أدوات الصراع الاقتصادي في الحروب التجارية الحديثة.. الدروس المستفادة من الحرب الأمريكية-الإيرانية:التحول من ”اقتصاد السوق“ إلى ”اقتصاد القوة“
11-5-2026

أحمد ناجي قمحة
* رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية

لم يعد ما نشهده من توترات تجارية أو تبادل للعقوبات مجرد ظواهر عابرة يمكن تفسيرها في إطار خلافات ظرفية أو ردود أفعال متبادلة، بل هو انعكاس لتحول أعمق يمس بنية النظام الاقتصادي الدولي ذاته. فالتغير الجاري لا يتعلق فقط بتزايد حدة النزاعات، وإنما بطبيعة الأدوات المستخدمة فيها، والدور الذي بات يلعبه الاقتصاد داخل معادلة القوة. فعلى مدى عقود، كان يُنظر إلى الاقتصاد العالمي بوصفه مساحة للتبادل تحكمها اعتبارات الكفاءة، وتُدار عبر قواعد عامة تهدف إلى تسهيل حركة رؤوس الأموال والسلع والتكنولوجيا. غير أن هذه الصورة بدأت تتآكل تدريجيًا، مع تزايد استخدام نفس هذه القواعد كوسائل ضغط وانتقاء، بدلًا من كونها إطارًا محايدًا ينظم التفاعل بين الأطراف.

فالقواعد التي صُممت تاريخيًا لتقليل الاحتكاك وتعزيز الترابط لم تختفِ، لكنها فقدت حيادها الوظيفي، وأُعيد توظيفها بطريقة تجعلها تفتح المجال أمام بعض الأطراف وتقيّده أمام أخرى، وفق اعتبارات سياسية واستراتيجية. وبذلك، لم يعد الامتثال لهذه القواعد مجرد شرط تقني للاندماج في الاقتصاد العالمي، بل أصبح جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بتوزيع النفوذ والقدرة على التأثير. هذا التحول لا يعني انهيار النظام القائم، بل يعكس إعادة توجيهه من الداخل، بحيث يعمل بنفس الأدوات، لكن بمنطق مختلف.

في هذا السياق، لم يعد من الممكن الفصل بين الاقتصاد والسياسة كما كان يُفترض سابقًا. فبدلًا من أن يكون الاقتصاد مجالًا منفصلًا يُدار بمنطق السوق، أصبح امتدادًا مباشرًا للصراع السياسي، تُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية لتحقيق أهداف استراتيجية دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة. ومع تصاعد هذا الاتجاه، تحوّل الاقتصاد من مجرد إطار للتبادل إلى ساحة مركزية تُدار من خلالها علاقات القوة، ويُعاد عبرها تشكيل موازين النفوذ داخل النظام الدولي.

أولًا: من حياد السوق إلى تسييس الترابط الاقتصادي

في النموذج التقليدي للعولمة، كان الافتراض المركزي أن الاندماج في الاقتصاد العالمي يُنتج الاستقرار. فكلما تعمّق الاعتماد المتبادل بين الدول، ارتفعت كلفة الصراع، وأصبح من غير المنطقي اقتصاديًا الانزلاق إلى المواجهة. هذا المنطق لم يكن مجرد فكرة نظرية، بل شكّل الأساس الذي بُنيت عليه مؤسسات التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد العابرة للحدود، وحتى السياسات الاقتصادية للدول الكبرى والصاعدة على حد سواء.

غير أن هذا الافتراض تعرّض خلال السنوات الأخيرة لإعادة تقييم جذرية. فلم يعد الترابط يُنظر إليه كضمانة للاستقرار، بل كحالة يمكن استغلالها. بمعنى أدق، لم يتغير وجود الاعتماد المتبادل، بل تغيّر تفسيره: من عامل يحدّ من الصراع إلى أداة يمكن توظيفها داخله. وهنا يكمن التحول الحقيقي، حيث لم يعد السؤال هو "هل توجد علاقة اعتماد؟"، بل "من يعتمد على من، وبأي درجة، ومن يملك القدرة على تحويل هذا الاعتماد إلى وسيلة ضغط؟".

في هذا السياق، تظهر أهمية ما يمكن وصفه بـ "عدم تماثل الاعتماد". فالعلاقات الاقتصادية ليست متوازنة بطبيعتها، بل تتسم بدرجات متفاوتة من الاعتماد. الدولة التي تعتمد بدرجة أكبر تكون أكثر عرضة للتأثر، بينما تمتلك الدولة الأقل اعتمادًا مساحة أوسع للمناورة. ومن هنا، تتحول العلاقات الاقتصادية من مجرد تبادل منافع إلى بنية تحمل في داخلها إمكانات ضغط كامنة يمكن تفعيلها عند الحاجة.

ومع هذا التحول، بدأت عناصر كانت تُعتبر تقنية أو محايدة في أداء وظائفها تأخذ طابعًا سياسيًا واضحًا. فالوصول إلى النظام المالي العالمي لم يعد مجرد خدمة، بل أصبح أداة يمكن من خلالها إدماج أو استبعاد أطراف بعينها. والمعايير الفنية لم تعد فقط لضبط الجودة، بل تحولت إلى آليات فرز تحدد من يُسمح له بالدخول إلى الأسواق. حتى خدمات الشحن والتأمين، التي كانت تُعد جزءًا من البنية التحتية المحايدة، أصبحت قابلة للتوظيف كأدوات ضغط عبر التقييد أو التعطيل أو فرض شروط إضافية.

الأهم من ذلك أن هذا التسييس لا يتم غالبًا عبر قرارات حادة أو معلنة، بل من خلال تعديلات تدريجية في شروط الوصول والاستخدام. فبدلًا من الإغلاق الكامل، يتم اللجوء إلى التأخير، أو زيادة التكلفة، أو تعقيد الإجراءات، وهي أدوات أقل صخبًا لكنها أكثر استدامة وتأثيرًا على المدى الطويل. وبهذا، تتحول إدارة الترابط الاقتصادي إلى عملية دقيقة تهدف إلى إعادة تشكيل سلوك الأطراف الأخرى دون الدخول في مواجهة مباشرة.

بالتالي، لم يعد الاقتصاد "سوقًا محايدًا" يعمل وفق قوانين العرض والطلب فقط، بل أصبح بيئة مُدارة سياسيًا بدرجة متزايدة. نفس الآليات التي صُممت لتعظيم الكفاءة -كالانفتاح، والتكامل، وتحرير التدفقات- أُعيد توظيفها لتصبح وسائل لإعادة توزيع القوة داخل النظام الدولي. وهنا، لا يتم استبدال منطق السوق، بل يتم احتواؤه وتوجيهه، بحيث يعمل في إطار أوسع تحدده اعتبارات النفوذ والسيطرة، وليس الكفاءة وحدها.

ثانيًا: القوة الاقتصادية من السيطرة على الموارد إلى التحكم في الشبكات

لم يعد قياس القوة الاقتصادية قائمًا فقط على المؤشرات التقليدية مثل حجم الناتج المحلي أو فائض الميزان التجاري، رغم أهميتها، بل أصبح يرتبط بشكل متزايد بقدرة الدولة على التحكم في “العُقد الحرجة” داخل النظام الاقتصادي العالمي. هذه العُقد لا تقتصر على الموارد المادية، بل تشمل البنية التي تمر من خلالها التدفقات: أنظمة الدفع والتسوية، عملات التسعير، سلاسل الإمداد، الممرات البحرية، البنية اللوجستية، والتقنيات الأساسية التي يعتمد عليها الإنتاج نفسه.

ما يميز هذه العُقد هو أنها ليست مجرد عناصر ضمن النظام، بل نقاط اختناقيمكن من خلالها التأثير في حركة الاقتصاد العالمي ككل. فالدولة التي تتمركز في هذه النقاط لا تحتاج بالضرورة إلى فرض سيطرة شاملة، بل يكفي أن تمتلك القدرة على التدخل عند اللحظة المناسبة. وهنا يظهر جوهر التحول،فالقوة لم تعد تعني الامتلاك المباشر لكل شيء، بل القدرة على التأثير في كيفية تدفقه.

في هذا الإطار، لا تُمارس القوة الاقتصادية عبر الإغلاق الكامل، لأن الإغلاق غالبًا ما يكون مكلفًا وغير قابل للاستدامة، بل عبر ما يمكن تسميته بـ "إدارة الوصول". هذه الإدارة تأخذ أشكالًا متعددة، مثل تأخير العمليات بدلًا من منعها، رفع التكلفة بدلًا من الحظر، إعادة توجيه التدفقات بدلًا من قطعها. هذه الأدوات تبدو أقل حدة، لكنها في الواقع أكثر دقة ومرونة، لأنها تسمح بممارسة الضغط دون تحمّل تبعات التصعيد المباشر.

الهدف هنا ليس إنهاء العلاقة الاقتصادية مع الخصم، بل إعادة تشكيلها بطريقة تجعله يعمل في بيئة أكثر تقييدًا. فبدلًا من أن تكون الخيارات مفتوحة ومتاحة، تصبح محدودة، أكثر تكلفة، وأبطأ في التنفيذ. ومع تراكم هذه القيود، يتآكل هامش المناورة تدريجيًا، ويُدفع الخصم إلى إعادة ترتيب أولوياته تحت ضغط مستمر.

هذا التحول يعكس انتقالًا جوهريًا من منطق "امتلاك الموارد" إلى منطق "التحكم في المسارات". ففي الماضي، كانت القوة تُقاس بما تملكه الدولة من موارد أو قدرات إنتاجية. أما اليوم، فأصبحت تُقاس بقدرتها على تحديد من يمكنه الوصول إلى هذه الموارد، وبأي شروط، وفي أي توقيت. بمعنى آخر، لم يعد السؤال: "من ينتج أكثر؟" بل "من يتحكم في كيفية وصول الآخرين إلى ما يُنتج؟".

ومن هنا، تأخذ "الحروب التجارية" شكلًا مختلفًا عن التصورات التقليدية للصراع. فهي لم تعد مواجهات قصيرة تهدف إلى تحقيق انتصار واضح، بل تحولت إلى نمط إدارة طويل الأمد. الهدف ليس الحسمبل الإبطاء، ليس الإقصاء الكامل بل الاحتواء التدريجي. يتم ذلك عبر سلسلة من الإجراءات الصغيرة والمتراكمة -قيود تصدير، مراجعات استثمار، اشتراطات تقنية- التي قد تبدو محدودة التأثير بشكل منفرد، لكنها تُنتج في مجموعها ضغطًا استراتيجيًا مستمرًا.

بهذا المعنى، تصبح القوة الاقتصادية عملية إدارة مستمرة للتدفقات، وليست مجرد امتلاك ثابت للموارد. والدولة الأقوى ليست فقط من تمتلك حجمًا اقتصاديًا أكبر، بل من تستطيع تحويل موقعها داخل الشبكة العالمية إلى قدرة دائمة على التأثير، والتقييد، وإعادة التوجيه، دون الحاجة إلى المواجهة المباشرة.

ثالثًا: الإكراه الاقتصادي كمنظومة ديناميكية

لفهم طبيعة الصراع الاقتصادي المعاصر، لا يكفي التعامل مع أدواته -وخاصة العقوبات- كوسائل منفصلة أو قرارات مستقلة، بل يجب النظر إليها كجزء من منظومة ديناميكية مترابطة تعمل عبر مراحل متتالية. هذه المنظومة يمكن تبسيطها في ثلاث حلقات رئيسية: الإشارة، التكيف، ثم إعادة تشكيل البنية. وتُعد الحالة الإيرانية من أوضح النماذج التي تكشف كيفية عمل هذه الدائرة بشكل تراكمي عبر الزمن.

في المرحلة الأولى، تعمل العقوبات بوصفها إشارات استراتيجية، وليس فقط كأداة إضرار اقتصادي مباشر. فعندما تُفرض عقوبات على إيران، لا تكون الرسالة مقتصرة على تقليص عائدات النفط أو عزل النظام المالي، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة تشكيل سلوك الدولة عبر رفع تكلفة الاستمرار في مسار معين. الرسالة الضمنية هنا تتعلق بالتصعيد المحتمل: "إذا لم يتغير السلوك، فهناك خطوات أشد يمكن اتخاذها".

هذه الإشارات لا تستهدف طرفًا واحدًا فقط، بل تعمل على عدة مستويات في آن واحد. فهي تضغط على صانع القرار داخل الدولة المستهدفة، وتبعث برسائل طمأنة للحلفاء حول جدية الموقف، كما تدفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر بشكل فوري، وهو ما يظهر في تقلبات العملة، وتغير اتجاهات الاستثمار، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. لكن في الوقت نفسه، تظل هذه الإشارات عرضة لسوء التفسير، إذ قد تُقرأ كتمهيد لتصعيد أكبر، ما يدفع الطرف الآخر إلى تبني سلوك أكثر تشددًا بدلًا من التراجع.

مع استمرار الضغط، ينتقل الصراع إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة التكيف.وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الإكراه الاقتصادي، والتي تتمثل في أنه نادرًا ما يُنتج انهيارًا مباشرًا. في الحالة الإيرانية، لم تؤدِ العقوبات إلى شلل كامل، بل إلى إعادة تنظيم تدريجية للاقتصاد. فقد اتجهت الدولة إلى تنويع شركائها التجاريين، خاصة نحو قنوات أقل ارتباطًا بالنظام المالي الغربي، كما طورت آليات بديلة لتسوية المدفوعات خارج القنوات التقليدية.كذلك،بالتوازي، برزت سياسات إحلال الواردات وتعزيز الإنتاج المحلي كاستجابة مباشرة للقيود المفروضة، إلى جانب توسع الاقتصاد غير الرسمي كمساحة لامتصاص جزء من الضغوط. ومع مرور الوقت، تحولت العقوبات من صدمة مفاجئة إلى وضع يمكن التكيف معه وإدارته، حتى وإن كان ذلك بتكلفة اقتصادية أعلى. وهنا تظهر مفارقة واضحة: كلما طال أمد العقوبات، زادت قدرة الدولة على التكيف معها، وتراجعت فعاليتها النسبية.

لكن الأثر الأعمق لا يتوقف عند هذا الحد، بل يظهر في المرحلة الثالثة: إعادة تشكيل البنية.فالتكيف لا يظل محصورًا داخل الدولة المستهدفة، بل يمتد ليؤثر في شكل النظام نفسه. في الحالة الإيرانية، أدت القيود المفروضة إلى تسريع البحث عن شبكات بديلة في مجالات التمويل والتجارة والطاقة، سواء عبر ترتيبات ثنائية أو عبر الاندماج في مسارات موازية أقل خضوعًا للرقابة الغربية.

هذا المسار لا يؤدي إلى انهيار النظام الاقتصادي القائم، بل إلى تفككه جزئيًا إلى دوائر متداخلة. فبدلًا من شبكة واحدة مترابطة، تبدأ في الظهور شبكات متعددة، لكل منها قواعدها ومراكزها، ما يقلل تدريجيًا من قدرة الأطراف المهيمنة على استخدام نفس أدوات الضغط بنفس الفاعلية. وبذلك، يتحول الإكراه الاقتصادي من أداة للسيطرة الكاملة إلى عامل يسرّع -بشكل غير مباشر- في إعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام الدولي.

في المحصلة، تكشف الحالة الإيرانية أن الإكراه الاقتصادي ليس عملية خطية تنتهي بنتيجة واضحة، بل دائرة مستمرة، نجد فيهاالضغط يولّد تكيفًا، والتكيف يولّد بدائلًا، والبدائل تُضعف أثر الضغط بمرور الوقت. وهذا ما يجعل الصراع الاقتصادي الحديث ليس قابلًا للحسم السريع، بل أقرب إلى توازن متحرك، تُعاد فيه صياغة القواعد والبُنى بشكل دائم تحت تأثير التفاعل بين الإكراه والقدرة على التكيف.

رابعًا: من العولمة الكاملة إلى الانتقاء الاستراتيجي

أحد أبرز تجليات التحول من "اقتصاد السوق" إلى "اقتصاد القوة" يظهر في الطريقة التي يُعاد بها تشكيل سلاسل القيمة العالمية. ففي المرحلة السابقة من العولمة، كان المنطق الحاكم بسيطًا نسبيًا، ويتمثل في توزيع الإنتاج عالميًا لتحقيق أعلى كفاءة ممكنة، بحيث تتم كل مرحلة في الموقع الأقل تكلفة والأعلى إنتاجية، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية. هذا النموذج أنتج شبكة إنتاج كثيفة الترابط، لكنها في الوقت نفسه شديدة الحساسية لأي اضطراب.

اليوم، لا يتم التخلي عن هذا النموذج بالكامل، بل يُعاد تعريفه. لم تعد الكفاءة هي المحدد الوحيد، بل دخل عامل "الأمن الاستراتيجي" كعنصر مكافئ، وأحيانًا مُرجّح. ونتيجة لذلك، ظهرت ديناميكية جديدة يمكن وصفها بـ "الانتقاء الاستراتيجي"، حيث لم يعد الهدف الاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي، بل اختيار مواقع هذا الاندماج بدقة.

في هذا السياق، تتجه الدول إلى التمييز بين القطاعات. ففي المجالات منخفضة الحساسية -كالسلع الاستهلاكية أو الصناعات التقليدية- يستمر الترابط العالمي، لأن المخاطر السياسية محدودة والعائد الاقتصادي واضح. أما في القطاعات عالية الحساسيةمثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والبنية الرقمية- فيجري تقليل الاعتماد الخارجي، أو إعادة توزيع الإنتاج نحو دول يُنظر إليها كشركاء أكثر موثوقية سياسيًا. هذه العملية لا تعني الانفصال الكامل، بل إعادة ضبط درجة الانكشاف.

ومن هنا، تتغير طريقة تصميم سلاسل الإمداد نفسها. حيث لم تعد تُبنى لتعظيم الكفاءة فقط، بل لتحقيق توازن ثلاثي بين الكفاءة، والمرونة، والسيطرة. خلال ذلك، يتم تقصير السلاسل لتقليل نقاط الاختناق، وتنويع مصادر التوريد لتفادي الاعتماد على طرف واحد، ونقل بعض الأنشطة إلى بيئات جغرافية أو سياسية أكثر استقرارًا. هذه التعديلات ترفع التكاليف وتقلل الكفاءة النسبية، لكنها تمنح في المقابل قدرة أكبر على الصمود تحت الضغط، وتوسّع هامش القرار السيادي.

هذا التحول لا يُنتج عالمًا منقسمًا بشكل حاد، بل نظامًا متعدد الطبقات. فبدلًا من شبكة عالمية موحدة، يظهر نمط من "الترابط المتدرج"، حيث تختلف درجة الانفتاح والانخراط حسب القطاع، وطبيعة العلاقة، ومستوى المخاطر. وبهذا، لا تنهار العولمة، بل تتحول إلى عولمة مُدارة، تُحدد فيها حدود الانفتاح بقرارات سياسية بقدر ما تُحددها اعتبارات السوق.

بالتوازي مع هذا التحول البنيوي، يتغير الهدف نفسه في إدارة الصراع. ففي النماذج التقليدية لـ"اقتصاد السوق"، كان الهدف هو الحسم، أي كسر إرادة الخصم والوصول إلى نتيجة نهائية. أما في “اقتصاد القوة”، فقد أصبح الهدف مختلفًا جذريًا، بحيث تتمإدارة الخصم بدلًا من إنهائه. ما يمكن تسميته بـ "منطق حافة العتبة" يعكس هذا التوجه، حيث يتم السعي إلى إبقاء الخصم دون مستوى معين من القوة يمنعه من التحول إلى تهديد حاسم، دون دفع تكلفة المواجهة الشاملة.

في هذا الإطار، تتحول أدوات الضغط الاقتصادي إلى وسائل لضبط الإيقاع لا لإنهاء الصراع. العقوبات، والقيود، وإعادة توجيه التدفقات، كلها تُستخدم لإبطاء الصعود، وتعقيد الوصول إلى الموارد، وتضييق هامش القرار بمرور الوقت. الفاعلية هنا لا تُقاس بنتائج فورية، بل بقدرة هذه الأدوات على الحفاظ على حالة احتواء مستمرة عبر الزمن.

لكن هذا المنطق يحمل في داخله تناقضًا بنيويًا. فكلما زاد الاعتماد على أدوات الإكراه الاقتصادي، زادت في المقابل حوافز التكيف لدى الأطراف المستهدفة. القيود لا تُجمّد الحركة، بل تعيد توجيهها، فنجد أن تقييد الوصول إلى الأسواق يدفع إلى فتح أسواق بديلة، والضغط على سلاسل الإمداد يدفع إلى إعادة بنائها، والسيطرة على الشبكات القائمة تُحفّز على إنشاء شبكات موازية.

ومع تراكم هذه الاستجابات، يبدأ أثر عكسي في الظهور. فالأدوات التي صُممت للهيمنة تُسهم تدريجيًا في تقويض شروط هذه الهيمنة نفسها،وكل استخدام مكثف للإكراه يسرّع من عمليات التنويع، والانفصال الجزئي، وبناء البدائل. ومع توسّع هذه البدائل، تتآكل القدرة على استخدام نفس الأدوات بنفس الفاعلية.

وهنا يتحول الإكراه الاقتصادي إلى سلاح ذي حدين، فهو قد ينجح على المدى القصير في احتواء الخصم وضبط سلوكه، لكنه على المدى الطويل قد يسرّع من إعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام الدولي.

في المحصلة، يكشف هذا التحول أن الصراع لم يعد يُدار بمنطق خطي للحظة الآنية وينتهي بحسم واضح، بل كعملية مستمرة تُعاد فيها صياغة التوازنات بشكل دائم. العولمة لا تتراجع، لكنها تتكيّف مع بيئة أصبحت فيها اعتبارات القوة جزءًا لا يتجزأ من منطقها الداخلي.

مما سبق، نستنتج أن اقتصاد القوة لا يعمل بخط مستقيم. هو منظومة ديناميكية، تضغط فتُنتج تكيفًا، والتكيف يُنتج بدائل، والبدائل تُقلل من أثر الضغط. وبين هذه الحلقات، يستمر الصراع لا يُحسم، بل يُعاد تشكيله باستمرار، في توازن غير مستقر بين القدرة على الإكراه والقدرة على الإفلات منه. لم يعد النظام الاقتصادي العالمي يعمل وفق منطق "الحياد"، فما كان يُنظر إليه كمساحة للتبادل المنفصل عن السياسة، أصبح اليوم جزءًا مباشرًا من أدوات إدارة النفوذ. في هذا السياق، لم يعد الحياد خيارًا منخفض التكلفة؛ بل تحول إلى عبء استراتيجي، لأن الدول التي تحاول الابتعاد عن الاصطفافات تجد نفسها متأثرة فعليًا عبر قنوات غير مباشرة؛ سلاسل الإمداد، التمويل، الطاقة، والتكنولوجيا.

بالتوازي مع ذلك، تغيّر معيار القوة نفسه. فلم تعد الدول تُقاس بوزنها الاقتصادي التقليدي أو بحجم مواردها فقط، بل بقدرتها على التكيف السريع مع التحولات، وإعادة التموضع داخل شبكات متغيرة باستمرار. المرونة هنا أصبحت أصلًا استراتيجيًا يفوق في قيمته الحجم الثابت أو التراكم التقليدي.

هذا التحول أعاد تعريف مفهوم السيادة أيضًا. إذ لم تعد السيادة محصورة داخل الحدود الجغرافية، بل امتدت إلى فضاءات أكثر تعقيدًا؛ البيانات، التدفقات المالية، سلاسل الإمداد، والبنية التكنولوجية. السيطرة لم تعد تعني الإحاطة المكانية فقط، بل القدرة على التأثير في مسارات الحركة داخل شبكة عالمية مترابطة.

وفي ظل هذا التشابك، لم يعد الاستقرار حالة طبيعية أو مفترضة، بل أصبح نتيجة إدارة مستمرة ومقصودة. الاستقرار اليوم يُنتَج عبر سياسات نشطة، ويُحافَظ عليه عبر أدوات تدخل دائمة، لأنه قابل للاهتزاز في أي لحظة بفعل تداخل العوامل الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية.

نخلص أن العالم لا ينتقل من "اقتصاد تجاري" إلى "اقتصاد صراعي" بالمعنى الحرفي التقليدي، بل من نموذج كان يفترض حياد الاقتصاد إلى نموذج جديد أصبح فيه الاقتصاد نفسه أداة مركزية في إدارة الصراع السياسي وإعادة توزيع القوة. في هذا الإطار، لم تعد القوة تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من موارد، بل بما تستطيع تعطيله، منعه، أو إعادة توجيهه داخل شبكة عالمية فقدت حيادها البنيوي.فاقتصاد السوق لم يختفِ، لكنه فقد موقعه كحَكَم محايد. ما يحكم الآن هو "اقتصاد القوة"، حيث تتحول الأدوات الاقتصادية نفسها إلى امتداد مباشر للنفوذ الاستراتيجي لمن يملك القوة العسكرية، وأيضًا القدرة على فرض السردية الإعلامية.


رابط دائم: