أدت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران التى انطلقت فى 28 فبراير2026 إلى إحداث تهديد خطير لبيئة الأمن الإقليمى فى المنطقة العربية وجوارها الإقليمى، وهى التى تشهد حالة مستمرة من التهديد والاضطراب، خلال السنوات القليلة الماضية منذ هجوم طوفان الأقصى الذى شنته حركة حماس تجاه المستوطنات الإسرائيلية، وما نتج عنه من عدوان إسرائيلى شامل على قطاع غزة، ودخول حزب الله كطرف مساند لحركة حماس، وما ترتب عليه من عدوان إسرائيلى لجنوب لبنان، انتهى باتفاق يقيد من قدرات ودور حزب الله، ومن ناحية أخرى سقوط حكم بشار الأسد فى سوريا، وما ترتب عليه من ضرب مفهوم «وحدة الساحات» بقطع التواصل الجغرافى بين إيران وحلفائها، وكذلك بوجود نظام حكم جديد فى دمشق معادٍ لإيران، إلى جانب تصاعد دور الحوثيين كطرف فاعل ومهدد لأمن الملاحة فى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى جانب ما طرحته الحرب الإسرائيلية على إيران فى يونيو 2025 من تهديدات لبيئة الأمن الإقليمى(1).
تشهد منطقة الشرق الأوسط تهديدات جديدة للأمن الإقليمى، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا جويًّا واسع النطاق على إيران بعد جولات متعددة من المفاوضات فى مسقط وجنيف برعاية سلطنة عُمان، وكانت على وشك إنجاز محددات لاتفاق نووى جديد. وقد شكل هذا العدوان تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار المنطقة، وعُدَّ بمنزلة مخالفة صريحة لمبادئ القانون الدولى، وانتهاكا لميثاق الأمم المتحدة والشرعية الدولية(2).
وقد أعلن الجيش الإسرائيلى أنه شن أكبر هجوم جوى فى تاريخه ضد أهداف واسعة النطاق فى إيران، شملت منظومات الصواريخ والدفاع، ومراكز سيادية، من بينها وزارة الاستخبارات، ومكتب المرشد الإيرانى الأعلى ومحيط بيته، ومجلس الأمن القومى الإيرانى، ومجلس الخبراء، وجرت عملية اغتيال قيادات إيرانية رفيعة، فى مقدمتهم المرشد الأعلى خامنئى(3).
أكد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن الضربات تهدف إلى إنهاء تهديد إيران الذى استمر لعقود وضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووى، لكن الرد الإيرانى جاء سريعًا ومكثفًا، من خلال عملية «الوعد الصادق 4»، التى شملت إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية تستضيفها.
وقد قتل مع المرشد الأعلى الإيرانى، من جراء الهجوم، وزير الدفاع، أمير ناصر زاده، وقائد الحرس الثورى، محمد باكبور، فضلًا عن مقتل خمسة من القادة العسكريين الكبار، من بينهم على شمخانى، مستشار الزعيم الإيرانى، وعدد من أفراد أسرة المرشد الأعلى الراحل خامنئى، كما قصفت إسرائيل مدرسة ابتدائية للبنات فى بلدة «ميناب» جنوب إيران، ما أسفر عن مقتل 85 شخصا(4).
أولا- استمرار الحرب وخسائر الأطراف:
خلال أسبوعين من الحرب، منيت أطرافها بخسائر عديدة، فإيران لديها آلاف القتلى والجرحى، وتم تدمير منشآت مدنية، واستهداف بنية الصواريخ والقواعد العسكرية، وحدوث ارتباك فى أجهزة الأمن الداخلى بعد موجة الضربات الأولى(5).
يضاف إلى ذلك حدوث ضغوط متزايدة على الاقتصاد الإيرانى المنهك أصلا من العقوبات، مع تصاعد العزلة الدولية، لكن فى المقابل، لاتزال إيران تمتلك أدوات ردع غير تقليدية، مثل الصواريخ الباليستية، حيث شنت حتى 14 مارس 2026 موجة من هجمات عملية «الوعد الصادق ٤» فضلًا عن إمكانية توظيفها للوكلاء، وتهديد الملاحة فى مضيق هرمز، وتهديد أمن دول الخليج، بحيث تجعل الحرب مكلفة لجميع الأطراف.
أما بالنسبة لإسرائيل، فقد أدت الحرب -كما هو معلن- إلى مقتل (12) من المدنيين نتيجة الضربات الصاروخية الإيرانية -منهم (9) قتلوا فى ضربة صاروخية على مدينة «بيت شيمش» قرب القدس- وإصابة أكثر من 1600 شخص، ومقتل جنديين إسرائيليين.
كما تمكنت الصواريخ الإيرانية من اختراق الدفاعات، واستطاعت ضرب مناطق عسكرية وقواعد جوية، كما استهدفت تل أبيب ومحيطها وعدة مدن فى وسط إسرائيل، وإصابة منشآت وبُنى تحتية مدنية وعسكرية بشكل متفرق، مع ملاحظة أن إسرائيل تفرض تعتيما شبه كامل على تفاصيل الخسائر البشرية فى صفوف الجيش، ومن ثم تجب الإشارة إلى عدم دقة أرقام الخسائر لدى تل أبيب(6).
أما خسائر الولايات المتحدة -وفق ما هو معلن- فقد أسفرت الحرب عن مقتل نحو 9 جنود أمريكيين، وإصابة نحو 150 عسكريا أمريكيا بجروح، كما قتل أربعة جنود فى حادث تحطم طائرة أمريكية للتزود بالوقود فى العراق(7).
وقد شهدت الولايات المتحدة خسائر فى المعدات والبنية العسكرية، منها: خسارة 11 طائرة مسيّرة أمريكية، تبلغ قيمتها أكثر من 330 مليون دولار، وتدمير أو تضرر رادار إنذار مبكر أمريكى متطور فى قاعدة العديد فى قطر، وتقدر قيمته بنحو 1.1 مليار دولار، وأيضًا تضرر نحو 17 موقعا عسكريا أمريكيا فى الشرق الأوسط نتيجة الهجمات الإيرانية التى استهداف أنظمة القيادة والإنذار المبكر وتدمير عدة رادارات باهظة الثمن. وعليه، فقد تكبدت الولايات المتحدة تكلفة مالية مرتفعة بمليارات الدولارات خلال فترة قصيرة، كما تعانى استنزافا استراتيجيا نتيجة انتشار القوات الأمريكية فى عدة جبهات فى الشرق الأوسط.
الثابت حتى كتابة هذا التقرير أن كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل لم تنجحا فى تحقيق أهدافهما من الحملة على إيران، سواء تغيير النظام أو إنهاء البرنامج النووى، ولا تزال إيران تتبادل الهجمات القاسية مع إسرائيل، والحرب مرشحة للاستمرار مع احتمال اتساع نطاقها بدخول أطراف أخرى، أو تصبح حرب «استنزاف عالمية فى ظل وجود قوى عالمية داعمة لطهران، مثل روسيا والصين.
ثانيًا- تهديد أمن دول الخليج:
يتعرض أمن الخليج لتهديدات أكثر خطورة عن ذى قبل، حيث تقع دول الخليج فى مرمى النيران، وأى خطأ فى التقدير يمكن أن يصبح أمن الخليج مهددًا بشكل كبير، فقد جاء الهجوم الأمريكى، ليزيد من المخاطر على أمن دول الخليج بدلا من احتوائها، كما أن استهداف إيران القواعد الأمريكية فى الخليج عرّض أمن الخليج للخطر، وأصبح على المحك(8)، وتحرص دول الخليج، دائمًا على تجنب الصراع المباشر، لكن لا يمكنها قبول أى أعمال عدائية تمس سيادتها أو أمنها الداخلى، وقد أعلنت العواصم الخليجية صراحة رفضها للتصعيد العسكرى، ورفضت استخدام أراضيها فى ضرب إيران، لأن ذلك يعد خروجا واضحًا عن مبدأ حسن الجوار.
أيضا، سوف تقوّض الهجمات الإيرانية الثقة السياسية التى سعت طهران إلى بنائها خلال السنوات الأخيرة مع العواصم الخليجية عبر مسارات تطبيع أو حوارات أمنية. فبدلًا من ترسيخ مسار بناء الثقة، أعادت طهران إنتاج معادلة الشك والردع، وهو ما سيلغى أية احتمالات مستقبلية لتأسى نظام إقليمى للأمن الجماعى.
فقد أطلقت إيران سلسلة هجمات صاروخية ومسيّرة على مواقع فى دول الخليج، ما عطل حركة الطيران، وأغلق المجال الجوى فى أجزاء من المنطقة، وجعل دول الخليج على خطوط المواجهة مباشرة -ليس فقط كحلفاء للولايات المتحدة- بل كأهداف محتملة لهجمات انتقامية غير متوقعة.
وقد أدانت كثير من دول الخليج الضربات الإيرانية بشدة، إذ وصفتها السعودية بأنها «عدوان إيرانى سافر»، فيما وصفتها الإمارات بأنها «انتهاك صارخ للسيادة الوطنية». وعليه، سعت هذه الدول إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوى وإعادة تموضع القوات، لكن التخوف القائم الآن هو ألا تقتصر هجمات طهران عند استهداف القواعد العسكرية، بل تمتد إلى استهداف المدنيين والمرافق الحيوية.
وقد أكد وزير الخارجية الإيرانى، عباس عراقجى، أن طهران لا تهاجم جيرانها فى الخليج، بل تستهدف الوجود الأمريكى فى أراضيهم، وقال: «لا يمكن نضرب هدفًا فى الولايات المتحدة، لذلك علينا أن نستهدف قواعدها فى المنطقة»، فى حين اعتذر الرئيس الإيرانى، مسعود بزشكيان، عن استهداف دول الخليج العربية، وتعهد بعدم مهاجمتها مستقبلًا بشرط عدم استخدام أراضيها منطلقًا للهجوم على إيران، فيما تجدد العدوان على دول الخليج بعد ساعات من هذا الإعلان، وقد أعلن المرشد الإيرانى الجديد، مختبى خامنئى، أن القواعد الأمريكية فى دول الخليج ستظل هدفًا لإيران، وأن على دول الخليج أن تجد حلًا للتخلص منها.
والحقيقة أن إيران تستهدف من قصف هذه القواعد رفع تكلفة العدوان الإسرائيلى-الأمريكى على المستويين الإقليمى والعالمى، وعلى المستويين الجيواستراتيجى والاقتصادى، بغضّ النظر عن السلوك السياسى للدول المستهدفة، لكن ذلك الأمر أحدث غضبًا خليجيًا عامًا على طهران(9).
الخلاصة، هنا، أن أمن الخليج يشهد انكشافًا خطيرًا، والأمن الوطنى هو المقدس الأول للدول كافة، فقد أثبتت التجربة أن القواعد الأمريكية أصبحت عبئًا على دول الخليج. فقد كان الاعتقاد الخليجى السائد بأن وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها سيترجم إلى دعم أمنى أمريكى فى تأمين الأمن الخليجى، لكن ذلك لم يحدث، فهى لم تستطع صد الهجمات الإيرانية الحالية، ولم تمنع القصف الإسرائيلى للدوحة فى أغسطس 2025، عندما استهدفت عناصر من حركة حماس هناك.
والآن، تتشكك دول الخليج بالفعل فى جدوى هذه القواعد، إذ لم يعد الوجود العسكرى الأمريكى ومنظوماته الدفاعية يضمنان الحماية الفعلية لدول الخليج، حال تعرضها لهجوم(10)، الأمر الذى سيدعو حتمًا هذه الدول إلى البحث عن صيغ بديلة لتحقيق الأمن الخليجى، سواء كانت صيغا خليجية مشتركة، من خلال تعظيم قدراتها الدفاعية الذاتية، إلى جانب تفعيل اتفاقية الدفاع العربى المشترك، أو تأسيس قوات عربية مشتركة ضمانا للأمن العربى الجماعى على نحو ما دعت إلى ذلك مصر فى وقت سابق.
ثالثًا- انتهاك السيادة الوطنية:
ترتب على الحرب الإسرائيلية على إيران فى صيف 2025 انتهاك السيادة الوطنية للدول، سواء من خلال تعرض الدولة للعدوان أو اختراق المجال الجوى للعديد من الدول(11)، وهو الأمر الذى تكرر مجددًا فى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران:
أ- تعرض الدولة للعدوان: فقد نص ميثاق الأمم المتحدة فى المادة (2/4) على امتناع جميع أعضاء الأمم المتحدة فى علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسى لأى دولة، أو بأى طريقة أخرى لا تتفق مع مبادئ منظمة الأمم المتحدة.
فقد كان الاستهداف الأمريكى-الإسرائيلى لإيران خارج إطار مجلس الأمن ودون مبرر دفاع شرعى حقيقى، ما يُعد انتهاكًا صارخًا للقرار 3314 الذى يعرِّف العدوان، الصادر عن الجمعية العامة للأم المتحدة فى 14 ديسمبر 1974، كما يعد الاعتداء على دول الخليج من قبل طهران، ضمن نطاق جريمة العدوان بموجب القانون الدولى.
فى هذا السياق أطلقت إيران صواريخ على مدن الخليج فى أبوظبى ودبى والدوحة، استهدفت العديد من الأهداف المدنية والعسكرية، كما تعرض مركز الخدمة التابع للأسطول الأمريكى الخامس لهجوم صاروخى، كما أكدت الكويت تعرض قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها لهجوم صاروخى(12).
ب- اختراق المجال الجوى:فقد ثبت اختراق المجال الجوى من قبل إسرائيل وإيران لبعض دول الجوار، ما يشكل انتهاكا صريحا لمبدأ السيادة الكاملة على المجال الجوى. وعليه، فإن الهجمات الإيرانية على أهداف فى دول الخليج تمثل إضعافًا لمبدأ السيادة الإقليمية.
كما تثير الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج إشكاليات قانونية تتعلق بمدى احترام قواعد الحياد فى القانون الدولى المعاصر. فوفقا لاتفاقية لاهاى لعام 1907 بشأن حقوق وواجبات الدول المحايدة، تنص على أن إقليم الدولة المحايدة لا يجوز أن يكون مسرحا للأعمال العدائية، كما تحظر على الأطراف المتحاربة انتهاك سيادة تلك الدول أو مهاجمة أراضيها، حيث نصت فى المادة الأولى منها على أنه «لا تنتهك حرمة القوى المحايدة»(13).
فى هذا الصدد، أعلنت دول الخليج أنها لم تشارك فى العمليات العسكرية ضد إيران، وأنها لم تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات ضدها. فقد أشار بيان صادر عن الاجتماع الاستثنائى الـ50 للمجلس الوزارى لدول الخليج بشأن العدوان الإيرانى عليها، فى الأول من مارس 2026، إلى أنه على الرغم من المساعى الدبلوماسية العديدة التى بذلتها دول مجلس التعاون الخليجى لتجنب التصعيد، وبالرغم من تأكيدها عدم استخدام أراضيها لشن أى هجوم على إيران، فإن الأخيرة استمرت فى تنفيذ عمليات عسكرية تجاه دول مجلس التعاون شملت العديد من المنشآت المدنية السكنية.
بناءً على ذلك، فإن دول الخليج، بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، تمتلك الحق الأصيل فى الدفاع الشرعى عن نفسها، ولها أن تطلب بموجب ممارسة هذا الحق المساعدة من الأطراف الثالثة لصد الاعتداءات الإيرانية، شريطة أن يقتصر استخدام القوة فى إطار الدفاع عن النفس على ما هو ضرورى ومتناسب لحماية أراضيها وسكانها(14).
فى تطور لافت للانتباه فى هذا الإطار، أقر مجلس الأمن الدولى، التابع للأمم المتحدة، مشروع قرار خليجيا-أردنيا قدمته مملكة البحرين، يدين الهجمات الإيرانية على دول المنطقة ويطالب بوقفها، وحصل مشروع القرار على تأييد 13 صوتا مع امتناع روسيا والصين عن التصويت، وأكد القرار دعم مجلس الأمن القوى للسلامة الإقليمية للإمارات العربية المتحدة والبحرين وعمان وقطر والكويت والمملكة العربية السعودية والأردن، ولسيادتها واستقلالها السياسى، وإدانة الهجماتِ الشنيعة التى تشنها إيران على أراضيها، واعتبر المجلس هذه الأعمال خرقا للقانون الدولى وتهديدا خطيرا للسلام والأمن الدوليين، وأدان أية أعمال أو تهديدات تصدر عن طهران بهدف إغلاق مضيق هرمز، أو تعطيل الملاحة الدولية فيه، أو التدخل فيها بأى شكل آخر، أو تهديد الأمن البحرى فى باب المندب(15).
ج- إغلاق المجال الجوى وتوقف حركة الطيران: كما أدت الحرب على إيران إلى إغلاق المجال الجوى للعديد من الدول، حيث أغلقت عدة دول مجالها الجوى، وأغلقت مطارات رئيسية، مثل دبى وأبوظبى فى الإمارات، والدوحة فى قطر. وبناء على ذلك، فقد علقت شركات الطيران رحلاتها، ما أدى إلى إلغاء آلاف الرحلات وترك عشرات الآلاف من المسافرين عالقين، وهذا أمر غير مسبوق، وله تداعيات خطيرة(16).
رابعا- توظيف الوكلاء واتساع نطاق الحرب:
مع اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، قام حزب الله بإطلاق صواريخ ومسيّرات على شمال إسرائيل فى 2 مارس 2026، ما أدى إلى اندلاع مواجهة مباشرة على الحدود اللبنانية، حيث قامت الطائرات الإسرائيلية باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، فضلًا عن بلدات وقرى فى الجنوب ووادى البقاع، وقد خلف الهجوم الإسرائيلى عددا من الضحايا بلغ 31 قتيلًا و149 جريحًا.
تشير التقديرات إلى أن حزب الله يواجهه معضلة بين التزامه تجاه إيران انطلاقًا من التزام عقيدى وعملًا بمبدأ «وحدة الساحات» وبين القيود التى يفرضها الواقع اللبنانى، فالحزب يواجه ضغوطًا عسكرية نتيجة الضربات الإسرائيلية، وضغوطًا سياسية داخلية تدعو إلى تجنب حرب واسعة(17).
لكن حزب الله آثر المشاركة فى قصف إسرائيل، فى معركة وجود، فى ضوء ما يواجهه من ضغوط وقيود، وهو ما دعا الحكومة اللبنانية، فى اليوم ذاته، إلى حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله. لكن الهدف من مشاركة حزب الله هو تشتيت القدرات العسكرية الإسرائيلية بين عدة جبهات، وإجبار إسرائيل على نشر قوات كبيرة على الحدود الشمالية، وتخفيف الضغط العسكرى على إيران.
استمرت عمليات حزب الله تجاه إسرائيل، حيث قام فى 11 و12 مارس بشن هجوم صاروخى تجاه إسرائيل متزامنًا مع هجوم إيرانى، وذكرت وسائل إعلام عبرية أنه «تم إطلاق 70 صاروخا من لبنان».
أما الحوثيون، فلم يشاركوا فى عمليات خارج اليمن منذ أكتوبر2025.
وقد حذر الحوثيون مرارًا من أن العمليات ستُستأنف، حال اندلاع حرب أمريكية أو إسرائيلية ضد إيران. لكن بعد أن بدأت الأعمال العدائية، اكتفت الجماعة الحوثية بالتضامن الخطابى، متجنبة أى عمل عسكرى مباشر. لكن يبدو أن الحوثيين مقيدون بالغارات الجوية الإسرائيلية ضدهم فى أغسطس وسبتمبر 2025، التى استهدفت الأصول العسكرية لهم، إلى جانب قياداتهم وبنيتهم التحتية المدنية، وسببت خسائر فادحة، بما فى ذلك مقتل عدد من كبار القادة العسكريين، وقد يؤدى أى تصعيد جديد إلى جولة أخرى من الرد الإسرائيلى(18).
يتمثل أحد أبرز القيود على الموقف الحوثى فى التفاهم الذى توسطت فيه عُمان مع الولايات المتحدة والذى أوقف الأعمال العدائية المباشرة فى عام 2025، إذ إن المشاركة فى الحرب ستقوض هذا الاتفاق، وتفتح الباب أمام حملة قاتلة ومستمرة ضد قيادة الجماعة وبنيتها التحتية(19). وقد أصدرت جماعة الحوثى بيانات تضامن مع إيران، لكن دون إعلان تدخل عسكرى فعلى حتى الآن، لكنهم على استعداد للتدخل إذا اقتضت الضرورة ذلك(20).
كما نشرت تقارير عن رفع الفصائل العراقية الموالية لإيران حالة التأهب وإمكانية استهداف القواعد الأمريكية فى العراق وسوريا إذا تصاعدت الحرب.
أيضا، تضمن خطاب المرشد الإيرانى الجديد تحذيرًا من فتح جبهات إقليمية جديدة إذا استمر التصعيد العسكرى ضد إيران، وربما كان المقصود تفعيل جبهات إقليمية عبر حلفاء إيران أو استهداف مصالح أمريكية خارج إيران(21).
وعليه، فإن منطقة الشرق الأوسط فى مفترق طرق حاسم، فإما الانزلاق نحو مواجهة إقليمية مفتوحة ومتعددة الجبهات، أو العودة إلى مسار دبلوماسى صعب، لكنه أقل تكلفة، يحمى سيادة دول الخليج ويعزز الاستقرار(22).
خامسا- إغلاق مضيق هرمز وتهديد أمن الطاقة العالمى:
قررت إيران إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط العالمية، حيث حذر مستشار القائد العام للحرس الثورى الإيرانى، إبراهيم جبارى، فى 2 مارس، من أن إيران «ستحرق أى سفينة» تحاول عبور المضيق، وستمنع كل صادرات النفط الخليجية(23)، وهو الأمر الذى تسبب فى ارتفاع الأسعار النفط عالميًّا، مع تنامى المخاطر على استقرار الإمدادات، خاصة فى أوروبا وآسيا، ما يزيد الضغط على الاقتصادات الدولية. وترتب على ذلك بدء دول خليجية، منها السعودية والبحرين والكويت والعراق، بخفض إنتاج النفط بسبب حالة القوة القاهرة، وأُوقفت حركة الشحن فى المنطقة، وأصبحت حركة الملاحة من وإلى الخليج فى حالة شبه شلل كامل، فيما ترسو مئات الناقلات دون حركة داخل الخليج وخارج مضيق هرمز الجنوبى مباشرة(24).
يبدو أن المضيق سيظل مغلقًا، ما دامت الأزمة مستمرة، فقد أعلن المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئى، ضرورة استمرار غلق المضيق، فى حين تبدو الولايات المتحدة عاجزة حتى الآن عن التعامل مع هذا الموقف، لأن إيران تستخدم غلق المضيق كإحدى أوراق الضغط على الولايات المتحدة.
وقد تعرضت نحو عشر سفن فى مضيق هرمز أو على مقربة منه للهجوم، وأكدت المنظمة البحرية الدولية وقوع 9 هجمات على سفن فى المضيق فى أسبوع واحد، وأسفرت عن مقتل 7 أشخاص، ولا يزال نحو 20 ألف بحار عالقين فى الخليج العربى على متن سفنهم فى خطر متزايد، إذ آثر المشغلون تفادى العبور من جراء مخاطر الملاحة الحربية وارتفاع أقساط التأمين(25).
وقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى حدوث اضطراب فى الملاحة بالغ الأثر، حيث يمر عبره نحو 30% من تجارة النفط الخام البحرية العالمية وما يقرب من 20% من تجارة الغاز الطبيعى المسال. فهذا الحجم الهائل للنفط والغاز الذى يُصدَّر عبر المضيق، إلى جانب محدودية المسارات البديلة، يعنى أن أى تعطّل فى التدفقات ستكون له عواقب وخيمة على أسواق النفط العالمية، وقد يجعل كذلك معظم الطاقة الاحتياطية لإنتاج النفط الخام فى العالم غير متاحة(26).
كما قد يخلف إغلاق مضيق هرمز آثارًا متفاقمة على حركة التجارة السلعية بين جنوب آسيا، خصوصًا الصين، وبين الشرق الأوسط وشرق إفريقيا وجنوب أوروبا، إذ تمرّ عبر هذا المضيق تجارة سلعية ضخمة تذهب إلى الموانئ الرئيسية فى الخليج العربى، ليتم إعادة تداولها فى الحاويات وإعادة تصديرها للعديد من الأسواق الدولية(27).
سادسًا- معضلة تحقيق الأمن:
نتج عن الحرب الإسرائيلية-الإيرانية التفكير فى إعادة تشكيل التحالفات الأمنية، حيث تسعى بعض الدول إلى البحث عن بدائل جديدة لضمان أمنها، فى حين تتجه قوى أخرى إلى تعزيز الشراكات الدفاعية على أسس جماعية، مدفوعة بادراك مشترك بالخطر. كما أن استخدام أدوات جديدة، مثل التهديد النووى، والهجمات السيبرانية، والمسيّرات، يدفع بالعقيدة الأمنية إلى أن تتجاوز نمطها التقليدى نحو أنماط وقائية واستباقية، تُبنى على فهم أوسع وأشمل لطبيعة المخاطر.
كذلك، يدفع العدوان الأمريكى-الإسرائيلى على إيران دول الإقليم نحو سباق تسلح نحو تحقيق الأمن والردع، وربما يجعل طهران تندفع نحو تسريع تحوّلها نحو العتبة النووية، بحيث تصبح حيازة السلاح النووى الضمانة الوحيدة لتحقيق الردع، الأمر الذى ينذر بحدوث تداعيات قد تمتدّ لتقوّض معادلات الأمن الإقليمى.
ختـامـــًا:
تشهد منطقة الشرق الأوسط تهديدات خطيرة على الأمن الإقليمى من جراء تجدد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بما تشكله من تهديدات حقيقية لأمن القوى المتصارعة، وأيضًا تهديد أمن الجوار الخليجى المضطرب الذى تعرض لعدوان واضح بغض النظر عن تبريرات طهران، وتهديد أمن الطاقة والتجارة العالميين، وانطلاق سباق للتسلح بين دول الإقليم لتحقيق الأمن.
إن هذه الحرب ستترك آثارها ليس فقط على الدول المتصارعة أو دول الخليج، بل على منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره. لذا، فإن صيغ الأمن الإقليمى ستخضع للمراجعة والتغيير، وربما تتغير خريطة الصراعات بتورط أطراف أخرى فى الحرب، كما أن نتائج الحرب قد تغيِّر من شكل الإقليم، وطبيعة التفاعلات الوازنة لواقع الأمن الإقليمى.
المراجع:
(1 ) The Regional Reverberations of the U.S. and Israeli Strikes on Iran, Center for Strategic International Studies, March 1, 2026, available at: https://tinywebs.info/bEz4Xz
(2) إسرائيل تعلن شن هجوم «وقائى» ضد إيران، رويترز، 27 فبراير 2026، متاح على الرابط: https://surl.li/gyozuj
(3) إسرائيل وضعت لائحة اغتيالات فى طهران.. بينها خامنئى، العربية، 28 فبراير 2026، متاح على الرابط: https://surl.li/jvzycd
(4) مقتل خامنئى فى الضربات الأمريكية الإسرائيلية والهجمات مستمرة، رويترز، 28 فبراير 2026، متاح على الرابط:
https://shorturl.at/SnLu2
(5) Agence assessment: casualties and confusion grib Iran’s internal security forces, Euractiv, available at: https://shorturl.at/OlQHL.
(6) خسائر إسرائيل بالهجمات الإيرانية.. مئات الإصابات البشرية وأضرار مادية جسيمة، الجزيرة 6 مارس 2026، متاح على الربط:
https://shorturl.at/YEb8a
(7) مصرع أربعة جنود فى حادث تحطم طائرة أمريكية للتزويد بالوقود فى العراق، وواشنطن تسمح للدول مؤقتاً بشراء النفط الروسى، BBC، 13 مارس 2026، متاح على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/live/cgqgd7gyp92t
(8) د. أبوبكر الدسوقى، تحولات الردع الإسرائيلى-الإيرانى وتداعياته على الأمن الإقليمى، مجلة الدراسات الإيرانية، المعهد الدولى للدراسات الإيرانية، أكتوبر 2025.
(9) الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربية: الدوافع والتداعيات المحتملة، المركز العربى لأبحاث ودراسة السياسات، 8 مارس 2026، متاح على الرابط: https://shorturl.at/SrdOA
(10) الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربية: الدوافع والتداعيات المحتملة، المركز العربى لأبحاث ودراسة السياسات، 8 مارس 2026، متاح على الرابط: https://shorturl.at/SrdOA
(11) د. أبوبكر الدسوقى، مرجع سابق
(12) مقتل خامنئى فى الضربات الأمريكية الإسرائيلية والهجمات مستمرة، مرجع سابق.
(13) إبراهيم سيف منشاوى، لماذا تُعد اعتداءات إيران على الخليج انتهاكاً للقانون الدولي؟، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 7 مارس 2026، متاح على الرابط: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/10839
(14) المرجع السابق.
(15) مجلس الأمن يعتمد قرارا يدين الهجمات الإيرانية، ومشروع قرار روسى يفشل فى الحصول على تأييد كاف، الأمم المتحدة، 11 مارس 2026، متاح على الرابط: https://news.un.org/ar/story/2026/03/1144338
(16 ) The Regional Reverberations of the U.S. and Israeli Strikes on Iran, Op.Cit.
(17) الحرب على إيران فى تقديرات مراكز الأبحاث الإسرائيلية: عرض وتحليل الرؤى والاتجاهات، مركز مدار، 9 مارس 2026، متاح على الربط: https://surl.lt/qtpvth
(18 ) Middle East Special Issue, March 2026, available at: https://tinywebs.info/nAJd5A.
(19 ) The Iran War: Reaction from Sana’a Center Experts, sanaa center, March 6, 2026, available at:
https://tinywebs.info/P7gdCC
(20 ) Houthis express solidarity with Iran but do not launch retaliatory attacks—yet, Long War Journal, March 1, 2026, available at: https://2u.pw/AWNIMM
(21) Avenging the Blood of Our Martyrs’: Khamenei Warns of New Fronts in First Speech, Palestine Chronicle, March 12, 2026, Avaialable at: https://surl.li/cgcebi
(22) عائشة خلفان الرميثى، الحرب فى إيران: تصاعد التوترات الإقليمية وارتدادات دولية، تريندز للبحوث والاستشارات، 2 مارس 2026، متاح على الرابط: https://url-shortener.me/G2GT
(23) منذ بدء الحرب.. تفاصيل الهجمات على السفن فى مضيق هرمز، سكاى نيوز عربية، 9 مارس 2026، متاح على الرابط:
https://tinywebs.info/0VuPPb
(24 ) Oil output, exports knocked by Iran conflict as prices surge, Reuters, March 9, 2026, available at:
https://tinywebs.info/x4RooZ.
(25) الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية: وفاة البحّارة فى مضيق هرمز أمر غير مقبول، المنظمة البحرية الدولية، 3 مارس 2026، متاح على الرابط:
https://tinywebs.info/SfWwlj
(26 ) Strait of Hormuz Factsheet, IEA - International Energy Agency, Feb 6, 2026, available at:
https://tinywebs.info/Edqful
(27) موزة المرزوقى، التداعيات الاقتصادية الآنية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تريندز للبحوث والاستشارات، 4 مارس 2026، متاح على الرابط: https://tinywebs.info/jWbljz
*نشر فى عدد مجلة السياسة الدولية - أبريل 2026/ ملف خاص: الحرب على إيران