تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل الإفريقي: التوسع العملياتي وإشكالية الأمن الإقليمي
12-5-2026

محمود سامح همام
* باحث فى العلوم السياسية

في يناير 2026، نفذ تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل هجومًا استهدف مطار ديوريهاماني الدولي وقاعدة نيامي الجوية 101 في العاصمة النيجرية، في عملية عكست حجم التراجع الأمني الذي تشهده النيجر، وكشفت عن اتساع القدرات العملياتية للتنظيم داخل منطقة الساحل الإفريقي، خاصة في ظل غياب رد فعل حاسم من القوات المحلية أو الأجنبية المتمركزة بالقرب من العاصمة. وخلال العامين الماضيين، تمكن التنظيم من توسيع نطاق نفوذه بصورة متسارعة، عبر فرض حضور قوي في منطقة ميناكا شمال مالي، إلى جانب تمدده نحو شمال غرب نيجيريا، ليصبح أحد أكثر التنظيمات المسلحة نموًا داخل القارة الإفريقية، مع تصاعد احتمالات تحوله إلى تهديد عابر للحدود. ويعود هذا التمدد إلى مجموعة من العوامل، أبرزها التنافس مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، والانهيار الأمني الذي شهدته دول الساحل عقب الانقلابات العسكرية بين عامي 2021 و2023، فضلًا عن تزايد اهتمام القيادة المركزية لتنظيم الدولة الإسلامية بالساحة الإفريقية بعد خسائره في سوريا والعراق عام 2019، الأمر الذي دفعه إلى إعادة توجيه نشاطه نحو البيئات الهشة أمنيًا. كما مثّل عام 2019 نقطة تحول مهمة في مسار التنظيم، بعدما جرى الاعتراف به رسميًا كامتداد لتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا، الذي كان يُعد آنذاك الفرع الأكثر نشاطًا داخل القارة، ورغم أن عدد عناصر تنظيم الساحل لم يكن يتجاوز حينها نحو 200 عنصر مقارنة بنحو 3000 عنصر في فرع غرب إفريقيا، فإن التنظيم استطاع بحلول عام 2024 تحقيق نمو غير مسبوق تجاوز 1400%، ليصل عدد مقاتليه إلى قرابة 3000 عنصر، متحولًا إلى أحد أخطر فروع تنظيم الدولة الإسلامية على المستوى الدولي.

تصاعد التنافس بين تنظيم (الدولة الإسلامية في الساحل) وجماعة (نصرة الإسلام والمسلمين):

شهدت منطقة الساحل الإفريقي منذ عام 2019 تحولًا نوعيًا في طبيعة التهديدات المسلحة، مع تصاعد حدة التنافس بين تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، بعد سنوات من حالة التوازن غير المعلن بين الطرفين داخل المثلث الحدودي الرابط بين مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر. وقد ارتبط هذا التوازن سابقًا بخصوصية البيئة القبلية والاجتماعية في الإقليم، حيث تشكلت شبكات النفوذ المسلح على أسس عرقية وقبلية ممتدة، سمحت بتداخل العلاقات بين العناصر المسلحة داخل الفضاء الجهادي نفسه دون انزلاق مباشر إلى صدام واسع النطاق. إلا أن الاعتراف الرسمي بتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، وتصاعد طموحاته التوسعية، دفعا التنظيم إلى تبني خطاب أكثر تشددًا وعدائية تجاه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، سواء على المستوى العقائدي أو الميداني، الأمر الذي أدى إلى انتقال العلاقة بين الطرفين من التعايش الحذر إلى مرحلة الصراع المفتوح على النفوذ، والمجال الجغرافي، ومصادر التجنيد والتمويل.

ومع اتساع العمليات العسكرية للتنظيمين، شهدت المنطقة تصاعدًا غير مسبوق في معدلات العنف، حيث ارتفعت الهجمات ضد المدنيين في مالي خلال عام 2022 بنسبة كبيرة بالتزامن مع زيادة وتيرة المواجهات المسلحة بين الطرفين، قبل أن يتفاقم المشهد الأمني بصورة أكبر خلال عام 2023، مع ارتفاع إجمالي مستويات العنف بين مختلف أطراف الصراع مقارنة بالأعوام السابقة. وأسهم هذا التصعيد في إعادة تشكيل موازين القوى داخل الساحل، كما أدى إلى توتر العلاقات المحلية والإقليمية نتيجة توسع دائرة الاشتباكات وامتدادها إلى مناطق نفوذ جديدة، خاصة في شمال وشرق بوركينا فاسو. وفي هذا السياق، شكّل شهر نوفمبر 2025 إحدى أكثر الفترات دموية في الصراع بين التنظيمين، بعدما تمكن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل من تنفيذ هجمات نوعية أوقعت خسائر كبيرة في صفوف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بما عكس تصاعد قدراته العملياتية وتنامي نفوذه العسكري داخل الإقليم. كما عززت التقارير المتعلقة بانشقاق بعض القيادات الميدانية وانضمامها إلى تنظيم الدولة الإسلامية احتمالات اتساع الاقتتال الداخلي بين الفصائل المسلحة، بما ينذر بموجة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.

وفي موازاة ذلك، كثف تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل من استهدافه للمدنيين، مستفيدًا من حالة الفراغ الأمني والضغوط التي تواجهها الحكومات المحلية وقوات مكافحة الإرهاب. فقد نفذ التنظيم سلسلة من الهجمات واسعة النطاق في غرب النيجر خلال عامي 2021 و2022، استهدفت قرى ومناطق سكنية وأدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، في مؤشر واضح على تطور قدراته التخطيطية والعملياتية، وقدرته على تنفيذ هجمات متزامنة في أكثر من نطاق جغرافي. ويعكس هذا النمط من العمليات انتقال التنظيم من مرحلة التمركز المحدود إلى مرحلة السيطرة النسبية وفرض النفوذ الميداني، بما يعزز من قدرته على إعادة إنتاج نفسه كفاعل مسلح رئيسي داخل منطقة الساحل.

كما مثّل الانسحاب الفرنسي من مالي عقب الانقلاب العسكري عام 2021 نقطة تحول استراتيجية في المشهد الأمني الإقليمي، إذ أتاح لتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل توسيع دوائر تحركه واستغلال الفراغ الناتج عن تراجع الوجود العسكري الدولي. وفي ظل هذا التحول، تعاظمت الأهمية الاستراتيجية للتنظيم داخل البنية العالمية لتنظيم الدولة الإسلامية، بعدما جرى تصنيفه كفرع مستقل معني بإدارة نشاط التنظيم في منطقة الساحل. ويشير ذلك إلى تنامي مستوى التنسيق بين القيادة المركزية للتنظيم وفروعه الإفريقية، سواء عبر تبادل الخبرات التكتيكية أو توحيد الرؤى العملياتية، الأمر الذي أسهم في تطوير أنماط الهجمات التي نفذها التنظيم بين عامي 2019 و2025، وجعل من الساحل إحدى أكثر الساحات الإفريقية قابلية لإعادة إنتاج التهديدات العابرة للحدود.

الحوكمة الميدانية والتكامل الاستراتيجي بين فروع التنظيم:

شهد تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في بنيته العملياتية واستراتيجيته الميدانية، إذ انتقل من نمط النشاط القائم على التوظيف العرقي والصراعات المحلية، خاصة المرتبطة بالتوترات بين الفولاني والطوارق، إلى نموذج أكثر تنظيمًا يركز على فرض السيطرة الإدارية وبناء أنماط حكم موازية داخل المناطق الخاضعة لنفوذه. وقد تجلى هذا التحول بصورة واضحة في منطقة ميناكا شرق مالي، حيث اتجه التنظيم منذ عام 2022 إلى تقليص وتيرة المواجهات المباشرة مقابل تعزيز أدوات السيطرة طويلة الأمد، عبر التحكم في الأنشطة الاقتصادية المحلية، وإدارة بعض الخدمات الصحية، وإنشاء منظومات للفصل في النزاعات من خلال المحاكم الشرعية، في محاولة لإضفاء طابع مؤسسي على وجوده المسلح. وأسهم هذا النهج في تعزيز قدرة التنظيم على التمدد الجغرافي، إذ تضاعفت المساحات الواقعة تحت نفوذه داخل مالي بحلول منتصف عام 2023، الأمر الذي أدى إلى تراجع نفوذ الفصائل المرتبطة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في عدد من المناطق الحيوية.

وفي السياق ذاته، بدأ التنظيم في تكثيف نشاطه الدعائي والأيديولوجي بصورة تعكس مستوى أعلى من الارتباط الفكري والتنظيمي بالقيادة المركزية لتنظيم الدولة الإسلامية، حيث شهدت مناطق نفوذه انتشار مواد دعائية ومنشورات تحمل المضامين العقائدية ذاتها التي استخدمها التنظيم في سوريا والعراق خلال ذروة توسعه عام 2014. ويشير ذلك إلى وجود مساعٍ لإعادة إنتاج النموذج الفكري والتنظيمي للتنظيم داخل الساحة الإفريقية، بما يعزز من قدرته على التجنيد والتعبئة واستقطاب العناصر المحلية والإقليمية.

وعلى المستوى العسكري، أظهر تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل تطورًا واضحًا في أنماط عملياته القتالية، من خلال تبني تكتيكات أكثر تعقيدًا تشمل استخدام الطائرات المسيّرة في الهجمات، وتطوير العبوات الناسفة محلية الصنع، وتنفيذ هجمات مشتركة تعتمد على التنسيق بين الأسلحة الخفيفة وقذائف الهاون. ويعكس هذا التطور انتقال الخبرات العسكرية بين فروع التنظيم المختلفة، خاصة مع فرع غرب إفريقيا الذي يُعد الأكثر تطورًا من الناحية العملياتية داخل القارة. كما تكشف هذه التحولات عن مستوى متقدم من التكامل الاستراتيجي بين فروع التنظيم، سواء عبر تبادل الخبرات الفنية أو الدعم اللوجستي أو التنسيق العملياتي.

وفي النيجر، صعّد التنظيم من هجماته ضد القوات العسكرية منذ عام 2023، خاصة في المناطق الغربية من تيلابيري، وتاهوا، ودوسو، قبل أن يبدأ تدريجيًا في نقل جزء من نشاطه نحو محيط العاصمة نيامي خلال عام 2025، بما يعكس تحولًا استراتيجيًا في أولويات الاستهداف. ويشير الهجوم الذي استهدف مطار ديوريهاماني وقاعدة نيامي الجوية في يناير 2026، إلى أن التنظيم بات يمتلك قدرة أكبر على التخطيط بعيد المدى وتنفيذ عمليات نوعية ضد أهداف سيادية حساسة. كما أن استخدام الطائرات المسيّرة خلال الهجوم، إلى جانب التقارير المتعلقة بوجود عناصر تتحدث لغات مرتبطة بمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا، يعزز فرضية وجود تنسيق ميداني ولوجستي متزايد بين فرعي الساحل وغرب إفريقيا، الأمر الذي يعكس تطورًا لافتًا في مستوى الترابط العملياتي داخل شبكة تنظيم الدولة الإسلامية في القارة الإفريقية.

تدفق المقاتلين الأجانب وتصاعد التهديدات العابرة للحدود:

تشير التطورات الأخيرة في منطقة الساحل الإفريقي إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية بات يسعى إلى توسيع نطاق نشاطه من الإطار الإقليمي إلى مستوى أكثر عابرية للحدود، مستفيدًا من هشاشة البيئة الأمنية وتراجع مستويات التنسيق الدولي في مكافحة الإرهاب داخل القارة الإفريقية. وفي هذا السياق، برزت مؤشرات متزايدة على إنشاء مسارات عبور تربط جنوب أوروبا بمنطقة الساحل، بهدف تسهيل انتقال المقاتلين الأجانب نحو بؤر نشاط التنظيم داخل غرب إفريقيا. وقد عكست العمليات الأمنية التي نفذتها السلطات المغربية خلال أعوام 2023 و2024 و2025، والتي أحبطت محاولات لنقل عناصر متطرفة إلى مالي، حجم التحركات الجارية لإعادة توجيه النشاط الجهادي العالمي نحو الساحل باعتباره ساحة بديلة لإعادة بناء النفوذ العملياتي للتنظيم بعد تراجعه في الشرق الأوسط.

كما أسهمت سيطرة التنظيمات المسلحة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، على شبكات التهريب الممتدة بين الساحل وشمال إفريقيا، في تعزيز قدرة هذه الجماعات على تحريك العناصر والأسلحة والموارد عبر الحدود، بما يرفع من احتمالات تنفيذ عمليات عابرة للدول خلال المرحلة المقبلة. ويمنح هذا الواقع التنظيمات المسلحة مساحة أكبر لإعادة التموضع والمناورة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة وضعف الرقابة الحدودية بين دول الساحل.

وفي الإطار الأوسع، يعكس التحول الذي يشهده تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل تبنيه لمقاربة شبيهة بالنموذج الذي اعتمد عليه التنظيم في سوريا والعراق قبل عام 2019، والقائم على الدمج بين الحوكمة المحلية، والتوسع العسكري، والتطوير التكتيكي، واستقطاب المقاتلين الأجانب. غير أن الفارق الجوهري يتمثل في غياب تحالف دولي متماسك أو منظومة أمنية إقليمية فعالة قادرة على احتواء التهديد المتصاعد داخل الساحل الإفريقي، الأمر الذي أتاح للتنظيمات المسلحة مساحة أوسع لإعادة بناء قدراتها وتعزيز نفوذها الميداني.

ورغم أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا تزال تمثل الفاعل الأكثر نفوذًا داخل المشهد الجهادي في الساحل، فإن استمرار التمدد التدريجي لتنظيم الدولة الإسلامية يعكس تحولًا مقلقًا في موازين القوة داخل المنطقة. وقد أسهمت القرارات السياسية والأمنية الأخيرة، وعلى رأسها انسحاب النيجر من القوة المشتركة متعددة الجنسيات عام 2025، في إضعاف مستويات التنسيق الاستخباراتي والعملياتي بين دول المنطقة، بما وفر بيئة أكثر ملاءمة لتحرك الجماعات المسلحة على الحدود بين النيجر ونيجيريا.

وفي محاولة لتعويض النقص في القدرات العسكرية، اتجهت السلطات في نيامي إلى الاعتماد على ميليشيات محلية وقوات دفاع ذاتي خلال عام 2025، إلا أن التجارب السابقة في بوركينا فاسو أظهرت محدودية فعالية هذه المقاربات، نظرًا لضعف التدريب والتسليح، الأمر الذي يجعل تلك التشكيلات عرضة للاستهداف المباشر من قبل الجماعات المسلحة، ويمنح التنظيمات المتشددة أدوات إضافية لتعزيز خطابها الدعائي واستقطاب مزيد من العناصر.

وعلى خلاف ما شهدته منطقة الشرق الأوسط خلال ذروة الحرب على الإرهاب، لا يزال التهديد المتصاعد في غرب إفريقيا يُنظر إليه باعتباره أزمة محلية أو إقليمية محدودة، وهو ما يفسر تراجع حجم الانخراط الدولي في جهود مكافحة الإرهاب داخل الساحل. غير أن استمرار هذا التراجع، إلى جانب حالة الهشاشة السياسية والانقلابات العسكرية المتكررة، يهدد بدفع المنطقة نحو موجة جديدة من الانهيار الأمني، بما يمنح التنظيمات المسلحة فرصة أكبر لتوسيع نفوذها وترسيخ حضورها داخل واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في القارة الإفريقية.

خاتمة:

تكشف التحولات المتسارعة في منطقة الساحل الإفريقي أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يعد مجرد فاعل مسلح محدود التأثير، بل بات يمثل مشروعًا عابرًا للحدود يسعى إلى إعادة إنتاج نموذج السيطرة والتمدد الذي تبناه سابقًا في الشرق الأوسط، مستفيدًا من هشاشة الدول، وتراجع التنسيق الأمني الإقليمي، وتصاعد الانقسامات السياسية والعسكرية داخل دول الساحل. وقد أظهر التنظيم قدرة متزايدة على الجمع بين التوسع الميداني، وبناء أنماط حوكمة محلية، وتطوير أدواته العسكرية والدعائية، إلى جانب تعزيز الترابط العملياتي بين فروعه المختلفة داخل القارة الإفريقية. وفي ظل استمرار الفراغ الأمني، وتراجع الانخراط الدولي الفعّال، وتكرار الانقلابات العسكرية التي أضعفت مؤسسات الدولة، تبدو منطقة الساحل مرشحة للدخول في مرحلة أكثر تعقيدًا من عدم الاستقرار، بما قد يحولها إلى المركز الجديد للتهديدات الجهادية العابرة للحدود، ويضع الأمن الإقليمي والدولي أمام تحديات متصاعدة خلال السنوات المقبلة.


رابط دائم: