الدين والسلطة والميزانية.. ثلاثية تفكيك النموذج الليبرالي في إسرائيل
12-4-2026

وداد العربي
* باحثة في الشأن الإسرائيلي

في لحظة سياسية شديدة الاحتدام تتقاطع فيها مسارات الحرب مع مسارات التشريع، تعود المحكمة العليا الإسرائيلية إلى صدارة المشهد بوصفها آخر خط دفاع مؤسسي عن البنية القانونية في كيان الاحتلال الإسرائيلي، في وقت تتسارع فيه تحولات عميقة تمس طبيعة النظام السياسي نفسه. خلال الأسبوع الماضي، قُدمت ثلاثة التماسات مركزية أمام المحكمة العليا تطعن في ثلاثة قوانين مثيرة للجدل:

1- قانون عقوبة إعدام الأسرى الفلسطينيين.

2- قانون توسيع صلاحيات المحاكم الدينية.

3- قانون تحويل الأموال الائتلافية ضمن الميزانية العامة.

وعلى الرغم من اختلاف مجالات هذه القوانين بين القضاء، والجنائيات، والمال العام، فإنها تتقاطع جميعا عند سؤال بنيوي واحد يتعلق باتجاه الدولة: هل تشهد إسرائيل مسارا متدرجا نحو نموذج تشريعي ذي طابع ديني يُعيد تشكيل علاقتها بمبادئ الديمقراطية الليبرالية التقليدية؟

ولا يمكن التعامل مع هذه الطعون باعتبارها خلافات قانونية معزولة أو نقاشات تقنية داخل المنظومة القضائية، بل بوصفها انعكاسا لصراع أعمق حول هوية الدولة وحدود سلطة الأغلبية البرلمانية، فضلا عن موقع المحكمة العليا نفسها كفاعل يوازن بين الدين، والسياسة، والقانون في لحظة إعادة تشكيل دستوري غير معلن داخل إسرائيل.

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين:

يبرز قانون عقوبة إعدام الأسرى الفلسطينيين -القانون الأول المطعون فيه- في صيغته المطروحة بوصفه أحد أكثر التشريعات إثارة للجدل داخل إسرائيل، ليس فقط لطبيعته العقابية، بل لكونه –وفقا للطعون المقدمة– يُطبق بصورة انتقائية تستهدف العرب دون الإسرائيليين في حالات متشابهة. تم تقديم ثلاثة التماسات رئيسية ضد القانون من قبل منظمات إسرائيلية، مثل "عدالة"، و"الجمعية لحقوق المواطن"، وعضو الكنيست جلعاد كريب من حزب "الديمقراطيون"، ومعهد زولات، ومنظمة "صوت حاخامات من أجل حقوق الإنسان"، إلى جانب جهات سياسية وحقوقية أخرى، أكدت جميعها أن القانون يحمل في جوهره طابعا تمييزيا واضحا.

وتستند هذه الطعون إلى مزيج من الحجج القانونية والأخلاقية، إذ يشير مقدموها إلى أن القانون، الذي تم الدفع به من قبل تيارات يمينية متشددة، يفرض عقوبة الإعدام على متهمين عرب في قضايا "إرهاب"، دون أن ينطبق بالصيغة نفسها على يهود في جرائم مماثلة. وقد انعكس هذا الجدل في تغطيات صحفية عبرية لموقع كالكاليست، الذي تناول الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث تعارض قطاعات من النخب القانونية والأكاديمية هذا التوجه، محذرة من تداعياته على مبدأ المساواة أمام القانون.

كما يستند بعض المعارضين داخل إسرائيل إلى مرجعيات دينية يهودية تاريخية عبّرت عن رفض تطبيق عقوبة الإعدام، إلى جانب مواقف فكرية حديثة ترفض منح الدولة سلطة سلب الحياة. وفي هذا السياق برزت اقتباسات في الالتماسات من شخصيات دينية وفكرية تؤكد أن العدالة لا يمكن أن تُبنى على الانتقام، بل على معايير قانونية صارمة ومحايدة.

إلا أن الإشكال بالفعل يتجاوز البعد القانوني ليصل إلى مستوى أعمق، حيث يتم النظر إلى القانون كجزء من توظيف النظام الجنائي في سياق الصراع القومي، بما يعزز مخاوف من "تسييس العقوبة" وتحويلها إلى أداة ردع موجهة ضد فئة بعينها.

 يعتبر هذا التشريع مؤشرا على انتقال تدريجي نحو منظومة قانونية ذات طابع هوياتي، تُعيد تعريف العدالة وفق الانتماء القومي.

أما على مستوى التبعات فإن أخطر ما يطرحه القانون هو إشكالية "اللا رجعة"، إذ إن تنفيذ أحكام الإعدام –في حال إقرارها– قد يخلق واقعا لا يمكن تصحيحه لاحقا، مما يضع المحكمة العليا أمام اختبار حاسم بين اعتبارات الأمن وضمانات العدالة في سياق سياسي شديد الاستقطاب.

المحاكم الدينية في إسرائيل:

يتعلق القانون الثاني المطعون فيه بتوسيع صلاحيات المحاكم الحاخامية لتعمل كهيئات تحكيم في قضايا كانت حتى وقت قريب ضمن الاختصاص الحصري للقضاء المدني، وهو تطور تصفه الالتماسات المقدمة من منظمات حقوقية ومهنية بأنه تحول بنيوي في طبيعة النظام القضائي الإسرائيلي. فبدلا من بقاء المحاكم الدينية محصورة في نطاق الأحوال الشخصية، أصبح بالإمكان توسيع دورها ليشمل نزاعات مدنية وتجارية، بما يفتح الباب أمام ازدواجية قانونية داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي. وقد تناول تقرير في صحفة ذا ماركر العبرية هذا التوجه بوصفه جزءا من "تعميق الطابع الديني داخل مؤسسات الدولة"، مع تحذيرات من تآكل مبدأ وحدة النظام القضائي.

وتشير الالتماسات إلى أن الإشكال لا يقتصر على البنية المؤسسية فقط، بل يمتد إلى جوهر القواعد القانونية التي تستند إليها هذه المحاكم، إذ تعتمد على منظومة دينية تقليدية يتم اتهامها بأنها تمنح امتيازات معيارية للرجل على حساب المرأة، ولليهودي على غير اليهودي، وهو ما يتعارض مع مبادئ المساواة المدنية كما تبلورت في القضاء الدستوري الحديث. كما يحذر "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" في تحليلاته من أن نقل جزء من النزاعات المدنية إلى منظومات دينية قد يؤدي إلى تفكيك تدريجي لمبدأ حياد القانون، وإضعاف تراكمات طويلة من اجتهادات محاكم العمل التي أسست لحقوق العمال والحماية الاجتماعية.

ومن زاوية التحليل العربي، يتم النظر إلى هذا التطور باعتباره جزءا من مسار أوسع لإعادة "هندسة المجال القانوني" داخل إسرائيل، بحيث لا يعود القانون مجرد إطار مدني موحد، بل بنية متعددة المستويات تعكس توازنات دينية وسياسية. ويُقرأ هذا التحول أيضا باعتباره إعادة إنتاج لعلاقة الدولة بالهوية، حيث يصبح الانتماء الديني عاملا غير مباشر في تحديد مسارات التقاضي والعدالة.

أما على مستوى التبعات فإن أخطر ما في هذا المسار هو طبيعته التدريجية، إذ لا يتم عبر تغيير دستوري صريح، بل من خلال تراكم تشريعات متفرقة تجعل من الصعب رصد التحول في لحظته الأولى، لكنه يصبح واضحا عند اكتمال الصورة: نظام قضائي مزدوج يعيد تعريف فكرة "المساواة أمام القانون" داخل الدولة. وفي هذا السياق تتحول المحكمة العليا إلى ساحة مواجهة مركزية بين رؤية ليبرالية تحاول الحفاظ على وحدة النظام القضائي، وبين تيار سياسي-ديني يسعى إلى إعادة صياغته من الداخل.

تسييس إدارة الموارد العامة في إسرائيل:

يتعلق القانون الثالث المطعون فيه بتحويلات مالية ضخمة ضمن الميزانية العامة، حيث تشير الالتماسات إلى تخصيص مليارات الشواكل عبر بنود وُصفت بأنها "ائتلافية" أو "تحويلات سياسية" لا تخضع بالقدر الكافي للرقابة البرلمانية. وتؤكد هذه الطعون أن هذه التحويلات تمت في سياق حرب وضغط أمني واسع، مما ساهم في تمريرها بهدوء نسبي بعيدا عن التدقيق الإعلامي والجماهيري. وقد تناولت تقاريرعبرية هذه الظاهرة باعتبارها جزءا من اتساع ما يُعرف بـ "اقتصاد الائتلاف"، حيث تُستخدم الميزانية العامة كأداة لتثبيت التوازنات السياسية داخل الحكومة بدلًا من كونها أداة تخطيط وطني مستقل.

وتكمن الإشكالية الأساسية، وفق الالتماسات، ليس فقط في حجم الأموال الموجهة، بل في آلية توزيعها، إذ يتم تمريرها عبر تفاهمات سياسية داخل الائتلاف الحاكم، غالبا لصالح قطاعات دينية أو مؤسسات مرتبطة بأحزاب سياسية، وهو ما يثير تساؤلات حول مبدأ العدالة في توزيع الموارد العامة. ويشير "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" في تحليلاته إلى أن تآكل الرقابة البرلمانية في قضايا الميزانية يمثل أحد أخطر مؤشرات إضعاف النظام الرقابي الإسرائيلي، خاصة في ظل توسع صلاحيات وزارة المالية بشكل يجعلها مركز ثقل شبه مستقل في إدارة الموارد.

ومن منظور التحليل العربي، يُنظر إلى هذا المسار باعتباره امتدادا لعملية "تسييس الاقتصاد"، حيث لا تعود الميزانية العامة أداة حيادية لإدارة إسرائيل، بل تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والديني عبر التمويل. ويعتبر هذا النمط جزءا من إعادة تشكيل البنية الاجتماعية، إذ يتم استخدام الدعم المالي لتعزيز شبكات الولاء بدلا من تحقيق التنمية المتوازنة أو العدالة الاجتماعية.

أما على مستوى التبعات فإن أخطر ما تكشفه هذه الحالة هو تآكل مبدأ الشفافية المالية تدريجيا، وتحول الكنيست من سلطة رقابية إلى ساحة تمرير تفاهمات ائتلافية. كما أن استمرار هذا النمط يعزز الفجوة بين المركز السياسي والمجتمع داخل الكيان، بل ويزيد من الطابع التمييزي في توزيع الموارد، بما يعيد تشكيل الداخل الإسرائيلي عبر أدوات مالية لا تقل تأثيرا عن التشريع أو القضاء.

تعريف الهوية كمحور من محاور التشريع الإسرائيلي:

عند النظر إلى هذه القوانين الثلاثة مجتمعة، يتضح أن الإشكال لا يتعلق بكل قانون على حدة بقدر ما يرتبط بالاتجاه العام الذي تعكسه المنظومة التشريعية الحالية. فبحسب تحليلات متكررة في صحف عبرية مختلفة، وكذلك تقارير "معهد الديمقراطية الإسرائيلي"، هناك نمط تشريعي متصاعد يقوم على ثلاثة محاور مركزية:

1- توسيع حضور الدين داخل المجال العام.

2- إعادة تعريف العلاقة بين كيان الاحتلال الإسرائيلي والجمهور هنا على أساس "الهوية".

3- إعادة توزيع الموارد العامة بما يعزز تماسك الائتلاف السياسي اليميني الحاكم.

هذا التلاقي بين الدين، والسياسة، والاقتصاد لا يُقرأ في الخطاب العبري النقدي باعتباره سلسلة قوانين منفصلة، بل كجزء من "تحول بنيوي تدريجي" في طبيعة النظام السياسي، حيث تتراجع مركزية إسرائيل المدنية لصالح منظومات معيارية تستند إلى الهوية الدينية أو الانتماء السياسي. هذا النمط من التشريع والتمويل يخلق تراكبا بين السلطة التشريعية، والمالية، والدينية، بما يضعف مبدأ الفصل بين السلطات.

ومن زاوية أخرى يمكن قراءة هذا المسار بوصفه "إعادة هندسة دستورية غير معلنة"، لا تتم عبر دستور مكتوب أو إعلان رسمي، بل عبر تراكم تشريعات جزئية تُعيد تشكيل العلاقة بين القانون، والهوية، والموارد. فحياة كيان الاحتلال الإسرائيلي هنا لا تتحول دفعة واحدة، بل عبر إعادة تعريف بطيئة لمفهوم المواطنة، بحيث يصبح الانتماء الديني أو السياسي عنصرا غير مباشر في تحديد موقع الفرد داخل المنظومة القانونية والاقتصادية.

وفي هذا السياق تبرز المحكمة العليا كفاعل محوري يتجاوز دورها التقليدي كجهة قضائية، لتصبح جزءا من الصراع على شكل النظام السياسي نفسه. فبحسب قراءات قانونية إسرائيلية، تُدفع المحكمة اليوم إلى موقع "الحكم الدستوري الأخير" في مواجهة تشريعات متسارعة تعيد رسم حدود السلطة التشريعية. غير أن هذا الدور يضعها في قلب مواجهة مفتوحة بين منطق الأغلبية البرلمانية ومنطق الضوابط الدستورية، مما يجعل مستقبل التوازن المؤسسي داخل إسرائيل مرهونًا بقدرتها على الصمود أمام هذا الضغط المتصاعد.

المحكمة العليا بين ضغط الشارع وضغط الدولة:

تواجه المحكمة العليا الإسرائيلية في هذه المرحلة اختبارا بالغ التعقيد، يتجاوز حدود التفسير القانوني التقليدي إلى قلب الصراع حول شكل النظام السياسي نفسه. فمن جهة، يتصاعد ضغط الحكومة والكنيست لتقليص صلاحيات المحكمة وإعادة تعريف حدود تدخلها في التشريع، وهو ما يُعرف بـ "الإصلاح القضائي" أو "الانقلاب الدستوري". ومن جهة أخرى، تتزايد الالتماسات المقدمة من منظمات المجتمع المدني، التي تطالب المحكمة بالتدخل لوقف ما تصفه بـ"الانزلاق التشريعي" نحو تقويض أسس النظام الديمقراطي.

هذا التوازن الهش يضع المحكمة في موقع دفاعي غير مسبوق، حيث لم تعد وظيفتها مقتصرة على تفسير القانون أو الفصل في النزاعات، بل أصبحت مطالبة بالتصدي لمحاولات إعادة تشكيل البنية الدستورية ذاتها عبر التشريع. وتشير تحليلات "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" إلى أن هذا الوضع يعكس انتقال المحكمة من دور "الحَكَم القانوني" إلى دور "الحارس الدستوري الأخير"، في ظل تآكل تدريجي في آليات الضبط والتوازن بين السلطات.

لكن الإشكال الجوهري، كما يبرز في النقاشات الإسرائيلية، يتمثل في المفارقة البنيوية التي تواجهها المحكمة: فأي تدخل قضائي واسع في التشريعات قد يتم اتهامه بأنه تدخل غير مشروع في إرادة الأغلبية المنتخبة، مما يفتح باب أزمة ديمقراطية تتعلق بشرعية القضاء ذاته. وفي المقابل فإن الامتناع عن التدخل قد يتم فهمه على أنه قبول ضمني بتحولات تشريعية تمس جوهر النظام السياسي وتعيد صياغة قواعده الأساسية.

ومن منظور آخر يمكن قراءة هذا المشهد باعتباره لحظة إعادة تعريف لمبدأ الفصل بين السلطات داخل نظام سياسي يعيش حالة استقطاب حاد، حيث لم يعد الصراع بين الحكومة والمعارضة فقط، بل بين منطق "الأغلبية السياسية" ومنطق "الضوابط الدستورية". واستمرار هذا التوازن المعلق قد يقود إلى فراغ معياري تدريجي، تصبح فيه المحكمة عاجزة عن ضبط المسار التشريعي دون أن تفقد شرعيتها السياسية.

خاتمة: إسرائيل بين نموذجين:

في النهاية تكشف الطعون الثلاثة عن لحظة مفصلية في التاريخ السياسي والقانوني لكيان الاحتلال الإسرائيلي، تتجاوز كونها مجرد اعتراضات على قوانين بعينها، لتصبح تعبيرا مكثفا عن صراع أعمق وأكثر تركيبا حول هوية إسرائيل ذاتها واتجاهها المستقبلي. فالسؤال الذي يفرض نفسه في خلفية هذا الجدل لا يتعلق فقط بتفاصيل التشريع، بل بطبيعة النموذج السياسي الذي يتشكل:

«هل تستمر إسرائيل في كونها دولة ديمقراطية ليبرالية تقوم على التعددية القانونية والمؤسسية، أم تنزلق تدريجيا نحو نموذج يدمج البنية الدينية في صلب الدولة ويعيد صياغة مفهوم المواطنة والسلطة على أسس "هوية الفرد في إسرائيل"؟

إن ما يجري لا يمكن اختزاله في سلسلة إصلاحات متفرقة، بل هو مسار تراكمي يعيد ترتيب العلاقة بين السلطات الثلاث: التشريعية، والقضائية، والتنفيذية، في ظل توسع واضح في نفوذ الأغلبية السياسية على حساب الضوابط المؤسسية التقليدية. ومن منظور أوسع فإن هذه التحولات تعكس حالة إعادة هندسة هادئة لمفهوم بناء كيان الاحتلال الإسرائيلي، حيث يتم تمرير تغييرات بنيوية تحت عناوين تقنية، مثل الأمن، أو الميزانية، أو التنظيم القضائي.

وفي ظل هذا التشابك تصبح المحكمة العليا آخر مساحة اختبار حقيقية لقدرة النظام على الحفاظ على توازنه الداخلي، ليس فقط بوصفها جهة قضائية، بل باعتبارها الضامن الأخير لعدم تحول الصراع السياسي إلى تحول دستوري جذري لا رجعة فيه.


رابط دائم: