يدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المرحلة الأكثر حساسية في ولايته الثانية وسط معادلة سياسية شديدة التعقيد: فالديمقراطيون لا يملكون اليوم فقط رغبة في إبطاء أجندته، بل يراهنون على أن أخطاءه نفسها أصبحت و ستصبح عبئًا انتخابيًا عليه وعلى حزبه في انتخابات التجديد النصفي المقبلة في نوفمبر 2026.
وفي الخلفية، تتداخل الحرب وتضخم الأسعار والرسائل الرمزية القادمة من الخارج لتصنع صورة رئيس يواجه معارضة حزبية، وقلقًا شعبيًا، واختبارًا دوليًا في آن واحد.
إن العقبة الأساسية التي يحاول الديمقراطيون وضعها أمام ترامب ليست سدًّا واحدًا، بل مجموعة من المسارات المتوازية أولها المعارضة التشريعية داخل الكونجرس، ولجوء مكثف إلى القضاء، ثم بناء سردية سياسية تربط سياساته بغلاء المعيشة والاضطراب الخارجي.
ورغم أن التقارير الحديثة تشير إلى أن الحزب الديمقراطي يعيش حالة من الانقسام الداخلي منذ ترشح بايدن للرئاسة ثم تراجعه وتقدم كاميلا هاريس لخوض السباق الانتخابي وخسارتها، إلا أن هذا الانقسام يظل في الشكل لا في الهدف؛ فهناك تيار من الديموقراطيين يفضّل تهدئة الخطاب واستعادة الناخبين المترددين الذين وقفوا بجوار ترامب في الانتخابات السابقة، وهناك من يرى أن التصعيد هو الطريقة الوحيدة لوقف تمدد ترامب مثل حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم والذي سيحاول أن ينتزع بطاقة الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة في عام ٢٠٢٨.
لكن الأهم أن الديمقراطيين يدركون أن معركتهم ليست على كل الملفات، بل على الملف الذي يهم الناخب أكثر: الاقتصاد اليومي. لذلك يسعون إلى ربط كل قرار مثير للجدل يتخذه ترامب بما يدفعه المواطن في فاتورة الوقود، أو السلع، أو التأمين الصحي، لأن هذه هي اللغة الأكثر تأثيرًا في موسم ما قبل انتخابات التجديد النصفي نهاية العام الحالي.
من الناحية الانتخابية، تبدو فرص الجمهوريين أكثر هشاشة مما قد توحي به الأغلبية الحالية، لأن انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة غالبًا ما تعاقب الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض وخاصة الفاتورة الاقتصاديّة وفرص العمل.
صحيح أن ترامب لا يزال يملك نفوذًا كبيرًا داخل الحزب الجمهوري، وأن هذا يمنحه قدرة على فرض الانضباط إلى حد ما، لكن هذا النفوذ لا يلغي خطر أن تتحول شعبيته الشخصية إلى عبء على مرشحي حزبه في دوائر متأرجحة.
كل التقديرات المنشورة في بعض التقارير العربية نقلت أن خسارة الجمهوريين لمجلس النواب تبدو سيناريو مرجحًا، لا سيما إذا استمرت الضغوط المعيشية وتراجع الرضا الشعبي عن الإدارة، فقد انخفضت نسبه التأييد إلي أقل من ٤٠٪ والانخفاض لا يزال مستمرا.
لذلك فإن فقدان الأغلبية في مجلس النواب لا يعني فقط تراجع القدرة التشريعية، بل يعني أيضًا دخول ترامب في عامين أخيرين من ولايته تحت رقابة مستمرة وخصومات لا تنتهي ستجعله عاجزا عن تنفيذ أجندته أو ستحد منها أو ستكلّفه أثمانا سياسية كبيرة.
كما أنه لا يمكن تجاهل أن الحرب أصبحت عاملًا مباشرًا في تآكل الشعبية، لا لأنها بعيدة عن البيت الأبيض، بل لأنها تعود إلى المواطن عبر الأسعار والخوف وعدم اليقين، فالتقارير الأخيرة تربط تراجع شعبية ترامب بارتفاع كلفة المعيشة وعودة الضغوط التضخمية، مع الإشارة إلى أن الحرب رفعت أسعار الوقود وزادت القلق من الإنفاق العسكري وتأثيره على الاقتصاد و كما كان الإنفاق العسكري في أوكرانيا محط انتقاد الجمهوريين وقت ولاية بايدن أصبح الإنفاق العسكري علي الحرب الإيرانية هو النصل نفسه الذي يهاجمه به الديمقراطيون.
إن المشكلة السياسية لترامب هنا ليست فقط في أصل الأزمة، بل في تعارضها مع صورته الانتخابية السابقة. فهو من قدم نفسه باعتباره رجل “الصفقات” و الذي سيخفض الأسعار ويتجنب الحروب الكبرى، لكن الواقع دفعه إلى مربع أكثر صعوبة، حيث يرى الناخب أن الوعود الاقتصادية تتآكل تحت ضغط الحرب وتداعياتها. وهذا النوع من التآكل غالبًا لا يحدث فجأة، بل يتراكم حتى يتحول إلى مزاج عام يصعب كسره قبل الانتخابات.
وفي منحى آخر تأتي زيارة ملك إنجلترا إلى البيت الأبيض، فتتجاوز البروتوكول إلى رمز سياسي دقيق.
فالزيارة أعادت تأكيد “العلاقة الخاصة” بين واشنطن ولندن، لكنها في الوقت نفسه سمحت بتوجيه رسائل غير مباشرة لترامب حول التحالفات والحياد والالتزامات الدولية، وهي أمور قد شقت التحالف الغربي الأبدي بل وهددت وحدة حلف شمال الأطلسي ذاته وزادت من هشاشة مؤسسة الأمم المتحدة نفسها.
إن قراءة هذه الزيارة الملكية باعتبارها مجرد مجاملة دبلوماسية ستكون قراءة سطحية. فالملك تشارلز، بحسب التغطيات المنشورة، استخدم نبرة تحمل تلميحات سياسية بشأن أهمية التحالفات الغربية، والإنفاق الدفاعي، ودور بريطانيا وأوروبا في مواجهة الأزمات، في وقت كان ترامب يميل إلى لغة أكثر حدّة تجاه شركائه وصلت إلي حد السخرية الشخصية من قادة دول، مثل فرنسا، وإنجلترا، وكندا.
الرسالة الضمنية كانت واضحة: الولايات المتحدة لا تتحرك وحدها في العالم، والتحالفات ليست زينة احتفالية بل جزء من القوة ذاتها وأن التخلي عن التحالف يعني التخلي طواعية عن قيادة العالم.
نحن نعلم أن في السياسة، الرموز لا تقل أهمية عن القرارات. فحين يأتي ملك بريطانيا إلى البيت الأبيض في هذا التوقيت، فهو لا يقدّم فقط صورة صداقة تاريخية، بل يذكّر ترامب بأن القيادة الأمريكية تُراقَب حتى من أقرب الحلفاء، وأن السلطة، مهما بلغت صلابتها، تبقى بحاجة إلى لغة مؤسساتية لا إلى استعراض دائم، وربما كانت إشارات تشارلز إلى مواقف تاريخيّة قد لاقت قبولا لدى الأوربيين وكذلك لدى الأمريكيين أنفسهم.
المواطن الأمريكي الآن يعيش تحت ضغط يومي، فالحرب لا تظهر له في نشرات الأخبار وحدها، بل في تكلفة الوقود، وفي الأسعار داخل المتاجر، وفي القلق من أن أي تصعيد جديد قد ينعكس على الوظائف والمدخرات والموازنة الأسرية. لهذا السبب تصبح “السياسة الخارجية” قضية داخلية بامتياز عندما ترتفع الأسعار، فالمواطن العادي لا يقيس الحرب بمعادلات الجغرافيا، بل بقدرة دخله على الصمود. وإذا شعر أن الإدارة توجّه الموارد إلى الخارج بينما حياته اليومية تزداد صعوبة، فإن شعورًا واسعًا بالإرهاق السياسي يبدأ بالتشكل، وهذا ما يهدد أي رئيس مهما كانت قوته الخطابية أو حجم شعبيته التي انتخبته رئيسا.
وفي زاوية أخرى من المشهد نجد أن الديمقراطيين يتحدثون عن العزل أو تفعيل آليات دستورية مثل التعديل الخامس والعشرين والذي يعطي الحق في عزل الرئيس ، لكن الجدّية هنا تختلف بين مستوى الخطاب ومستوى الإمكان. من الناحية العملية، فالعزل الكامل يحتاج إلى أغلبية صلبة تشترط ثلثي المقاعد وإرادة سياسية تريد المضي في هذا المسار وهو أمر صعب للغاية، خاصة إذا بقي الجمهوريون متماسكين. لذلك فإن ما يجري الآن يبدو أقرب إلى “بناء ملف” وضغط سياسي طويل المدى أكثر من كونه طريقًا مضمونًا إلى الإطاحة بترامب، ومع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بهذا المسار. فمجرد فتح ملفات مساءلة، أو الدفع نحو قرارات تقيد صلاحيات الرئيس في الحرب، أو استخدام جلسات مجلس النواب لإحراج الإدارة كما حدث في الاستجواب الذي تم لوزير الحرب الأمريكي ، وهي أمور يمكن لها أن تضعف قدرة الإدارة على المناورة وتبطئ تنفيذ بعض السياسات الجدلية بين الحزبين. بعبارة أخرى، العزل قد لا ينجح كنهاية درامية، لكنه قد ينجح كأداة استنزاف.
لذلك فإن عودة الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب قد لا تسقط ترامب، لكنها تستطيع أن تحد من سرعته. فالمجلس يستطيع فتح التحقيقات، واستدعاء المسئولين، وعرقلة بعض التمويلات، وتمرير رسائل سياسية تُحرج البيت الأبيض حتى لو اصطدمت بمجلس الشيوخ أو بالفيتو الرئاسي. وهذه ليست أدوات فارغة؛ في السياسة الأمريكية، التأخير والإحراج أحيانًا يساويان نصف النصر مستندين إلى قاعدة "إن لم تستطع تمرير سياساتك يمكن العمل علي وقف سياسات خصمك".