أبعاد الأزمة الأمريكية - الكوبية.. بين السيادة والتبعية
12-4-2026

رحمة محمود
* باحثة فى العلوم السياسية

على بُعد 90 ميلا فقط من سواحل فلوريدا الأمريكية، تعود أجواء الحرب الباردة لتطرق أبواب الكاريبي من جديد، حيث تعيش كوبا اليوم بين نيران العقوبات الأمريكية الخانقة ومطرقة الأزمات الداخلية التي تعصف بالجزيرة. خاصةً أن الأمر بين واشنطن وهافانا لم يعد مجرد "خلاف أيديولوجي" فحسب، بل تحول إلى مسألة "وجود"، فبينما يلوح البيت الأبيض بفرض الاستحواذ الودي على الجزيرة باعتبارها ضرورة للأمن القومي الأمريكي، يتمسك أحفاد فيدل كاسترو بإرث الثورة من الحرية والسيادة المُطلقة. هذا الصدام يضعنا أمام تساؤل مصيري: هل تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل التصعيد أم إننا بصدد فصل جديد قد يُعيد رسم خارطة النفوذ في أمريكا اللاتينية للأبد؟

الجذور التاريخية للأزمة:

حتى نفهم حاضر الأزمة الحالية بين واشنطن وهافانا ما علينا سوى إلقاء نظرة على الماضي، التي تُفسر لنا أن احتدام الأمور لم يكن وليد اللحظة، بل هو نِتاج توتر قائم على مدار أكثر من ستة عقود. حيث تشابكت العوامل السياسية والاقتصادية لتُشكل في النهاية واقعًا مُتأزمًا لا يزال يُلقي بظلاله حتى الآن، إذ يُمكن تفسير هذه الأزمة من خلال:

·        الهيمنة الأمريكية المُبكرة:

تعود الجذور التاريخية للأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وكوبا إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين أدت الحرب الأمريكية الإسبانية إلى إنهاء السيطرة الإسبانية على الجزيرة وفتح المجال أمام نفوذ أمريكي واسع. حيث رسّخت واشنطن حضورها في كوبا سياسيًا واقتصاديًا عبر ترتيبات قانونية مثل تعديل بلات، الذي منحها حق التدخل المُباشر في الشئون الداخلية الكوبية. وبمرور الوقت أصبحت كوبا مُعتمدة بشكل كبير على السوق الأمريكية، وهو ما خلق حالة من التبعية الاقتصادية وأثار استياءً متزايدًا داخل المجتمع الكوبي.

·        التوجه الاشتراكي:

شكلت الثورة الكوبية نقطة تحول حاسمة في مسار العلاقات بين البلدين، حيث قاد فيدل كاسترو حركة ثورية أطاحت بنظام فولغينسيو باتيستا المدعوم من الولايات المتحدة. ومن ثَمّ، تبنّت الدولة توجهًا اشتراكيًا قادها نحو سياسة التأميم والتعاون الصريح مع الاتحاد السوفيتي. وهي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث اعتبرتها الولايات المتحدة تهديدًا مُباشرًا لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وهو ما أدى إلي كتابة فصلٍ جديد من التوتر اللامُتناهي بين واشنطن وهافانا.

·        الحصار الاقتصادى:

في هذا السياق فرضت الولايات المتحدة حصارًا اقتصاديًا شاملًا على كوبا منذ عام ١٩٦٠، ولا يزال مستمرًا حتى اليوم، ليصبح أحد أطول أنظمة العقوبات في التاريخ الحديث. وقد استهدف هذا الحصار قطاعات التجارة والاستثمار والتمويل، بهدف الضغط على الحكومة الكوبية لإحداث تغيير سياسي، إلا أنه في الوقت ذاته ساهم في تعميق الأزمات الاقتصادية والمعيشية داخل الجزيرة، وأصبح عنصرًا مركزيًا في استمرار التوتر بين الطرفين.

·        أزمة الصواريخ الكوبية:

بلغت المواجهة ذروتها عام ١٩٦٢ خلال أزمة الصواريخ الكوبية، عندما قام الاتحاد السوفيتي بنشر صواريخ نووية في كوبا، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض حصار بحري على الجزيرة. وكادت هذه الأزمة أن تتطور إلى مواجهة نووية مباشرة بين القوتين العظميين، قبل أن يتم احتواؤها عبر تسوية سياسية، لكنها تركت أثرًا عميقًا في طبيعة العلاقات الدولية، ورسّخت موقع كوبا كأحد أهم بؤر الصراع خلال الحرب الباردة.

طبيعة الأزمة الحالية:

تمر العلاقات بين واشنطن وهافانا بحالة من التصعيد الحاد والتوتر غير المسبوق. حيث أثرت الأزمة الحالية بصورة واضحة على:

·        المستوى الاقتصادي: قامت الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام الطاقة كورقة ضغط، حيث تُعاني كوبا من أزمة حادة تتمثل في نقص الوقود، وتراجع إنتاج الكهرباء، وارتفاع معدلات التضخم، وضعف القدرة على الاستيراد نتيجة شُح العملات الأجنبية، مما يعني أننا أمام أزمة إنسانية مُتفاقمة.

·        المستوى الداخلي:تصاعدت حدة التوترات الاجتماعية نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية، حيث شهدت البلاد موجات من الاحتجاجات المرتبطة بنقص السلع الأساسية والدواء وانقطاع التيار الكهربائي، وهو ما يعكس تزايد الضغوط على الحكومة الكوبية. وفي هذا السياق، تسعى القيادة الكوبية إلى احتواء الأزمة من خلال إجراءات إصلاحية محدودة، إلا أن هذه الإجراءات تُواجه تحديات كبيرة في ظل القيود الخارجية والداخلية.

·        المستوى الأمني: في فبراير الماضي شهدت العلاقات الأمريكية-الكوبية توترًا أمنيًا، حيث رصدت المياه الإقليمية الكوبية (قبالة الساحل الشمالي) حادث إطلاق نار بين قوات كوبية وقارب أمريكي، مما ترتب عليه تصعيد دبلوماسي، حيث تبادلت الحكومتان الاتهامات بشأن المسئولية عن الحادث. إذ اعتبرت كوبا أن ما حدث يُمثل "انتهاكًا واضحًا" لسيادتها البحرية، بينما أثارت الولايات المتحدة الأمريكية تساؤلات حول ما إذا كان "استخدام القوة" من الجانب الكوبي مُتناسبا مع طبيعة التهديد من عدمه.

·        المستوى الدبلوماسي: "كوبا دولة فاشلة، إنها تلفظ أنفاسها الأخيرة.. أعتقد أنه سيكون لي شرف أخذ كوبا بأي شكل من الأشكال".. هكذا جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي شكلت صدمة في الأوساط الدبلوماسية، مما استدعى ردًا كوبيًا. إذ جاء الرد الأبرز على لسان الرئيس الكوبي ميجيل دياز كانيل، الذي أكد في مقابلة أن كوبا ليست سلعة للبيع. كما شدد على أن القيادة الكوبية تستمد شرعيتها من الداخل وليس من إملاءات واشنطن، واصفًا التهديدات الأمريكية بأنها "حرب عصابات اقتصادية" لفرض وصاية استعمارية جديدة تحت غطاء الأزمات الاقتصادية الخانقة.

أهداف الولايات المتحدة من الحصار الحالي:

تعكس السياسات الحالية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه كوبا مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي تتجاوز الإطار التقليدي للعقوبات الاقتصادية، لتندرج ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل البيئة السياسية والإقليمية المحيطة، حيث ترتبط بالنقاط التالية:

أولًا، تسعى واشنطن إلى ممارسة ضغوط متواصلة بهدف إحداث تغيير سلوك النظام السياسي الكوبي، من خلال تبني إصلاحات سياسية أوسع، وتحسين أوضاع حقوق الإنسان، وذلك وفقًا لما هو مُعلن. لكن الهدف الخَفي، هو سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلي تقليص الطابع الشيوعي للنظام الكوبي، دون أن تُعلن ذلك كهدف صريح، وإنما تطرحه تحت مِظلة "دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان".

ثانيًا، ترتبط هذه السياسة بمحاولة إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في نصف الكرة الغربي، حيث تنظر الولايات المتحدة إلى كوبا باعتبارها نقطة ارتكاز محتملة لنفوذ قوى دولية، مثل روسيا والصين. ومن ثَمّ فإن تقليص هذا النفوذ يُعد جزءًا من استراتيجية احتواء أوسع تهدف إلى الحد من تمدد هذه القوى في المجال الحيوي الأمريكي.

ثالثًا، تعكس أدوات الضغط المُستخدمة تحولًا نوعيًا في طبيعة الاستراتيجية الأمريكية، حيث لم تعد العقوبات تقتصر على الجوانب التجارية والمالية، بل امتدت لتشمل قطاعات حيوية مثل الطاقة. ويبرز ذلك في السعي إلى فرض قيود تؤثر على إمدادات الوقود، بما يؤدي إلى خلق حالة من الاختناق داخل الاقتصاد الكوبي، ويضاعف من حدة الأزمات المعيشية، وهو ما تريده واشنطن كوسيلة ضغط غير مُباشرة على صانع القرار في هافانا.

الأطراف الدولية المتداخلة:

تتداخل في الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وكوبا مجموعة من الأطراف الدولية التي تعكس أبعادًا أوسع من مجرد نزاع ثنائي، حيث تسهم هذه الأطراف في تشكيل مسار الأزمة، فيما يلي تحديد لأهم الأطراف الفاعلة:

1- روسيا: تأتي روسيا في مقدمة الأطراف التي تحافظ على علاقات سياسية وعسكرية مع كوبا، في إطار سعيها لاستعادة نفوذها في مناطق تأثيرها خلال فترة الحرب الباردة، إذ تُمثل كوبا بالنسبة لموسكو نقطة استراتيجية ذات دلالة رمزية، خاصةً في ظل التوترات مع الولايات المتحدة الأمريكية، مما يدفعها إلى تقديم دعم سياسي وربما اقتصادي في بعض الأحيان.

2- الصين: تلعب الصين دورًا متزايد الأهمية، حيث تُركز على البُعد الاقتصادي من خلال الاستثمارات والتعاون التجاري مع كوبا. ويأتي هذا في إطار توسع الصين في أمريكا اللاتينية، وسعيها لتعزيز حضورها الاقتصادي في مناطق جديدة، بما يمنح كوبا بدائل نسبية للتعامل مع الضغوط الأمريكية، حتى وإن كانت هذه البدائل محدودة مُقارنةً بحجم الأزمة.

3- الاتحاد الأوروبي: يظهر دور الاتحاد الأوروبي كطرف يتبنى موقفًا أكثر توازنًا، إذ يسعى للحفاظ على قنوات الحوار مع كوبا، مع التأكيد في الوقت ذاته على قضايا حقوق الإنسان والإصلاحات السياسية.

4- دول أمريكا اللاتينية: هناك حالة من الانقسام الإقليمي، حيث تدعم بعض الدول ذات التوجهات اليسارية كوبا سياسيًا وفي مقدمتها فنزويلا، التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع هافانا، خاصةً في مجال الطاقة. كذلك تميل بعض الحكومات في دول، مثل بوليفيا ونيكاراجوا إلى تبني مواقف داعمة لكوبا، انطلاقًا من تقارب قائم على رفض السياسات الأمريكية في المنطقة.

في المُقابل تتبنى دول أخرى في المنطقة مواقف أكثر تحفظًا، مثل البرازيل والمكسيك، حيث تسعى هذه الدول إلى الحفاظ على علاقات دبلوماسية مع كوبا، دون الدخول في مواجهة مُباشرة مع الولايات المتحدة. أما الدول ذات التوجهات الليبرالية أو القريبة من واشنطن مثل كولومبيا، فقد تُبدي مواقف أكثر انتقادًا للنظام الكوبي، خاصةً فيما يتعلق بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

السيناريوهات المستقبلية:

تتعدد السيناريوهات المستقبلية للأزمة بين واشنطن وهافانا، حيث يُمكن تناول أبرز هذه السيناريوهات على النحو التالي:

1- الجمود: أي يبقي الوضع كما هو عليه، مع استمرار الحصار الاقتصادي وبقاء قنوات الاتصال المحدودة مع إمكانية استكمال المفاوضات. ويُعد هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب.

2- التصعيد: يتمثل في تصعيد الأزمة، سواء من خلال تشديد إضافي للعقوبات أو إنهاء كافة سُبل المفاوضات، وقد يترتب عليه زيادة التوتر الدبلوماسي، وربما توسيع نطاق المواجهة بشكل غير مُباشر، وهو ما يؤدي إلي تفاقم الأزمة الاقتصادية وتصاعد الضغوط الاجتماعية.

3- الانفراجة: من خلال تخفيف محدود للعقوبات مُقابل خطوات إصلاحية من الجانب الكوبي. وقد يشمل ذلك توسيع مجالات التعاون الاقتصادي أو تسهيل بعض القيود.

4- تكرار السيناريو الفنزويلي: هُناك هاجس من تكرار السيناريو الفنزويلي، المُرتبط بالإطاحة بالرئيس السابق نيكولاس مادورو في فنزويلا، خاصةً في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية. ومع ذلك يبقى تحقق هذا الاحتمال محدودا نسبيًا، نظرًا لطبيعة النظام الكوبي الأكثر تماسكًا، وضعف وجود معارضة مُنظمة قادرة على إحداث تحول جذري مماثل.

ختامًا، وصلت حدة الصراع بين واشنطن وهافانا إلي "عُنق الزجاجة"، حيث يضغط ترامب لفرض صفقة تُنهي صراع العقود من منظوره، بينما تتمسك هافانا بكرامتها وسيادتها. والسيناريو الأرجح الآن هو العودة إلي طاولة المفاوضات مرة أخرى مع إمكانية عقد "اتفاق اضطراري" يُخفف الحصار. لكن بطبيعة الحال من المُمكن حدوث تغيرات مُفاجئة في المعطيات الإقليمية أو الدولية بما يُغير المشهد بأكمله، لتكون الجزيرة على موعد إما مع الصدام المُباشر أو الهدوء الحذر.


رابط دائم: