خوارزمية الموت.. كيف تعيد الأتمتة رسم منطق الحروب؟ 26-4-2026 د. خالد وليد محمود * باحث متخصص في السياسة السيبرانية تشهد الحروب المعاصرة تحولاً بنيوياً عميقاً، يتمثل في انتقال مركز الثقل من التفوق العددي أو الناري إلى التفوق الحسابي، أي القدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات وتحويلها إلى قرارات نيرانية في زمن يقترب من اللحظة الآنية. هذا التحول لم يطرأ على المستوى التقني فقط، بل امتد ليعيد تعريف مفاهيم أساسية في النظرية العسكرية، مثل "ساحة المعركة"، و"دورة اتخاذ القرار"، و"هامش الخطأ المسموح"، بل و"المسؤولية القانونية والأخلاقية" عن الفعل القتالي. إن ما يحدث اليوم ليس مجرد أتمتة لأدوات قائمة، بل هو تغيير في الأنطولوجيا العسكرية نفسها: فالحرب لم تعد صراعاً بين جيوش على أرض، بل صراع بين خوارزميات على بيانات، وتُحسم نتائجها في بيئة رقمية قبل أن تنتقل إلى الأرض كمجرد إجراء تنفيذي. في هذا السياق، لم تعد المعركة مواجهة جغرافية يمكن استيعاب مسارها تدريجياً، بل استحالت سباقاً محموماً مع الزمن داخل بيئة رقمية مشبعة بالبيانات، حيث تتدفق المعلومات لحظياً من الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار، فتراجعت قيمة "امتلاك المعلومة" لصالح القدرة الفائقة على معالجتها ودمجها وتحويلها إلى فعل قبل أن تفقد جدواها العملياتية. ومع تضخم حجم هذه البيانات وتسارع تدفقها، أصبح التأخير - ولو لثوانٍ معدودة - كفيلاً بإفراغ القرار العسكري من مضمونه، لتنزاح الحرب من كونها صراعاً على المساحة لتصبح صراعاً على اللحظة، حيث يتحول الزمن نفسه إلى مورد استراتيجي حاسم تُبنى عليه نتائج المعركة قبل أن تتشكل ملامحها على الأرض، بل قبل أن تتاح الفرصة لأطراف النزاع لتكوين صورة واضحة عما يحدث. وفي قلب هذا التحول، تتبلور "الحرب الخوارزمية" كنمط يتجاوز الاستخدام الأداتي للذكاء الاصطناعي ليضعه في صميم بنية القرار العسكري، فالخوارزميات لم تعد تكتفي بتحليل المعطيات، بل أصبحت تُنتج ما يمكن تسميته "المعرفة القتالية"، وذلك عبر دمج كميات هائلة من البيانات متعددة المصادر - بصرية، حرارية، كهرومغناطيسية، صوتية، وحتى بيومترية - لترسم صورة افتراضية كاملة لساحة المعركة. وبفضل تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية، باتت هذه الأنظمة قادرة على تحديد الأهداف وتصنيف أولوياتها وفق نماذج احتمالية معقدة، بل واقتراح التوقيت المثالي للضربة وأحياناً تنفيذها وفق قواعد اشتباك محددة سلفاً. وتشير التجارب الميدانية الحديثة - خاصة في نزاعات كأوكرانيا وناغورني قره باغ - إلى ظهور بنى تقنية متقدمة تُعرف بـ "سحابة القتل" (Kill Cloud)، وهي شبكة عصبية مترابطة تجمع بين أجهزة الرصد ومنصات التحليل وأنظمة الإطلاق، مما قلص دورة "الاستشعار – القرار – التنفيذ" من أيام وساعات إلى أقل من ستين ثانية في السيناريوهات عالية الكثافة. هذا الزمن، الذي يقع عند الحافة القصوى للاستجابة البشرية ويتجاوزها أحياناً، يعني انتقال مركز ثقل الحرب فعلياً من الإنسان إلى النظام، حيث تصبح سرعة المعالجة الحسابية معادلاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن القوة النارية. غير أن هذا التسارع لا يقتصر على الكفاءة التقنية، بل يمتد ليعيد تشكيل منطق الحرب وأخلاقياتها على نحو جذري، ففي النماذج التقليدية كان هناك دائماً هامش زمني يسمح بالتقدير والمراجعة وربما التراجع، وكانت هناك سلسلة قيادة واضحة تحدد المسؤولية عن كل قرار. أما في بيئة الخوارزميات فإن ضغط الوقت يقلص هذا الهامش حتى يكاد يلغيه، محولاً القرار العسكري في كثير من السيناريوهات إلى مجرد نتيجة حسابية ضمن نموذج احتمالي، حيث تختفي الاعتبارات الإنسانية خلف ضرورة السرعة. وهنا تبرز إشكالية "السيادة والمسؤولية" في أبعادها القانونية والأخلاقية؛ فإذا كانت الآلة هي من يقترح الهدف ويحدد الأولوية ويرشح زمن الضربة، فما الذي يتبقى للإنسان سوى دوره الاحتفالي كـ"مصادق" على قرارات سبق أن اتخذتها الخوارزمية؟ الدراسات الميدانية التي أجريت على مشغلي أنظمة القيادة والتحكم شبه المستقلة تشير إلى ظاهرة "التسليم الوظيفي للسلطة" (Functional Authority Transfer)، حيث يتحول وجود الإنسان داخل "حلقة القرار" تدريجياً إلى مجرد نقطة تحقق شكلية، وذلك لسببين رئيسيين: أولاً، لأن سرعة النظام تفوق قدرة الإنسان على التدقيق الحقيقي في زمن المعركة؛ وثانياً، لأن النظام يبني قراراته على كميات من البيانات يستحيل على أي إنسان أن يستوعبها أو يتثبت منها لحظياً. هذه الديناميكية تخلق فجوة معرفية خطيرة: فالنظام الخوارزمي يصبح المرجعية المعرفية الفعلية، بينما يتحول الإنسان إلى مجرد عقدة تأخير يتم السعي لتقليص دورها باستمرار تحت مبرر الفعالية القتالية. وفي هذا السياق، يبرز نوع جديد من الهشاشة الاستراتيجية يتمثل في "تسميم البيانات" أو التلاعب بالخوارزميات عبر ما يُعرف بـ "الهجمات العدائية" (Adversarial Attacks)، حيث يمكن لخلل دقيق في بيانات التدريب أو اختراق محدود لمصدر المعلومات أن يجعل النظام يخطئ في تصنيف الأهداف. والأكثر إشكالية أن هذه الأخطاء، حين تحدث، لا يمكن تداركها بشرياً في زمن المعركة، لأن الإنسان يثق بالآلة أكثر مما يثق بتقديره الذاتي، ولأن النظام لا يترك هامشاً زمنياً كافياً للمراجعة الجادة. والأخطر من ذلك أن أتمتة الصراع بدأت تطمس بشكل منهجي الخطوط الفاصلة التقليدية بين حالة السلم وحالة الحرب، فحين تصبح القدرة على الضرب قائمة على تدفق بيانات مستمر وتحليل خوارزمي لحظي، يمكن للعمليات أن تبدأ وتتصاعد وتنتهي دون إعلان رسمي ودون تجاوز عتبات واضحة، فيما يُعرف بـ "العمليات الرمادية" (Grey Zone Operations) التي تدار بذكاء وحذر تحت عتبة المواجهة الشاملة، حيث لا إعلان حرب ولا معاهدات سلام، فقط ضربات خوارزمية متبادلة يصعب نسبتها أو قياس تأثيرها الفعلي. هذه العمليات تستغل الضبابية الاستراتيجية المتأصلة في البيئة الرقمية: فمصدر الهجوم يمكن تمويهه، والأهداف يمكن أن تكون بنى تحتية حيوية ذات طبيعة مزدوجة (مدنية/عسكرية)، والتوقيت يمكن أن يكون طويل الأمد حتى يصبح من المستحيل تحديد بداية فعلية للعداء. هذه الظاهرة تجعل من الصعب ليس فقط تحديد متى بدأ القتال ومتى ينتهي، بل أيضاً من هو المعتدي ومن هو المدافع، ومن يتحمل المسؤولية القانونية عن الخسائر. إن ما نشهده ليس مجرد ترقية لأدوات القتال، بل تحولاً هيكلياً يمس جوهر الفعل الحربي في بنيته المعرفية ومعاييره الأخلاقية ومفاهيمه الأساسية، حيث تُختصر المسافة بين الوعي والقرار لصالح السرعة الخالصة، وتلغى عملياً فجوة التريث التي كانت تفصل بين جمع المعلومات واتخاذ القرار. وفي خضم هذا التسارع الذي يفلت من الأطر القانونية والأخلاقية القائمة، يبرز سؤال جوهري يتطلب إجابة عاجلة من الباحثين وصناع السياسات: هل لا يزال الإنسان هو صاحب السلطة النهائية على قرار الحرب والسلم، أم أن البنى الخوارزمية، بسرعتها وتعقيدها وطابعها الاحتمالي، أصبحت هي من تحدد منطق الصراع بشكل فعلي، فيما يقتصر دور الإنسان على متابعة تنفيذ قرارات لم يعد له فيها نفوذ حقيقي؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، شكل الحروب في العقود القادمة، وربما شكل السلطة السياسية والعسكرية ذاتها. رابط دائم: