إعادة تموضع أوكرانيا في إفريقيا.. انتقال من القوة الناعمة إلى المقاربة الأمنية في بيئة متعددة الأقطاب
27-4-2026

محمود سامح همام
* باحث فى العلوم السياسية

في خطوة تعكس تحوّلًا لافتًا في توجهات السياسة الخارجية لكييف، شهد يوم 25 مارس 2026 انعقاد اجتماع تنسيقي رفيع المستوى داخل مكتب الرئاسة الأوكرانية برئاسة كيريلوبو دانوف، خُصص لبحث آليات توسيع الحضور الأوكراني في القارة الإفريقية، في سابقة تُعد الأولى من نوعها على هذا المستوى المؤسسي. وقد خلص الاجتماع إلى تحديد دوائر الأولوية الجغرافية، وفي مقدمتها المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب الاتفاق على أطر تنسيق بين الوكالات الحكومية وصياغة مسودة خطة عمل لرفعها إلى مجلس الوزراء. ويأتي هذا التحرك في سياق خطاب سياسي صريح يؤكد سعي أوكرانيا إلى ترسيخ موقعها كفاعل جيوسياسي مؤثر قادر على حماية مصالحه خارج نطاقه الإقليمي، رغم التحديات البنيوية المرتبطة باعتمادها المستمر على الدعم الخارجي. وبينما تُقدَّم هذه المقاربة باعتبارها امتدادًا لمصالح وطنية مشروعة، فإنها تفتح في الوقت ذاته باب التساؤلات داخل الأوساط الدولية حول دوافعها الواقعية، وإمكانيات تنفيذها، وحدود تأثيرها في بيئة إفريقية تشهد تنافسًا دوليًا متصاعدًا.

إعادة تعريف الدور الأوكراني في إفريقيا.. من الدبلوماسية التنموية إلى توظيف الخبرة العسكرية كأداة نفوذ:

استندت المقاربة الأوكرانية تجاه إفريقيا حتى عام 2024 إلى تصور سياسي صاغه وزير الخارجية السابق دميترو كوليبا تحت عنوان "النهضة الأوكرانية-الإفريقية"، وهو إطار سعى إلى إعادة توظيف الإرث السوفيتي في القارة، معزّزًا بأدوات حديثة شملت دبلوماسية الأمن الغذائي، وتوسيع الحضور الدبلوماسي، وإطلاق مسارات قمة ثنائية، في محاولة لبناء سياسة خارجية مستقلة قادرة على موازنة النفوذ الروسي. وقد جاء تحرك فولوديمير زيلينسكي نحو إفريقيا، بما في ذلك زيارته إلى جنوب إفريقيا في عام 2025، ضمن هذا السياق الذي جمع بين الطموح السياسي والرهان على أدوات القوة الناعمة.

إلا أن هذا الإطار لم يصمد أمام تداعيات الحرب، حيث تراجعت المقومات التي استند إليها، سواء على مستوى الاقتصاد أو القدرة على تمويل انخراط خارجي مستقل، مما أدى إلى انحسار فعلي في الأدوات غير العسكرية. ومع تزايد الاعتماد على الدعم الغربي، تآكلت إمكانية صياغة سياسة إفريقية قائمة على موارد وطنية، وأصبحت التحركات الأوكرانية في القارة أقرب إلى مبادرات متفرقة تفتقر إلى بنية استراتيجية متماسكة.

ويعكس التحول في القيادة الدبلوماسية، عبر تولي أندريه سيبيها، تراجع الزخم الخطابي المرتبط بإفريقيا، بالتوازي مع انتقال فعلي للملف إلى الدوائر الأمنية بقيادة كيريلوبو دانوف، وهو ما يشير إلى إعادة تموضع في أدوات التأثير من الدبلوماسية إلى المقاربة الأمنية–العملياتية.

في هذا السياق لم تعد أوكرانيا تقدم نفسها كشريك اقتصادي أو تنموي، بل كفاعل قادر على نقل خبرة عسكرية مكتسبة في سياق صراع عالي الكثافة ضد خصم متفوق. وتشمل هذه الخبرة تكتيكات الطائرات المسيّرة، والعمليات اللامركزية، والقدرة على التكيف السريع في بيئات محدودة الموارد، وهي عناصر تشكل ما يمكن اعتباره "عرضًا استراتيجيًا" جديدًا موجّهًا إلى شركاء محتملين في إفريقيا.

وعليه فإن جوهر الطرح الأوكراني الراهن يقوم على تصدير نموذج "القدرة على الصمود" كأداة نفوذ، بدلًا من نماذج التعاون التقليدية. غير أن هذا التحول يطرح إشكاليات تتعلق بمدى توافقه مع أولويات الدول الإفريقية، وحدود الطلب عليه، فضلًا عن طبيعة الشروط السياسية والأمنية التي قد تحكم استقباله في بيئة إقليمية تشهد تنافسًا دوليًا متزايدًا.

حدود استقلال القرار الأوكراني في إفريقيا.. بين الطموح الجيوسياسي والارتباط بالاستراتيجية الغربية:

يثير الحضور الأوكراني المتنامي في إفريقيا تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة هذا الدور: هل تمثل كييف فاعلًا جيوسياسي مستقلًا يسعى إلى بناء نفوذ ذاتي، أم إنها تتحرك ضمن إطار أوسع يعكس أولويات غربية، بواجهة أوكرانية وأجندة تتجاوز حدودها الوطنية؟ هذا التساؤل لا ينفصل عن إدراك أوروبي أوسع يرى في أوكرانيا خط تماس متقدما في مواجهة روسيا، أكثر من كونها شريكًا مستقلاً يمتلك هامش قرار سيادي كاملا. وفي المقابل تنطوي المقاربة الأوكرانية تجاه إفريقيا على مخاطرة مماثلة، حين تُختزل القارة إلى ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية بدل التعامل معها كوحدة سياسية ذات أولويات مستقلة.

وتعكس التصريحات الرسمية الصادرة عن كييف، التي تؤكد الاستعداد لمواجهة روسيا في أي ساحة، تحولًا في الخطاب من الدبلوماسية إلى منطق الصراع المفتوح، وهو ما يُلقي بظلاله على طبيعة الانخراط الأوكراني في إفريقيا. فمنذ اللحظة التي يُعاد فيها تعريف هذا الحضور بوصفه امتدادًا للمواجهة مع موسكو، يصبح كل عرض أوكراني -سواء في مجالات التدريب العسكري أو نقل التكنولوجيا أو بناء القدرات- محل تقييم إفريقي باعتباره جزءًا من صراع خارجي يُعاد إنتاجه داخل القارة.

وفي هذا السياق تبدو إشكالية الاستقلال الأوكراني أكثر تعقيدًا، إذ إن اعتماد كييف البنيوي على الدعم المالي والعسكري الغربي يحدّ من قدرتها على تقديم نفسها كشريك منفصل عن تلك المنظومة. ويعزز هذا التصور ما يصدر عن شخصيات مثل كيريلوبو دانوف، التي تربط صراحة بين المصالح الأوكرانية واستمرار تدفقات الدعم الخارجي، مما يدفع العديد من الحكومات الإفريقية إلى التعامل مع أوكرانيا باعتبارها امتدادًا غير مباشر للسياسات الغربية، وليس فاعلًا مستقلًا بالكامل.

وقد انعكس هذا التوتر في مواقف عملية على الأرض، من بينها الاحتجاجات الدبلوماسية التي تلقتها البعثات الأوكرانية في عدد من الدول الإفريقية عقب دعوات لتجنيد متطوعين أفارقة، وهي خطوة اعتُبرت انتهاكًا لمبدأ عدم التدخل وتجاوزًا للأطر القانونية المحلية. كما برزت تداعيات أكثر حدة في منطقة الساحل، حيث ارتبط اسم أوكرانيا باتهامات بدعم أطراف مسلحة، على خلفية تصريحات أدلى بها مسئولون أوكرانيون، من بينهم أندريه يوسوف، بشأن تقديم معلومات استخباراتية لجهات مناوئة لعناصر مرتبطة بروسيا. وقد دفعت هذه التطورات دولًا، مثل مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو إلى تصعيد دبلوماسي وصل إلى حد قطع العلاقات مع كييف وتقديم شكاوى رسمية إلى الأمم المتحدة.

في المحصلة لا يتحدد موقع أوكرانيا في إفريقيا فقط بقدرتها على عرض الشراكات أو نقل الخبرات، بل بمدى قدرتها على إقناع شركائها بأنها ليست مجرد أداة في صراع أوسع. ففي بيئة إفريقية تتسم بحساسية عالية تجاه التدخلات الخارجية، لا تُحسم المواقف بناءً على الروايات السياسية أو الخطابات الإعلامية، بل وفق حسابات براجماتية ترتكز على المصالح الاقتصادية الملموسة، والاستقرار طويل الأمد، وهو ما يضع الطموح الأوكراني أمام اختبار حقيقي يتعلق بحدود الاستقلال وفعالية الدور.

التنافس الأوكراني–الروسي في إفريقيا.. صراع النفوذ بين منطق الحرب وحسابات البقاء:

لا يقتصر الحضور الروسي في إفريقيا على كونه تموضعًا جيوسياسي تقليديًا، بل يُوظَّف كأداة لإثبات محدودية فعالية العزلة الغربية، وهو ما تدركه كييف بوضوح، ويفسر في جزء منه إسناد إدارة الملف الإفريقي إلى كيريلوبو دانوف ضمن مقاربة يغلب عليها الطابع الأمني. وفي المقابل تتبنى العديد من الدول الإفريقية موقفًا براجماتيًا تجاه العقوبات الغربية، انطلاقًا من انعكاساتها المباشرة على اقتصاداتها، وتعطيلها لسلاسل الإمداد، وضغطها على معدلات التضخم، مما يجعل أي تدفقات بديلة-خاصة في مجال الطاقة-ذات قيمة عملية تتجاوز الاعتبارات السياسية.

في هذا السياق، يلعب ما يُعرف بالأسطول الروسي غير الرسمي دورًا محوريًا في تزويد القارة بالوقود متجاوزًا القيود الغربية، وهو ما تنظر إليه بعض الحكومات الإفريقية كخدمة استراتيجية تدعم استقرارها الداخلي. غير أن هذا الواقع يضع أوكرانيا أمام معادلة معقدة، إذ تعلن بشكل متكرر عن استهداف هذه الشبكات باعتبارها جزءًا من بنيتها الحربية ضد موسكو. وقد تجسد ذلك في حادثة استهداف ناقلة نفط قبالة سواحل داكار في عام 2025، والتي أسفرت عن أضرار جسيمة واستدعت تدخلًا عاجلًا من السنغال لاحتواء تداعيات بيئية محتملة، رغم غياب إعلان رسمي عن الجهة المنفذة.

ويعكس هذا التباين في التفسير فجوة واضحة بين الرؤية الأوكرانية والأولويات الإفريقية؛ فبينما تُدرج كييف هذه العمليات ضمن سياق مشروع للصراع مع روسيا، تُنظر إليها داخل القارة باعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن اللوجستي والسيادة الوطنية. ومن هذا المنطلق فإن أي طرف يُ Perceivedعلى أنه يعرقل التدفقات الحيوية -بغض النظر عن دوافعه- قد يُعامل كعامل ضغط على الحكومات نفسها، وليس فقط كخصم لقوة خارجية.

استكمالًا يتحدد مستوى تقبل أوكرانيا في إفريقيا وفق معايير واقعية ترتبط بالاستقرار الاقتصادي وضمان الإمدادات، لا بالخطاب السياسي أو الاصطفاف الدولي. وهو ما يفسر التفاوت الكبير في مواقف الدول الإفريقية تجاهها، حيث تحكم هذه المواقف اعتبارات البقاء والمصلحة المباشرة، أكثر من كونها انعكاسًا لمواقف أيديولوجية أو تحالفات تقليدية.

تباين المواقف الإفريقية تجاه أوكرانيا.. بين رفض الأنظمة الحليفة لروسيا وانفتاح الدول الباحثة عن التحديث العسكري:

تعكس ردود الفعل داخل العواصم الإفريقية تجاه الحضور الأوكراني حالة من التباين الحاد، تحكمها اعتبارات داخلية وأمنية أكثر من كونها اصطفافات أيديولوجية. ففي الدول التي ترسخ فيها النفوذ الروسي، مثل مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وجمهورية إفريقيا الوسطى، يتسم الموقف بدرجة عالية من الرفض، حيث ترتبط شرعية الأنظمة الحاكمة -خاصة تلك التي وصلت إلى السلطة عبر انقلابات- بشبكات دعم أمني وفرتها موسكو، تقوم على ضمان استقرار العاصمة، واحتواء التهديدات المسلحة، وإطالة أمد بقاء النظم. ضمن هذا السياق، لا يُنظر إلى أوكرانيا كشريك محتمل، بل كامتداد لصراع خارجي قد يهدد توازنات قائمة بالفعل.

ويتعزز هذا التحفظ في الدول التي تواجه حركات انفصالية أو تمردات داخلية، حيث أثارت سابقة الدعم الاستخباراتي المزعوم لجماعات مسلحة تساؤلات عميقة حول حدود السلوك الأوكراني، وإمكانية تكراره في سياقات أخرى. بالنسبة لهذه الحكومات، لا يتعلق الأمر بموقف من كييف بقدر ما هو تقييم لمخاطر محتملة على استقرارها الداخلي، خاصة في ظل بيئة أمنية هشة.

في المقابل تتبنى بعض الدول مقاربة أكثر انفتاحًا، لا سيما تلك المرتبطة استراتيجيًا بالاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، حيث يُدرج الحضور الأوكراني ضمن إطار أوروبي أوسع، ولا يُقرأ بالضرورة كاستيراد مباشر لصراع مع روسيا. كما تبرز فئة أخرى من الدول التي ترى في أوكرانيا مصدرًا لخبرة عسكرية قابلة للتوظيف، خاصة تلك التي تواجه تحديات إعادة هيكلة جيوشها أو تحديث عقيدتها القتالية. في هذا الإطار تمثل دول، مثل إثيوبيا -في مرحلة ما بعد حرب تيجراي- والصومال في مواجهتها مع حركة الشباب، نماذج لحالات قد تجد في التجربة الأوكرانية قيمة عملية، إلى جانب دول، مثل كينيا ورواندا التي تسعى إلى تطوير قدراتها العسكرية عبر التكنولوجيا والتكتيكات الحديثة، وكذلك تكتلات إقليمية مثل الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي التي تعيد تقييم منظومات حفظ السلام بعد إخفاقات ميدانية.

ويكمن القاسم المشترك بين هذه الدول في أنها لا تبحث عن شريك يوفر حماية للنظام، كما هو الحال في بعض دول الساحل، بل عن نقل معرفة وخبرة عملياتية يمكن توظيفها في سياقات وطنية مختلفة. ومن هذا المنطلق يمكن تقييم النموذج الأوكراني بعيدًا عن اعتبارات الصراع مع روسيا، وعلى أساس قدرته الفعلية على تقديم قيمة مضافة في مجالات التدريب والتحديث العسكري.

مع ذلك لا تتحرك هذه الخيارات في فراغ، إذ تجد أوكرانيا نفسها داخل بيئة تنافسية متعددة الأقطاب في سوق "تصدير الأمن"، حيث تتقاطع أدوار قوى دولية وإقليمية أخرى، تشمل الشراكات العسكرية الغربية، والحضور الصيني عبر البنية التحتية والتدريب، والدور التركي في مجال الطائرات المسيّرة، إلى جانب انخراط قوى أخرى في التمويل والدعم اللوجستي. وعليه فإن مدى قبول أوكرانيا داخل إفريقيا سيظل مرهونًا بقدرتها على التكيف مع هذه البيئة المعقدة، وتقديم عرض يتجاوز منطق الصراع، ويتماشى مع أولويات الدول الإفريقية المتباينة.

خاتمة:

يكشف هذا التقرير أن انخراط أوكرانيا المتصاعد في إفريقيا لا يمكن فصله عن إعادة تشكيل أوسع لدورها الدولي في سياق الحرب مع روسيا، وما نتج عنه من انتقال تدريجي من الدبلوماسية التنموية إلى مقاربة يغلب عليها الطابع الأمني. وبينما سعت كييف في مرحلة سابقة إلى بناء حضور إفريقي قائم على أدوات القوة الناعمة، مثل الأمن الغذائي، والتوسع الدبلوماسي، والتعاون متعدد الأطراف، فإن التحولات الناتجة عن الحرب والاعتماد المتزايد على الدعم الغربي أعادا تعريف هذا الحضور ضمن منطق أكثر ارتباطًا بالقدرات العسكرية وتصدير الخبرة القتالية. وفي المقابل تُظهر ردود الفعل الإفريقية أن معيار القبول لا تحكمه الاصطفافات الدولية بقدر ما تحكمه اعتبارات البقاء والاستقرار والسيادة، حيث تتباين المواقف بين دول ترى في الشراكة مع أوكرانيا فرصة لنقل المعرفة والتحديث العسكري، وأخرى تعتبرها امتدادًا لصراع خارجي أو تهديدًا لتوازناتها الداخلية. ومع تعدد الفاعلين في سوق تصدير النفوذ والأمن داخل القارة، من روسيا إلى الغرب مرورًا بقوى إقليمية أخرى، يصبح الحضور الأوكراني جزءًا من مشهد تنافسي معقد، لا يُحسم فيه النفوذ بالشعارات أو التحالفات، بل بمدى توافق العروض الخارجية مع احتياجات الدول الإفريقية الفعلية. وفي هذا الإطار، يظل القاسم المشترك الأهم في الموقف الإفريقي هو رفض تحويل القارة إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين، بغض النظر عن هوية الفاعل أو طبيعة أدواته.


رابط دائم: