإيرانية على المضيق، سيجبر تلك الدول حتما على البحث عن صيغ توافقية معها. ولن تقتصر هذه الضرورة على القوى الإقليمية فحسب، بل ستمتد لتشمل كافة الدول المعتمدة على طاقة الخليج، والتي ستجد نفسها مضطرة لوضع ترتيبات خاصة تضمن مصالحها.

وفي حال استمرت التهديدات الأمريكية باللجوء إلى الخيار العسكري، فإن الواقع الميداني قد كشف للعالم كيف أن أسابيع قليلة من المواجهة مع قوة من الدرجة الثانية كانت كفيلة باستنزاف مخزون الأسلحة الأمريكية إلى مستويات خطيرة دون وجود حلول سريعة في الأفق، وهو وضع يضع مصداقية واشنطن وجديتها في خوض صراع كبير آخر محل تساؤل حقيقي، ويعزز في المقابل من أوراق القوة التي تلاعب بها إيران المجتمع الدولي.


رابط دائم: