مستقبل منع الانتشار النووى فى الشرق الأوسط
3-5-2026

السفير د. سامح أبوالعينين
* أستاذ العلاقات الدولية بكلية الدراسات الدبلوماسية- جنيف، عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية

لا يزال إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية فى الشرق الأوسط أحد أكثر التحديات تعقيدا فى منظومة الأمن الدولى، حيث ظلت وتيرة التقدم بطيئة على مدى العقود التالية، رغم أن هذا الهدف جرى تكريسه رسميًّا خلال مؤتمر استعراض وتمديد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الذى انعقد عام ١٩٩٥ وتقرر فيه تمديد المعاهدة مدا لا نهائى(1).

تكشف عملية استعراض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لدى تقييمها عبر الدورات الأخيرة، عن اتساع الفجوة بين الالتزامات التى يعاد تأكيدها والتنفيذ العملى لها، حيث لا تزال عملية الاستعراض مقيدة بقاعدة الإجماع وغياب معايير زمنية متفق عليها، الأمر الذى يعزز الانطباع ببطء الوتيرة وتكرار حالات الشلل الإجرائى. وقد تبلورت هذه الضغوط فى مقاربات متمايزة ومتنافسة لنزع السلاح والقضاء عليه. وتشمل التدابير التدريجية خطوة بخطوة، ومقترحات الاتفاقيات الشاملة، ونماذج الإطار القائم على أدوات متكاملة ومنفصلة، ومسار معاهدة الحظر المرتبط بمعاهدة حظر الأسلحة النووية، مع محدودية التقارب بشأن تسلسل الخطوات، وآليات التحقق، أو شروط إحراز التقدم.

يتقاطع هذا الجمود مع سياق دولى يتسم بتصاعد النزاعات المسلحة وتنوعها وتطورها التكنولوجى، بما يترك تداعيات بالغة على منطقة الشرق الأوسط بوجه خاص. فاستمرار الأعمال القتالية بين روسيا وأوكرانيا، وما ينطوى عليه ذلك من مخاطر تمس البنية التحتية النووية وتزايد الإشارات النووية، إلى جانب تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، كل ذلك يبين كيف باتت الأزمات التقليدية والجيوسياسية تتقاطع على نحو متزايد مع مخاطر نووية عابرة للأقاليم. ومع هيمنة الضرورات الأمنية الآنية على الأجندات الاستراتيجية، فإن مخاطر تهميش قضايا عدم الانتشار النووى ونزع السلاح تتزايد، فى حين تعكس الانقسامات المستمرة داخل عملية استعراض المعاهدة تآكلا أوسع فى الثقة بحوكمة الأمن المتعدد الأطراف.

وقد عمق مؤتمر الاستعراض عام ٢٠٢٢ هذه المخاوف، بعد أن كان مقررا عقده فى عام٢٠٢٠، وتأجل لأكثر من عامين نتيجة جائحة كوفيد-١٩، ما أدى إلى اضطراب كبير فى دورة الاستعراض. وعند انعقاده، انتهى دون اعتماد وثيقة ختامية توافقية للمرة الثانية على التوالى، ما عزز من التقييمات التى تصف عملية استعراض المعاهدة بالجمود، إن لم تكن شللا مؤسسيا(2).

جاء عدم التوصل إلى توافق عام ٢٠٢٢ فى سياق أزمة جيوسياسية أوسع، هى النزاع بين روسيا وأوكرانيا. فقد حالت اعتراضات موسكو على صياغات محددة فى مسودة الوثيقة الختامية، لا سيما تلك المتعلقة بسلامة ومحورية السيطرة القانونية على محطة زابوريجيا للطاقة النووية دون اعتماد الوثيقة. وقد كشفت هذه الواقعة عن هشاشة بنيوية فى معاهدة عدم الانتشار، تتمثل فى قدرة دولة واحدة حائزة للأسلحة النووية على عرقلة نتائج جماعية استنادا إلى اعتبارات وطنية ضيقة(3).

سينعقد مؤتمر الاستعراض التالى (مايو ٢٠٢٦) فى ظل هذه التوترات الجيوسياسية، مع ميل الدول الأطراف إلى إعطاء الأولوية لخفض المخاطر وتعزيز السلامة النووية على حساب معالجة الخلافات المزمنة بشأن مسارات نزع السلاح وآليات التنفيذ. وسيكون لمدى قدرة معاهدة NPTعلى إثبات مصداقيتها فى هذه الظروف، وتفاعل الدول الأطراف مع مسار معاهدة حظر الأسلحة النووية، دور محورى فى رسم حدود تماسك وصمود منظومة عدم الانتشار العالمية فى المرحلة المقبلة.

أولا- مسار منع الانتشار فى الشرق الأوسط:

فى عام ٢٠١٨، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عقد مؤتمر مخصص بشأن إنشاء منطقة فى الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية، وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، استجابة لفجوة التنفيذ التى صاحبت المخرجات المتعلقة بالشرق الأوسط عن مؤتمر التمديد اللانهائى عام ١٩٩٥، على أن يعقد هذا المؤتمر المخصص على أساس سنوى، اعتبارا من عام 2019 وإلى أن يتحقق هدف إنشاء المنطقة(4).

وقد شكَّل موقف مؤتمر عام ١٩٩٥ من مسار منع الانتشار فى الشرق الأوسط، عنصرا تأسيسيا فى الحزمة الأوسع التى مكنت من التمديد غير المحدد لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، إذ دعا إلى إنشاء منطقة خالية من جميع أسلحة الدمار الشامل ووسائط إيصالها، وقابلة للتحقق على نحو فعال. وقد أسهم المؤتمر المعقود بتكليف من الجمعية العامة للأمم المتحدة فى الدفع بهذه الأهداف على نحو ملموس، من خلال تحويل التزام سياسى طالما تعثر إلى مسار أممى مؤسسى يعقد سنويا، بما وفر إطارا منظما وشاملا لحوار إقليمى مستدام كان يفتقر إليه المسار سابقا(5).

لم يشهد مسار الشرق الأوسط فى خطة العمل، الصادرة عن مؤتمر استعراض المعاهدة لعام ٢٠١٠، سوى تقدم محدود وتعثر تنفيذ الخطوات المتفق عليها(6). بيد أن المؤتمر أتاح قدرا من الاستمرارية الإجرائية عبر اعتماد ترتيبات واضحة، من بينها رئاسة دورية، وتوجيه دعوات مفتوحة إلى جميع دول المنطقة، وآليات عمل لما بين الدورات، مثل لجنة العمل. على الصعيد الموضوعى، انتقلت المناقشات إلى ما هو أبعد من مجرد إعادة التأكيدات العامة، من خلال اعتماد إعلان سياسى يلتزم فيه المشاركون بصياغة معاهدة ملزمة قانونا، وتنظيم المداولات حول عناصر معاهدة محددة، تشمل النطاق والتعاريف والالتزامات الأساسية ومبادئ التحقق والترتيبات المؤسسية(7).

من خلال إرساء هذا المسار ضمن إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة، يسهم المؤتمر أيضا فى التخفيف من القيود الإجرائية وتسلسل الخطوات التى كثيرا ما أعاقت التقدم فى إطار دورة استعراض المعاهدة، بما يتيح استمرار التبادلات التقنية بشأن التحقق والامتثال، حتى فى الحالات التى يتعذر فيها التوصل إلى توافق داخل مؤتمر الاستعراض الأوسع نطاقا(8).

ثانيا- الدور الأممى فى مسار عدم الانتشار:

كثيرا ما شكَّل ملف الشرق الأوسط اختبارا محوريا لمصداقية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، نظرا لأن قرار عام ١٩٩٥ كان جزءا لا يتجزأ من الحزمة السياسية التى مكنت من التمديد غير المحدد للمعاهدة(9). وقد أدت الفجوات المستمرة فى التنفيذ إلى تقويض الثقة بعملية الاستعراض على نحو متكرر. كما يعزى إخفاق مؤتمر الاستعراض لعام ٢٠١٥ إلى حالة الجمود التى شابت مسألة إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل فى الشرق الأوسط، حيث رأت العديد من الدول غير الحائزة للأسلحة النووية أن غياب التقدم يعود إلى غياب حسن النية لدى الدول الرئيسية أصحاب المصلحة(10).

فى هذا السياق، كان للمؤتمر المخصص المنعقد برعاية الجمعية العامة للأمم المتحدة أثر بنيوى مهم على دورة استعراض المعاهدة، من خلال توفيره منبرا مؤسسيا قادرا على استدامة الحوار والعمل التقنى فى الحالات التى يتعذر فيها التوصل إلى توافق داخل مؤتمرات الاستعراض(11).

على الصعيد العملى، اضطلع المؤتمر بدور آلية لتخفيف الضغوط. فمن خلال فصل المداولات الخاصة بالإقليم عن الديناميات العالية الحساسية والقائمة على الإجماع فى مؤتمر الاستعراض، يسهم فى تقليص احتمالات أن تؤدى الخلافات الإقليمية، بمفردها، إلى تعطيل النتائج عبر الركائز الثلاث للمعاهدة. فى الوقت ذاته، بات هذا المسار المخصص يؤثر فى تشكيل التوقعات ضمن دورة الاستعراض، إذ يوفر للدول المشارِكة مؤشرات على الاستمرارية، ويرفع -فى المقابل- التكلفة السياسية لحالة الجمود إذا أخفق المؤتمر فى تحقيق مخرجات تراكمية.

الجدير بالتأمل أن بعض التحليلات، منها تلك الصادرة عن معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح (UNIDIR)، تعتبر المصداقية المتصورة لهذا المسار آخذة فى التحول إلى مؤشر إلى الشرعية الأوسع للمعاهدة وادعاءاتها بالكونية. ومن ثم، إذا أخفق هذا المسار فى تحقيق خطوات ملموسة بمرور الوقت، فقد يؤدى ذلك إلى تعميق حالة الإحباط القائمة أصلا فى نقاشات دورات الاستعراض، ويعزز الطروحات الداعية إلى اعتماد مقاربات بديلة تتجاوز مبدأ الإجماع، بما يفرض ضغوطا إضافية على الأسس الإجرائية للمعاهدة(12).

عقب مؤتمر الاستعراض لعام ٢٠٢٢، برز اهتمام متزايد بقضايا السلامة والأمن النوويين، ما وسّع التوقعات إزاء دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ليشمل رصد المنشآت النووية المدنية فى سياقات النزاع(13).

وقد أسهمت أنشطة الوكالة الرقابية فى البيئات المتأثرة بالنزاعات فى إبراز الإشراف النووى بوصفه شاغلا محوريا، وربط التحقق من نزع السلاح على نحو أوضح بجهود التقليل من المخاطر ومنع الأزمات(14). فى الوقت ذاته، ورغم الاعتراف الواسع بالخبرة التقنية للوكالة، لم تتوصل الدول الأطراف إلى توافق بشأن توسيع ولايتها، لتشمل التحقق الفعال من تفكيك الأسلحة النووية، أو بشأن وضع خريطة طريق محددة للتحقق من الإزالة الكاملة(15).

ويعيد استمرار تحديث الترسانات النووية من قبل الدول الخمس الحائزة للأسلحة النووية إبراز الفجوة القائمة بين خطاب التحقق والتقدم الجوهرى المحقق بموجب المادة السادسة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية(16). لكن هناك مجالا واسعا لتعزيز وتطوير دور الوكالة، سواء من خلال توسيع نطاق حضورها، أو تعزيز آليات التحقق، بما فى ذلك إجراءات التحقق والتفتيش المفاجئ فى إطار التحضيرات لمؤتمر استعراض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام ٢٠٢٦.

ثالثا- تحديات وفرص:

تواجه الدورة المقبلة من مؤتمر مراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية تحديات استراتيجية كبيرة تقيد قدرته على تحويل الزخم الإجرائى إلى تقارب موضوعى ملموس. ويظل أحد التحديات البنيوية الأساسية متمثلا فى عدم التماثل الإقليمى فى الانضمام إلى المعاهدات، إذ تبقى إسرائيل الدولة الوحيدة فى المنطقة غير المنضمة إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، الأمر الذى يعزز سرديات متباينة بشأن تسلسل الخطوات، والشرعية، ومبدأ المعاملة بالمثل. إلى جانب ذلك، تعقد حالة عدم الاستقرار الإقليمى المستمرة والأزمات الأمنية والإنسانية الحادة إمكانات الانخراط التقنى المتواصل، فى حين يفضى تطور بيئة التهديد، بما فى ذلك الشواغل المتصلة بالإرهاب النووى والاتجار غير المشروع، إلى زيادة الحساسية حيال قضايا الشفافية وتبادل المعلومات.

كما يبرز قيد إضافى يتمثل فى غياب هيئة إقليمية مخصصة للتحقق من شأنها أن تؤسس لبناء الثقة على نحو مؤسسى، وتضمن استمرارية العمل التقنى بين الدورات، وتوفر منصة دائمة لأعمال التفتيش والممارسات المتصلة بالامتثال.

يجب أن تتسم المعالجات المحتملة بالواقعية والتدرج، وأن تصمم على نحو يفضى إلى مخرجات تراكمية دون استباق المواقف السياسية النهائية. ففى مجال التحقق، يمكن للمؤتمر أن يشجع على توسيع نطاق انضمام دول المنطقة إلى اتفاقات الضمانات الشاملة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والبروتوكولات الإضافية، حيثما ينطبق ذلك، مع الاستفادة فى الوقت ذاته من الأدوات والمنهجيات التقنية التى تطورها الوكالة فيما يتصل برصد التفكيك والتصرف فى المواد النووية، بما يتسق مع الممارسات الدولية.

على الصعيد المؤسسى، يمكن للدول النظر فى تعيين مبعوث خاص للأمم المتحدة لدعم الانخراط السياسى المستدام، وحشد الموارد، والحفاظ على الاتساق الاستراتيجى عبر الدورات السنوية، إلى جانب التطوير التدريجى لترتيبات دعم دائمة، مثل إنشاء وظيفة أمانة صغيرة للتقليل من الاعتماد على التحضيرات الظرفية. وأخيرا، من شأن برامج التعليم وبناء القدرات الموجهة أن يعززا من الملكية الإقليمية على المدى الطويل، بما يشمل التواصل الأكاديمى، والتدريب التقنى، والمحاكاة القائمة على السيناريوهات، بما يسهم فى بناء شبكات مهنية وترسيخ ثقافة مستدامة فى مجال عدم الانتشار ومحو الأمية المتصلة بالتحقق.

يظل التحقق ركيزة أساسية لبناء الثقة الدولية وضمان المساءلة فى مجال نزع السلاح النووى. وتتمتع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بولاية نظامية لتطبيق نظام الضمانات والإسهام فى التحقق المتصل بنزع السلاح(17). وتشير التحليلات القائمة إلى أن الوكالة يمكنها تعزيز هذا الدور من خلال تطوير نماذج عامة لتفكيك الرءوس النووية، وتوحيد صيغ الإقرارات المتعلقة بالمنشآت والأفراد، وتطوير تقنيات القياس القابلة للتطبيق فى عمليات التحقق(18).

كما يمكن تعزيز الشفافية عبر إقرارات سنوية طوعية تقدمها الدول الحائزة للأسلحة النووية إلى الأمم المتحدة بشأن أعداد الرءوس النووية ووسائط الإيصال ومخزونات المواد الانشطارية. وتوفر مبادرات متعددة الأطراف مكملة، مثل الشراكة الدولية للتحقق من نزع السلاح النووى، منصات قيِّمة للتعاون التقنى بين الدول(19).

رابعا- مقومات إنشاء المنطقة الخالية بالشرق الأوسط:

بالإمكان تلبية المتطلبات الضرورية لإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل فى الشرق الأوسط عن طريق تكثيف الجهود الدولية لمنع تهديد الأمن والسلم الدوليين، والالتزام بنظام منع الانتشار النووى. وقد أصبح إنشاء هذه المنطقة يحظى بتأييد المجتمع الدولى، وكذلك الدول الدائمة العضوية فى مجلس الأمن، استنادا إلى التجارب المماثلة السابقة.

بناء على ذلك، فإن إنشاء تلك المنطقة يتطلب توافر حزمة مقومات، أهمها وأولها ترتيبا هو إزالة أسلحة الدمار الشامل، مع ضرورة أن تعلن دول المنطقة التزامها إزالة أسباب التوتر والنزاع فى المنطقة لتحقيق السلام العادل والشامل وفقا لقرارات الأمم المتحدة. ويتطلب هذا انضمام إسرائيل إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وإخضاع جميع مرافقها للتفتيش الدولى وفقا لنظام الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقةالذرية، وأن تقدم تل أبيب لوائح وقوائم بمخزونها من المواد الانشطارية والأسلحة النووية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالإضافة إلى القيام بإتلاف تلك الأسلحة وفق برنامج زمنى متفق عليه دوليا، والاسترشاد بتجربة جنوب إفريقيا فى هذا الصدد.

يضاف إلى ذلك التعهد بوقف إنتاج -أو الحصول على- المواد الانشطارية أو أية مواد تستعمل فى إنتاج أسلحة الدمار الشامل، والامتناع عن استحداث أسلحة نووية أو إنتاجها أو تجربتها أو الحصول عليها على أى نحو. وبالنظر إلى اتجاه العديد من دول المنطقة إلى استخدام الطاقة النووية، فإنه يصبح من المهم اتخاذ تدابير لتأمين المفاعلات النووية والتعامل مع النفايات النووية، فضلا عن ضرورة عدم السماح لأى دولة خارج المنطقة بوضع أسلحة دمار شامل فى أراضى المنطقة.

فى هذا السياق، يبرز دور مصر فى مجال منع الانتشار وضبط التسلح بشكل عام، حيث تضطلع القاهرة بدور محورى ومستدام فى إبقاء أجندة إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل فى الشرق الأوسط ضمن المسار المتعدد الأطراف، مع التشديد المستمر على أنها عنصر لا يتجزأ من مصداقية وتوازن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وكذلك من منظومة الأمن الإقليمى.

ويستند هذا الدور القيادى إلى سجل تاريخى طويل فى ريادة صياغة المعايير، شمل إسهام مصر بوصفها أحد العقول المنظرة لمفهوم المنطقة الخالية من الأسلحة النووية فى الشرق الأوسط، من خلال مشاركتها فى رعاية مبادرة الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٧٤(20)، ثم اقتراحها عام ١٩٩٠ توسيع هذا الهدف، ليشمل جميع أسلحة الدمار الشامل(21).

بصفتها صوتا دبلوماسيا رائدا داخل المجموعة العربية، دأبت القاهرة على إبراز فجوات التنفيذ عبر دورات الاستعراض المتعاقبة لمعاهدة عدم الانتشار، وتأكيد أن إحراز تقدم فى تنفيذ قرار عام ١٩٩٥ لا يزال اختبارا حاسما للالتزام بحسن النية، ويمثل سياسيا ما يمكن اعتباره ركيزة رابعة فعلية تسند توازن المعاهدة.

وضمن مسار المؤتمر المعقود بتكليف من الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذى أطلق عام ٢٠١٩، أظهرت مصر قيادة عملية من خلال إجراءات ملموسة دعمت الاستمرارية والمضمون على حد سواء، من بينها: الدفع نحو إضفاء الطابع المؤسسى على المنتدى السنوى فى مقر الأمم المتحدة، مع توجيه دعوة مفتوحة لجميع دول المنطقة، ودعم المخرجات التأسيسية للمؤتمر، بما فى ذلك الإعلان السياسى الذى يلتزم فيه المشاركون بصياغة معاهدة ملزمة قانونا، وتشجيع تنظيم المداولات حول عناصر ذات صلة مباشرة بالمعاهدة مثل النطاق، والتعاريف، والالتزامات الأساسية، ومبادئ التحقق، والترتيبات المؤسسية بدلا من الاكتفاء بإعادة التأكيدات العامة، ودعم آليات العمل بين الدورات، بما فى ذلك إنشاء واستخدام لجنة عمل، لضمان استدامة الانخراط بين الدورات السنوية(22).

بالنظر إلى المستقبل، تتمتع مصر بموقع ملائم للاضطلاع بدور مركز إقليمى لبناء القدرات التقنية، مستفيدة من خبرتها الدبلوماسية لدعم ثقافة التحقق، وتعزيز الشبكات المهنية، والإسهام فى ردم الفجوات بين الدول الحائزة للأسلحة النووية وأصحاب المصلحة الإقليميين، مع اقتراب الدول الأطراف من مؤتمر استعراض معاهدة عدم الانتشار لعام ٢٠٢٦.

خاتمة:

ستقوم الدول الحائزة للأسلحة النووية، وفقا للمؤتمر الاستعراضى لعام ٢٠٢٦ لمعاهدة منع الانتشار النووى، بتقديم تقرير عن «تعهداتها» تجاه نزع السلاح النووى إلى اللجنة التحضيرية لمعاهدة عدم الانتشار فى عام ٢٠٢٧، وللمؤتمر الاستعراضى القادم، والنظر فى الخطوات المقبلة من أجل التنفيذ الكامل للمادة السادسة من المعاهدة، إذ تتضمن خطة العمل بشأن نوع السلاح النووى معايير لقياس تنفيذ المادة السادسة بما فى ذلك الخطوات العملية على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

يجب أن يكون هناك تحرك سريع نحو خفض المخزون العالمى من جميع الأسلحة النووية، وتقليص دورها فى المذاهب العسكرية والأمنية للإسهام فى منع الانتشار النووى ونزع السلاح، وكذلك النظر فى مصالح الدول غير الحائزة للأسلحة النووية فى عملية نزع السلاح، لتعزيز الشفافية فى هذا المجال.

يعنى ذلك أن اللجان التحضيرية للدورة القادمة ٢٠٢٧، ابتداء من الدورة الحالية، يمكن أن تشكل خريطة طريق للقضاء التدريجى على الأسلحة النووية.

كما أن تحديد العناصر والأنشطة والمرافق التى يجب رصدها هو الخطوة الأولى نحو التحقق من فعالية وكفاءة شفافية أى نظام للتحقق الشامل.

فى هذا الصدد، يجب على الدول الحائزة للأسلحة النووية تقديم إعلانات سنوية إلى سجل يحتفظ به من قبل الأمم المتحدة، على أن يتضمن إجمالى الرءوس الحربية النووية، ومنظومات إيصالها، وبيانات التخزين، ومخزونات المواد الانشطارية، والمخطط لوضع الفائض منها تحت التفتيش الدولى، بالإضافة لخطط للقضاء على الأسلحة النووية ووسائل نقلها.

ثمة أهمية قصوى لبلورة نموذج عام لعملية التفكيك الكامل للسلاح النووى، بما فى ذلك جميع خطوات التحقق والتكنولوجيات المستخدمة، وتحديد إجراءات التحقق لكل عملية، والتعرف على نقاط التفتيش، وتقنيات القياس، وكيفية وضع إجراءات لضمان الامتثال.

الهوامش:

(1) Resolution on the Middle East The Conference of the Parties to the Treaty on the Non-Proliferation of Nuclear Weapons. NPT/CONF.1995/32. NPT Conference, 1995. https://2u.pw/tRbOsl          

(2) CHAPTER 1: NUCLEAR DISARMAMENT AND NON-PROLIFERATION, In:United Nations Disarmament Yearbook, UNODA, 2022. https://2u.pw/mdTkyg

(3) UN Press. Non-Proliferation Treaty Review Conference Ends without Adopting Substantive Outcome Document Due to Opposition by One Member State. 26 August 2022. https://2u.pw/zipmoj

(4) UN General Assembly Decision 73/546 on Convening a Conference on the ME WMDFZ. UN General Assembly Decision 73/546. UNGA, 2018. https://2u.pw/n8Ujys

(5) UNODA, Conference on the Establishment of a Middle East Zone Free of Nuclear Weapons and Other Weapons of Mass Destruction, 2019. https://2u.pw/xTWDMy

(6) 2010 Review Conference of the Parties to the Treaty on the Non-Proliferation of Nuclear Weapons, 2010. https://2u.pw/PRzn6

(7) Political Declaration Adopted at the First Session of the Conference on the Establishment of a Middle East Zone Free of Nuclear Weapons and Other Weapons of Mass Destruction, A/CONF.236/6. Conference on the Establishment of a Middle East Zone Free of Nuclear Weapons, 2019. https://2u.pw/zuYpT

(8) TomishaBino, and Chen Zak Kane. Middle East WMD-Free Zone Project Final Report. Middle East Weapons of Mass Destruction Series. UNIDIR, 2023. https://2u.pw/9Tvv4

(9) Resolution on the Middle East The Conference of the Parties to the Treaty on the Non-Proliferation of Nuclear Weapons, NPT/CONF.1995/32. NPT Conference, 1995. https://2u.pw/tRbOsl

(10) Wilfred Wan, Why the 2015 NPT Review Conference Fell Apart, 28 May 2015. https://2u.pw/dzRf9

(11) UN General Assembly Decision 73/546 on Convening a Conference on the ME WMDFZ. UN General Assembly Decision 73/546. UNGA, 2018. https://2u.pw/n8Ujys

(12) TomishaBino, and Chen Zak Kane. Middle East WMD-Free Zone Project Final Report. Middle East Weapons of Mass Destruction Series. UNIDIR, 2023. https://2u.pw/9Tvv4

(13) Nuclear Safety, Security and Safeguards in Ukraine. IAEA, 24 February 2022. https://2u.pw/buQZN6

(14) Director, General. Nuclear Safety, Security and Safeguards in Ukraine. IAEA, 2022. https://2u.pw/q92SgV

(15) UN Press. Non-Proliferation Treaty Review Conference Ends without Adopting Substantive Outcome Document Due to Opposition by One Member State, 26 August 2022. https://2u.pw/zipmoj

(16) Role of Nuclear Weapons Grows as Geopolitical Relations Deteriorate,SIPRI, 17 June 2024.

      https://2u.pw/nfQXxf

(17) The Statute of the IAEA (1989). https://2u.pw/msdWb

(18) IAEA Safeguards Serving Nuclear Non-Proliferation. IAEA, 2015. https://2u.pw/MuTeug

(19) SamehAboul-Enein, Toward a Non-Nuclear World: The NPT Regime – Nuclear Disarmament and the Challenge of a WMDFZ in the Middle East. International Journal of Nuclear Security 3, no. 1 (2017): 1–28. https://2u.pw/VTP48B

(20) Establishment of a Nuclear-Weapon-free Zone in the Region of the Middle East (1974).

      https://2u.pw/Do34n

(21) Permanent Representative of Egypt to the United Nations. “Mubarak Initiative” Expands the Scope of the Nuclear-Weapon-Free Zone in the Middle East to Include All WMD, 18 April 1990. https://2u.pw/C9JuQ

(22) TomishaBino and Chen Zak Kane. Middle East WMD-Free Zone Project Final Report. Middle East Weapons of Mass Destruction Series. UNIDIR, 2023. https://2u.pw/9Tvv4


رابط دائم: