كيف يواجه مشروع الحرية فخ هرمز ودبلوماسية الالتفاف؟
5-5-2026

د. شيماء المرسي
* الخبيرة فى الدراسات البينية الإيرانية

يُعد مشروع الحرية الذي طرحه الرئيس ترامب مناورة استراتيجية تهدف لتأمين مخرج سياسي وقانوني آمن لبلاده. فالمشروع ليس مجرد عملية لوجستية لتأمين حركة ملاحة السفن في مضيق هرمز، بل هو محاولة لرفع الحرج عن البيت الأبيض أمام الضغوط الداخلية، خاصة مع تصاعد معارضة الديمقراطيين الذين يشككون في شرعية الحرب بعد تجاوز مهلة الـ 60 يومًا التي حددها قانون صلاحيات الحرب لعام 1973.

أما حديثه عن نتائج إيجابية للمفاوضات، فهو مناورة أخرى من أجل امتصاص الاستقطاب الداخلي. ورغم الرفض المتبادل لمقترحات الطرفين، إلا أن حرص ترامب على الحوار يكشف عن براجماتية تسعى إلى صفقة تضمن استقرار الملاحة وتوقف استنزاف الاقتصاد الأمريكي. هو باختصار، يحاول فرض قواعد اشتباك جديدة تُحيد الطموحات الإيرانية في السيادة على المضيق، حتى يخرج بصورة المنتصر الذي أمن حرية الملاحة دون الرضوخ لشروط طهران.

دبلوماسية الالتفاف مقابل سياسة الضغط الأقصى:

تطرح إيران مبادرتها الدبلوماسية المكونة من 15 بندًا كجزء من محاولة استراتيجية لتحويل التصدعات العسكرية الميدانية إلى تمكين جيوسياسي مستدام، فهي تظهر بمظهر من يقدم تنازلات دبلوماسية، بينما تسعى في الحقيقة إلى تحقيق مكاسب بنيوية تضمن بقاء النظام وتوسعه لاحقًا. وتتجلى مراوغة هذه المبادرة في مقايضة تجميد الدعم الأمريكي للمعارضة الداخلية بتقليص نفوذ الأذرع الإقليمية، إذ تدرك طهران أن واشنطن لن تتخلى عن ورقة الضغط الداخلي التي تستنزف شرعية النظام، كما تدرك أن أي متنفس داخلي قد يعيد توجيه ثقلها نحو التمدد الإقليمي مجددًا.

علاوة على ذلك، يمثل طلب الرفع الجزئي للعقوبات مجرد طعم من أجل جس نبض واشنطن، فطهران استوعبت درس الاتفاق النووي لعام 2015 وانسحاب ترامب منه في 2018، وهي تراهن اليوم على أن ترامب لن يجرؤ على رفع العقوبات فعليًا في ظل معارضة المحافظين الجدد واللوبي الإسرائيلي، الذين يقفون حائط صد أمام أي انفراج اقتصادي قد يساهم في زيادة زخم الدعم الاقتصادي للأذرع الإقليمية الإيرانية.

وبناءً على ذلك، يتضح أن الهدف الإيراني المستتر من تلك المبادرة، هو رفع سقف التفاوض للوصول إلى غاية الحصول على سيادة قانونية وإدارية على مضيق هرمز تمنحها حق فرض رسوم عبور سيادية. خاصة وأن هذا التوجه يمثل بديلًا ماليًا مبتكرًا للالتفاف على العقوبات الدولية والأممية،فبدلًا من الرهان على رفع القيود البنكية والاقتصادية، تسعى طهران إلى شرعنة جباية مالية فورية ومستدامة لا تخضع لرقابة الخزانة الأمريكية، وهذا بلاشك سيوفر لها الفائض المالي اللازم لتعزيز نفوذ أذرعها بعيدًا عن ضغوط واشنطن.

 وهنا تبرز أهمية تصريح رئيس لجنة الإعمار في البرلمان الإيراني (2 مايو 2026)، حين أكد بصراحة أن إدارة مضيق هرمز تفوق في أهميتها الحصول على السلاح النووي.ومع ذلك، الملاحظ إن المبادرة تعمدت استبعاد البرنامج الصاروخي الباليستي، واستبدلته بتنسيق أمني يضع خطوطًا حمراء تضمن حماية المنشآت النووية مقابل وقف استهداف القواعد الأمريكية. وهذا الشرط تحديدًا قد يثير حفيظة إسرائيل، لأنه يستثني تطوير الصواريخ التي كانت سببًا في اندلاع الحرب، ويجرد القواعد الأمريكية من وظيفتها كأجهزة إنذار مبكر لحماية تل أبيب.

في المجمل، تبدو هذه المبادرة كتمويه دبلوماسي غايته المساومة على هندسة المنطقة، عبر تحويل مضيق هرمز إلى رئة مالية وسياسية تضمن لإيران ديمومة اقتصادية وقدرة على إعادة إنتاج نفوذها في ثوب جديد وأكثر تحصينًا.

الاستفزاز العسكري يهدد بنشوب الحرب:

يعد تعرض سفينة تابعة لكوريا الجنوبية إلى هجوم في مضيق هرمز منعطفا دراماتيكيا يتجاوز كونه حادثا بحريا عابرا، ليصبح اختبارا حقيقيا لصلابة مشروع الحرية الذي طرحه ترامب. فالمؤشرات الأولية للهجوم تحمل بصمات اضطلاع إسرائيلي يهدف إلى إجهاض المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران. إذ تظل تل أبيب الطرف الأكثر تضررا من أي تسوية تسمح لإيران بالاستمرار في تطوير برنامجها الصاروخي، أو تمنحها حق السيادة على المضيق مقابل تنازلات في ملفات أخرى.

ومن منظور الواقعية السياسية، يبدو أن المستفيد الأكبر من هذا التصعيد هو الطرف الساعي لكسر قيود قانون صلاحيات الحرب الذي بات يكبل إدارة ترامب قانونيا ويضيق هوامش مناورتها. فمن خلال استهداف حليف استراتيجي ككوريا الجنوبية، سيجد ترامب نفسه مضطرا إلى تجاوز المهلة القانونية بدعوى حماية الملاحة الدولية، وفرض مشروع الحرية بالقوة من أجل ضمان إخراج السفن المحايدة من دائرة الاستهداف.

غير أن هذا التحرك قد يشعل شرارة الحرب مجددا، لأن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي، بل قد تلجأ إلى تحريك ورقة الحوثي بهدف تقويض خيارات واشنطن الصدامية واستنزاف قدراتها العسكرية.

وهنا، سيجد ترامب نفسه مجبرا على الانغماس في مواجهة تكتيكية لردع تهديدات قد تكون مفتعلة استخباراتيا غايتها الأساسية جره بعيدا عن طاولة المفاوضات وإغراقه في الميدان بدلاً من إنجاز صفقته المنشودة.

زد على ذلك، يمثل استهداف السفينة الكورية ضربة موجعة لجوهر الصفقة التجارية التي يطمح إليها ترامب، فكوريا الجنوبية بما تملكه من أصول إيرانية مجمدة وتاريخ في دفع رسوم العبور، تُعد النموذج العملي للعلاقة التي يسعى ترامب لصياغتها مع إيران مستقبلًا. لذا، فإن توقيت الهجوم، الذي تزامن مع نفي طهران تجميد تخصيب اليورانيوم، يشير بوضوح إلى رغبة طرف ثالث في تسميم أجواء الهدنة وإحراج ترامب وتصويره بمظهر العاجز عن حماية حلفائه، وهذا بلا شك، سيقطع الطريق أمام أي محاولة إيرانية لشرعنة الجباية المالية في المضيق عبر القنوات الدبلوماسية.

خاتمة:

تشير وتيرة الأحداث المتسارعة إلى أن مضيق هرمز قد تحول من مجرد ممر مائي حيوي للتجارة العالمية إلى ساحة مفتوحة من أجل صياغة الحسابات الجيوسياسية؛ حيث تتصادم رغبة واشنطن في صياغة خروج منتصر يعيد الاستقرار الظاهري للمنطقة، مع المساعي الإسرائيلية الحثيثة لإبقاء الولايات المتحدة رهينة الجغرافيا الإيرانية وتعقيداتها الأمنية.

ومن شأن هذا الاستقطاب الحاد أن يقطع الطريق على أي محاولة تهدف إلى منح نظام الجمهورية الإسلامية رئة اقتصادية مستدامة عبر بوابة السيادة الملاحية، ما يضمن عدم تحويل الانكسار العسكري الميداني إلى تمكين مالي يمنح طهران قدرة مستقبلية على إعادة إنتاج نفوذها الإقليمي، تحت غطاء شرعية الممرات الدولية.

 


رابط دائم: