أحدثت المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي اندلعت في 28 فبراير الماضي، تداعيات إقليمية ودولية ممتدة طالت مختلف دوائر الأمن القومي للدول، في ظل تصاعد التوتر حول مضيق هرمز باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة العالمية. ومع احتدام التصعيد العسكري وارتفاع منسوب المخاطر الأمنية، باتت حركة الملاحة عبر المضيق تواجه قيودًا حادة، حيث تشير التقديرات إلى تعطل أو تأخر ما يقرب من 30% من حركة السفن العابرة، سواء بفعل التهديدات المباشرة أو الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين والشحن. ولا تقف انعكاسات هذا الوضع عند حدود أسواق الطاقة، بل تمتد بصورة أكثر عمقًا إلى سلاسل الإمداد العالمية، وعلى رأسها مدخلات الإنتاج الزراعي، وهو ما يضع القارة الإفريقية—التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات—أمام ضغوط مركبة. ومن ثم، فإن هذا المشهد يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى هشاشة الأمن الغذائي في إفريقيا في ظل الاعتماد على ممرات بحرية شديدة الحساسية، وحول قدرة الدول الإفريقية على التكيف مع اضطرابات تدفقات الأسمدة والمواد الخام الزراعية، فضلًا عن حدود البدائل الاستراتيجية المتاحة لإعادة بناء قدر من الاكتفاء الذاتي وتقليل التعرض للصدمات الخارجية.
أولاً- هشاشة سلاسل الإمداد الزراعي في ظل اختناق مضيق هرمز:
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر لعبور الطاقة، بل أضحى نقطة ارتكاز حاكمة في معادلة الأمن الغذائي العالمي، وعلى نحو خاص في القارة الإفريقية، في ظل التقديرات التي تشير إلى أن ما بين 20% إلى 30% من حركة السفن العابرة للمضيق باتت تواجه تعطلاً أو تأخيرات ملحوظة نتيجة التوترات الأمنية. هذا الاختناق النسبي في أحد أهم الشرايين البحرية العالمية يعيد طرح مسألة الاعتماد المفرط على ممرات ضيقة، ليس فقط فيما يتعلق بالنفط، وإنما أيضًا بمدخلات الإنتاج الزراعي.
وفي هذا السياق، تكشف اضطرابات إمدادات الأسمدة عن “نقطة عمياء” هيكلية، حيث تشير البيانات إلى أن أكثر من 60% من احتياجات إفريقيا من الأسمدة يتم تلبيتها عبر الاستيراد، مما يجعل القارة في وضع هش أمام أي صدمة خارجية. ومن ثم، قد لا تبدأ أزمة الغذاء من داخل الحقول، بل من تعطل تدفقات هذه المدخلات الحيوية عبر الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وتنعكس هذه الاضطرابات بشكل مباشر على منظومة الغذاء، إذ تسهم الأسمدة فيما يقرب من 40% إلى 50% من زيادة الإنتاجية الزراعية عالميًا، مما يعني أن أي خلل في توافرها يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع المحاصيل، ومن ثم ارتفاع أسعار الغذاء. وفي الحالة الإفريقية، تتضاعف هذه التأثيرات في ظل محدودية الإنتاج المحلي، الذي لا يغطي سوى أقل من 40% من الطلب القاري.
ورغم هذا الاعتماد المرتفع، تمتلك القارة مقومات إنتاجية كامنة، حيث تتركز نحو 70% من احتياطيات الفوسفات العالمية في المغرب، التي تسهم بأكثر من 50% من إمدادات الفوسفات داخل إفريقيا، وتُعد ضمن أكبر خمس دول مصدرة للأسمدة الفوسفاتية عالميًا. في المقابل، تنتج كل من نيجيريا، ومصر، والجزائر ما يقرب من 60% إلى 70% من الأسمدة النيتروجينية داخل القارة، اعتمادًا على وفرة الغاز الطبيعي.
عالميًا، يرتبط نحو 80% من إنتاج الأسمدة النيتروجينية بتوافر الغاز الطبيعي، وهو ما يفسر تمركز هذه الصناعة في منطقة الخليج والشرق الأوسط. وهنا تتجلى الأهمية الاستراتيجية لـمضيق هرمز، الذي يربط هذه المراكز الإنتاجية بالأسواق العالمية عبر ممر واحد شديد الحساسية.
وتزداد خطورة هذا الاعتماد عند النظر إلى أن ما يقرب من 50% من الكبريت المتداول عالميًا—وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة الفوسفاتية—يمر عبر المضيق، إلى جانب نسبة معتبرة من صادرات الأمونيا واليوريا القادمة من الخليج. وبذلك، فإن أي اضطراب في هذا الممر لا يؤثر فقط على الطاقة، بل يمتد ليطول بشكل مباشر منظومة المدخلات الزراعية، بما يهدد استقرار الإمدادات الغذائية في إفريقيا.
في ضوء هذه المعطيات الرقمية، يتضح أن الأمن الغذائي في القارة بات رهينة لتشابك معقد بين الجغرافيا السياسية وسلاسل الإمداد، وهو ما يفرض إعادة تقييم عميقة لسياسات الاعتماد على الخارج، والانتقال نحو بناء قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي وتقليل التعرض لصدمات الممرات الاستراتيجية.
ثانياً- صدمة مزدوجة بين تراجع الإنتاج وارتفاع التكلفة في أسواق الأسمدة الإفريقية:
لم تقتصر تداعيات التوترات في مضيق هرمز على تعطيل التدفقات التجارية فحسب، بل امتدت لتُحدث اختلالًا مباشرًا في منظومة الإنتاج نفسها، حيث شهدت بعض دول الخليج—المرتبطة عضويًا بصناعة الأسمدة—خفضًا في الطاقة التشغيلية لعدد من المصانع، بل وتوقفًا جزئيًا في بعضها نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع مخاطر النقل. ولم تكن القارة الإفريقية بمنأى عن هذه التداعيات، إذ تأثرت حتى الكيانات الإنتاجية الكبرى مثل مجموعة OCP، رغم تمتعها بقاعدة موارد صلبة.
تعود هذه الهشاشة إلى الطبيعة المركبة لصناعة الأسمدة، التي تعتمد على مدخلات أساسية عابرة للحدود، وعلى رأسها الكبريت، حيث يتم استيراد النسبة الأكبر منه من دول الخليج، لا سيما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. ومع اضطراب هذه المسارات التجارية، تتراجع إمدادات الكبريت، وهو ما يخلق عنق زجاجة حادا، إذ يصبح من المتعذر توسيع الإنتاج حتى في الدول التي تمتلك احتياطيات ضخمة من الفوسفات مثل المغرب، أو تلك التي تتمتع ببنية لوجستية مستقرة.
ويُترجم هذا الانكماش الإنتاجي إلى خسائر مباشرة في عائدات التصدير، خاصة أن دولتين فقط—المغرب ومصر—تمثلان معًا نحو 70% من صادرات الأسمدة في إفريقيا، ما يجعلهما الأكثر تعرضًا لتقلبات السوق. وعلى الجانب الآخر من المعادلة، تتفاقم الضغوط على الدول المستوردة الصافية، مثل إثيوبيا، وساحل العاج، وزامبيا، وكينيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تواجه ارتفاعًا متسارعًا في أسعار الغذاء وتراجعًا في إنتاجية المحاصيل.
وتتبلور هنا ملامح “الصدمة المزدوجة”، حيث يتزامن تراجع عائدات التصدير لدى المنتجين مع تصاعد تكاليف الاستيراد لدى الدول المعتمدة على الخارج، بما يؤدي إلى ضغوط مركبة على الاقتصاد الكلي والأمن الغذائي في آن واحد. وتدعم المؤشرات السعرية هذا الاتجاه، إذ ارتفعت أسعار اليوريا من أقل من 500 دولار للطن قبل اندلاع الأزمة إلى أكثر من 700 دولار للطن في الأسابيع الأخيرة، بزيادة تتجاوز 40%، مما يعكس حدة الاختلال في السوق.
وتتجلى هذه الضغوط بوضوح في جنوب إفريقيا، التي تستورد نحو 80% من مدخلات إنتاجها الزراعي، حيث يواجه مزارعو الحبوب زيادات في تكاليف المدخلات تصل إلى 35%. وبالنظر إلى موقعها كمورد رئيسي للأغذية المُصنّعة داخل القارة، فإن هذه الزيادات لا تبقى محلية التأثير، بل تنتقل عبر سلاسل الإمداد الغذائية، لتُغذي موجات تضخم أوسع نطاقًا في الأسواق الإفريقية.
في ضوء ذلك، يتضح أن أزمة الأسمدة لم تعد مسألة قطاعية محدودة، بل تحولت إلى متغير ضاغط يعيد تشكيل توازنات الإنتاج والتجارة والغذاء في إفريقيا، في ظل ارتباط وثيق بين أمن الممرات البحرية واستقرار النظم الاقتصادية والزراعية داخل القارة.
ثالثاً- اختلال هيكلي في النظم الزراعية الإفريقية وفرص إعادة بناء سلاسل الإمداد:
تُفاقم الاضطرابات المرتبطة بـمضيق هرمز الضغوط الواقعة على النظم الزراعية منخفضة التصنيع في إفريقيا، حيث تكشف المؤشرات الكمية عن فجوة هيكلية عميقة في استخدام المدخلات الزراعية. إذ يتراوح متوسط استخدام الأسمدة في القارة بين 17 و23 كيلوجرامًا للهكتار، مقارنةً بمتوسط عالمي يبلغ نحو 135 كيلوجرامًا للهكتار، وهو ما يعكس قيودًا مزمنة تتعلق بقدرة المزارعين على تحمّل التكاليف وإمكانية الوصول إلى هذه المدخلات. وفي ظل الارتفاعات الأخيرة في الأسعار—حيث قفزت أسعار اليوريا كما ذكرنا سابقا—تزداد احتمالات تراجع معدلات الاستخدام، بما ينعكس مباشرة على إنتاجية المحاصيل وحجم الإنتاج الزراعي خلال مواسم الزراعة المتعاقبة.
وتتضاعف خطورة هذه المعطيات بالنظر إلى الوزن النسبي للقطاع الزراعي داخل الاقتصادات الإفريقية، إذ يستوعب ما بين 60% و70% من إجمالي القوى العاملة، مع تجاوز هذه النسبة 80% في دول، مثل بوروندي، وملاوي، ومدغشقر. ورغم هذا الثقل، يظل القطاع قائمًا في معظمه على صغار المزارعين، الذين يفتقرون إلى أدوات التحوط المالي والقدرة على امتصاص صدمات ارتفاع تكاليف المدخلات أو انقطاعها، ما يجعلهم الحلقة الأضعف في معادلة الأمن الغذائي.
غير أن هذه الأزمة، رغم حدتها، تكشف في الوقت ذاته عن فرص غير مستغلة داخل القارة. فالقارة تمتلك بالفعل قاعدة موارد قادرة—نظريًا—على تقليص الاعتماد على الخارج، تشمل احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي في نيجيريا، وموزمبيق، وتنزانيا، والسنغال، إلى جانب موارد فوسفاتية كبيرة في المغرب وتونس، فضلًا عن طلب متنامٍ مدفوع بالحاجة إلى رفع الإنتاجية الزراعية واحتواء أزمات الغذاء المتكررة.
إلا أن تحويل هذه الموارد إلى قدرة إنتاجية فعّالة يظل رهينًا بجملة من الاختلالات الهيكلية. وفي هذا الإطار تبرز ثلاث أولويات استراتيجية. أولها، التوسع الانتقائي في الإنتاج، بحيث تتولى مجموعة من الدول ذات المزايا النسبية—وليس جميع الدول—قيادة بناء مراكز إقليمية لصناعة الأسمدة، بما يضمن استقرار الإمدادات على المستوى القاري. ثانيها، دمج الأسواق الإفريقية، إذ إن غياب شبكات تجارة فعّالة عبر الحدود وارتفاع تكاليف النقل يفرغان أي زيادة في الإنتاج من مضمونها، وهو ما يضع اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أمام اختبار حقيقي من حيث التفعيل وليس مجرد الإطار المؤسسي. أما ثالثها، فيتعلق بتوسيع نطاق السياسات لتشمل كامل سلسلة القيمة، بدءًا من التخزين والخلط، مرورًا بالنقل والتمويل، وصولًا إلى التوزيع النهائي.
وفي هذا السياق، تبرز بعض النماذج الواعدة في مجال الابتكار الزراعي، مثل منصتي Hello TractorوApollo Agriculture، اللتين تعكسان إمكانات توظيف التكنولوجيا في تحسين كفاءة الوصول إلى المدخلات، رغم أن هذه التجارب لا تزال محدودة النطاق مقارنة بحجم التحدي.
وعليه، فإن الإشكالية لم تعد تتعلق بندرة الموارد بقدر ما ترتبط بضعف البنية التحتية وسلاسل الإمداد، التي تمثل “الحلقة المفقودة” في معادلة الأمن الغذائي الإفريقي. فالاكتفاء الذاتي الكامل قد لا يكون هدفًا واقعيًا أو ضروريًا، غير أن تقليص الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية بات ضرورة استراتيجية، خاصة في ظل ما كشفت عنه أزمة مضيق هرمز من هشاشة عميقة في سلاسل التوريد.
إن هذه الصدمة تمثل إنذارًا مبكرًا يدفع نحو إعادة ترتيب أولويات السياسات الزراعية، بحيث لا تقتصر على الإنتاجية والتمويل، بل تمتد لتشمل البنية الصناعية وسلاسل الإمداد الأولية. فاستقرار النظم الغذائية في إفريقيا لم يعد مرهونًا فقط بعوامل طبيعية كالأراضي والمياه، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على قدرة القارة على بناء منظومة متكاملة لإنتاج وتوزيع المدخلات الزراعية، بما يقلل من تعرضها لصدمات الجغرافيا السياسية ويعزز مناعتها الاقتصادية على المدى الطويل.
رابعاً- نحو الانكفاء الداخلي كخيار استراتيجي لتعزيز الأمن الغذائي الإفريقي:
في ضوء الصدمات المتكررة المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية، وعلى رأسها ما كشفته أزمة مضيق هرمز، يبرز خيار “الانكفاء الداخلي” ليس بوصفه انعزالًا اقتصاديًا، بل كإعادة تموضع استراتيجي يستهدف تعظيم الاعتماد على القدرات الذاتية للقارة. فالقارة الإفريقية تمتلك بالفعل مقومات مادية وبشرية تؤهلها—نظريًا وعمليًا— لبناء نموذج أكثر استقلالية في إنتاج الغذاء ومدخلاته.
تتمثل أولى هذه المقومات في وفرة الأراضي الزراعية، إذ تضم إفريقيا ما يقرب من 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة عالميًا، وهو ما يمنحها ميزة نسبية فريدة في التوسع الزراعي الأفقي. ورغم ذلك، لا يُستغل سوى نحو 20% إلى 25% من هذه الأراضي فعليًا، مما يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانات المتاحة ومستوى التوظيف الفعلي لها.
إلى جانب ذلك، تمتلك القارة خبرات إقليمية يمكن توظيفها في دعم هذا التوجه، حيث تبرز مصر كنموذج في تطوير نظم الري الحديث وإعادة استخدام المياه، إذ نجحت في إعادة تدوير ما يقرب من 10 إلى 15 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، فضلًا عن التوسع في مشروعات الزراعة الذكية واستصلاح الأراضي. كما طورت بنية صناعية متقدمة نسبيًا في مجال الأسمدة، تجعلها أحد الفاعلين الرئيسيين في هذا القطاع داخل القارة.
وعلى الجانب الآخر، تمثل جنوب إفريقيا نموذجًا مكمّلًا من حيث التطور التكنولوجي والبنية الصناعية الزراعية، حيث تسهم بنحو 10% إلى 12% من الناتج الزراعي للقارة، وتمتلك نظمًا متقدمة في سلاسل القيمة الغذائية، بدءًا من الإنتاج وحتى التصنيع والتوزيع. كما تُعد من الدول الرائدة في توظيف التكنولوجيا الزراعية وإدارة سلاسل الإمداد، وهو ما يمكن أن يشكل قاعدة لنقل الخبرات إقليميًا.
ولا يقتصر الأمر على هذين النموذجين، بل يمتد ليشمل إمكانات أوسع في مجالات إعادة التدوير الزراعي، والتصنيع الغذائي، وتطوير المدخلات محليًا، بما يخلق شبكة تكامل إقليمي تقلل من الاعتماد على الخارج. فبدلًا من استيراد الأسمدة أو الغذاء بشكل كامل، يمكن إعادة توطين أجزاء كبيرة من هذه السلاسل داخل القارة عبر شراكات بين الدول ذات الموارد والدول ذات الخبرات.
غير أن تفعيل هذا المسار يتطلب تجاوز التحديات الهيكلية، وعلى رأسها ضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف النقل، وتباين السياسات الاقتصادية بين الدول. كما يتطلب استثمارات مكثفة في البحث العلمي والتكنولوجيا الزراعية، بما يسمح بتحويل الموارد الكامنة إلى قدرات إنتاجية فعلية.
وعليه، فإن الانكفاء الداخلي لا يعني الانفصال عن الاقتصاد العالمي، بل إعادة ضبط موقع إفريقيا داخله، بحيث تتحول من طرف تابع في سلاسل الإمداد إلى فاعل قادر على تأمين حد أدنى من احتياجاته الاستراتيجية. وفي ظل ما كشفته الأزمات الأخيرة، يبدو هذا الخيار ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار النظم الغذائية وتعزيز مناعة الاقتصادات الإفريقية في مواجهة الصدمات الخارجية.
خاتمة:
تكشف التداعيات المتشابكة لأزمة مضيق هرمز أن الأمن الغذائي في إفريقيا لم يعد قضية إنتاج زراعي بحت، بل بات امتدادًا مباشرًا لتفاعلات الجغرافيا السياسية وسلاسل الإمداد العالمية. فالقارة، التي وجدت نفسها بين ضغط ارتفاع تكاليف المدخلات وتراجع تدفقات الإمداد، تواجه اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على إعادة صياغة نموذجها الزراعي والاقتصادي. غير أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الصدمة الآنية، بل فيما كشفته من اختلالات هيكلية عميقة، تتعلق بالاعتماد المفرط على الخارج، وضعف التكامل الإقليمي، وغياب البنية الصناعية الداعمة للقطاع الزراعي. وفي المقابل، تملك إفريقيا من الموارد— أراضي وغازا وفوسفات وخبرات— مما يؤهلها للانتقال من موقع الهشاشة إلى موقع الفاعلية، شريطة تبني مقاربة استراتيجية تقوم على تعميق التصنيع الزراعي، وتفعيل التكامل القاري، وبناء سلاسل إمداد أكثر مرونة. وعليه، فإن صدمة هرمز قد لا تكون مجرد أزمة عابرة، بل لحظة كاشفة تفرض على صانع القرار الإفريقي الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة هندسة منظومة الأمن الغذائي على أسس أكثر استقلالًا واستدامة.