تأثيرات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران ودول الخليـج
8-4-2026

د. محمد عز العرب
* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

تُعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بمنزلة حرب الخليج الرابعة فى الشرق الأوسط، لا سيما حال اتساع نطاقها الجغرافى وتزايد مداها الزمنى وتفاقم خسائرها البشرية والمادية، تمييزا لها عن الحرب العراقية-الإيرانية، والغزو العراقى للكويت، والاحتلال الأمريكى للعراق، الأمر الذى يشير إلى انعكاسات مختلفة على دول الإقليم بشكل عام ودول الخليج بوجه خاص، لا سيما بحكم الجوار الجغرافى والاستهداف المباشر لها من جانب إيران، بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، على الرغم من أنه لسنوات طويلة، حاولت دول الخليج أن تدير موقعها فى الصراعات الإقليمية عبر مزيج من الدبلوماسية الوقائية وتجنب الانخراط المباشر فى المواجهات الكبرى التى تزيد من الخراب والدمار فى إقليم الشرق الأوسط الذى يعد أكثر النظم الإقليمية ارتباطا بالنظام الدولى.

غير أن التطورات الأخيرة كشفت عن أن هذا النهج يواجه حدودا واضحة فى بيئة استراتيجية محتقنة، تدعمها الأنساق العقيدية لقادة سياسيين، مثل ترامب ونتانياهو وخامنئى. وفى الحسابات العسكرية الإيرانية، لا يقاس الحياد لدول الخليج بالتصريحات السياسية، بل بالبيئة العملياتية، إذ إن وجود قواعد عسكرية أمريكية وبنى لوجيستية غربية فى الخليج يجعل هذه الدول، من منظور الحرس الثورى فى طهران، جزءا من مسرح العمليات، حتى لو أعلنت رسميا عدم مشاركتها فى الحرب. علاوة على تغير معادلات الاشتباك لتتجاوز خطوط الجبهات التقليدية، وتمتد إلى الفضاءات اللوجيستية والاقتصادية والتكنولوجية التى تدعم العمليات العسكرية، لتصبح التهديدات التى تواجه دول الخليج «هجينة»، لأنها تعد أحد أهم مراكز الطاقة وسلاسل الإمداد وخطوط التجارة فى العالم، وأى تهديد للبنية التحتية أو للممرات البحرية ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية.

فى هذا السياق، يتناول هذا التقرير ثلاث نقاط رئيسية هى انعكاسات الحرب العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران على منطقة الخليج، والسياسات التى اتخذتها(بالفعل) دول الخليج للتقليل من تأثيرات الحرب، فضلا عن الخيارات المحتملة التى يمكن أن تقدم عليها دول الخليج فى المرحلة المقبلة.

أولا- انعكاسات الحرب العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران على منطقة الخليج:

ثمة تأثيرات متعددة للحرب العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران على منطقة الخليج، حيث انتقلت المنطقة من موقع «البيئة المتأثرة بالحرب» إلى موقع «الساحة المنخرطة فعليا» فى تفاعلاتها، وذلك على النحو التالى:

1- تحول إيران من مصدر «تهديد محتمل» إلى مصدر «تهديد مؤكد» لدول الخليج:كانت هذه الحرب كاشفة عن مدى التهديد الذى تمثله طهران لدول الخليج، دون استثناء، حيث تعدت الهجمات استهداف القواعد العسكرية الثابتة للولايات المتحدة فى دول الخليج، لتشمل مقرات السفارات والقنصليات الأمريكية فى السعودية والكويت ودبى، فضلا عن المطارات المدنية والمصافى النفطية والمناطق الصناعية والموانئ البحرية والمنشآت السكنية والفنادق ومراكز البيانات فى العواصم الخليجية، وامتدت هجماتها لكل دول الخليج، دون استثناء، بما فيها سلطنة عمان التى كانت الطرف الوسيط فى المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، فضلا عن استهداف الإمارات، ومنها دبى، التى تعد الشريك التجارى الأول لطهران فى الإقليم.

أيضا، استهدفت إيران دولا خليجية أخرى، مثل السعودية التى وقعت معها اتفاق بكين فى 10 مارس 2023، وهو ما تكرر مع الكويت التى سقط بعض ضباطها فى التصدى للتهديدات الإيرانية، وإعلان وكالة الأنباء القطرية القبض على خليتين تعملان لمصلحة الحرس الثورى فى قطر، حيث تم العثور على مواقع وإحداثيات تخص مواقع حيوية ومؤسسات عسكرية، سبعة من أعضاء الخليتين يخططون للقيام بمهام تجسسية وثلاثة بأعمال تخريبية، وتلقوا تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة على الرغم من دور دول الخليج فى منع الحرب وعدم السماح باستخدام أراضيها أو منشآتها أو أجوائها أو مطاراتها، ووقف التصعيد ضد إيران على مدى شهور.

فى هذا السياق، قال د. أنور قرقاش، المستشار السياسى لرئيس دولة الإمارات، فى حوار مع قناة سكاى نيوز بتاريخ 28 فبراير2026 إن التصعيد كان متوقعا منذ أشهر «من خلال متابعة سير المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران مع مجمل التطورات الإقليمية». غير أن دولة الإمارات كانت تأمل «ألا تصل الأمور إلى ما وصلت إليه». وأوضح أن أبوظبى، إلى جانب دول الخليج، لعبت دورا مهما فى إرسال إشارات متعددة عبر تواصلها مع الإدارة الأمريكية، «فى محاولة لتفادى هذه المواجهة حال فشل المفاوضات». وأشار قرقاش إلى أن دولا خليجية عدة أدت أدوارا مختلفة فى مسار التهدئة، مشيرا إلى أن «دولة قطر لعبت دورا مهما جدا فى تبادل الرسائل بين إيران والولايات المتحدة»، ولعبت دولة الإمارات أيضا دورا فى هذا الجانب، كما أن «سلطنة عمان لعبت دورا مهما وأساسيا كميسر فى المفاوضات»، إضافة إلى «الدور البناء والإيجابى من المملكة العربية السعودية والدول الأخرى فى المنطقة».

لكن يبدو أن طهران لديها تصور بدعم بعض دول الخليج لكل من واشنطن وتل أبيب، لتنفيذ ضربات موجهة لعمقها الاستراتيجى. وهنا، تجدر الإشارة إلى ما كتبه د. أنور قرقاش على صفحته على «إكس» فى أول مارس 2026 قائلا: «العدوان الإيرانى على دول الخليج أخطأ العنوان، وعزل إيران فى لحظتها الحرجة. حربكم ليست مع جيرانكم، وبهذا التصعيد تؤكدون رواية من يرى أن إيران مصدر الخطر الرئيسى للمنطقة، وأن برنامجها الصاروخى عنوان دائم لعدم الاستقرار». بعبارة أخرى، يشير السلوك الإيرانى إلى توجيه رسالة لأطراف مختلفة، مفادها أن السفينة الإيرانية لو غرقت، فلن تغرق بمفردها، بل ستغرق معها المنطقة بأسرها.

2- سعى إسرائيل لتقديم نفسها حليفا محتملا كبديل لمصدر تهديد لدول الخليج:إن أحد التأثيرات التى تحاول إسرائيل استغلالها فى الحرب الحالية هو تعزيز التعاون الاستراتيجى معها لمواجهة إيران، لا سيما فى ظل سعى إسرائيل للهيمنة على تفاعلات الشرق الأوسط ومحاولة تشكيل شرق أوسط جديد، بما يتفق مع مصالحها الاستراتيجية فى مرحلة ما بعد 7 أكتوبر 2023، حيث تم إضعاف كبير لدور حركة حماس فى غزة وحزب الله فى لبنان بعد استهداف كوادرهما وقيادتهما فى الصفوف المختلفة، وإسقاط نظام الأسد فى سوريا، وتوجيه ضربات نوعية لبعض قيادات جماعة أنصار الله الحوثى فى اليمن، واستهداف دقيق لقيادات محورية فى الحرس الثورى والجيش الإيرانى والاستخبارات ومراكز القيادة والأمن وتوجيه رسائل ردع لأطراف متعددة فى الإقليم بضرورة التطبيع السياسى والاقتصادى معها، تجنبا لتحمل تكلفة معاداتها، وهو ما يعبر عما تسعى إليه تل أبيب لتدشين الحقبة الإسرائيلية فى الشرق الأوسط، الأمر الذى تحذر منه بعض الأصوات المحسوبة على التوجهات الرسمية الخليجية.

فى هذا الصدد، حذر رئيس الوزراء القطرى الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم آل ثانى، فى أول مارس 2026، من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين دول الخليج وإيران، قائلا إنه سيكون بمنزلة «استنزاف لموارد الطرفين». وكتب الشيخ حمد بن جاسم، فى حسابه عبر منصة «إكس»: «الاشتباك المباشر بين دول المجلس وإيران إن وقع سيستنزف موارد الطرفين وسيتيح الفرصة لقوى كثيرة للتحكم بنا بحجة مساعدتنا للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف. ولذلك، فإن من المهم تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وهذا هو رأيى الشخصى». مضيفا: «هناك قوى تريد أن تشتبك دول المجلس مباشرة مع إيران، وهى تعلم أن الاشتباك الحالى بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى سينتهى. وعلينا كذلك أن ندرك أنه بعد انتهاء هذه المعركة، التى أريد لها أن تندلع قبل انتهاء مفاوضات السلام التى كنا نعول عليها كثيرا لتجنب الصراع، ستكون هناك قوى جديدة فى المنطقة، وسيكون لإسرائيل سطوة على منطقتنا».

3- انتفاء مقولة «خلجنة» الشرق الأوسط:كشفت الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران عن محدودية هامش الحركة لدى دول الخليج بعد تعرض سيادتها الوطنية للانتهاك المتكرر من طهران، ما يشير إلى ضعف أنظمة الدفاع الجوى لها على الرغم من تصدى بعض الدفاعات لأكثر من 90 فى المئة من الهجمات الصاروخية، وفقا للتصريحات الرسمية الخليجية، ولكنها تعكس أيضا محدودية نسبية فى الاستفادة من الصفقات العسكرية الضخمة التى تنفق عليها بشكل سنوى لدعم أمنها الوطنى. ورغم التأكيد المستمر من جانب هذه الدول بأن «الوضع الأمنى تحت السيطرة» مع «الجاهزية للتعامل مع أى تهديد»، فإن اللقطات التى تظهرها وسائل الإعلام للخسائر التى تلحق بقطاع الطيران أو النفط أو النقل البحرى أو تعليق الأنشطة التعليمية والترفيهية والرياضية تشير إلى أزمات حقيقية تواجه دول الخليج.

ربما يكون الدرس الرئيسى من هذه الحرب هو ضرورة الانشغال بالأمن بشكل يوازى الاهتمام بتحقيق التنمية، التى جعلت بعض المثقفين يطلقوا عليها «اللحظة الخليجية» نتيجة التفوق النوعى لدول الخليج فى التعليم والصحة والاقتصاد ومستويات الدخل، وغيرها من مؤشرات التنمية البشرية. فحرائق الإقليم بدأت تؤثر فى حدائقه، بل إن الأخطار قريبة إلى حد الملامسة، وهو ما عبر عنه المستشار الدبلوماسى لرئيس دولة الإمارات الدكتور أنور قرقاش بشكل غير مباشر فى المنتدى الإعلامى الإماراتى-الكويتى فى 30 يناير 2026 قائلا «الانزلاق نحو صدام ستكون تكلفته باهظة على الجميع، لا سيما دول الخليج التى ستتحمل جزءا من تداعيات أى تصعيد، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو السمعة الدولية». وهنا، فإن المشكلة لا تكمن فى أن منطقة الخليج فى خطر، وإنما الحفاظ على الاستقرار وسط الطوق المشتعل.

4- اهتزاز الصورة الدولية المعهودة عن منطقة الخليج، خاصة الإمارات:يشير اتجاه فى الكتابات إلى أن أحد التأثيرات الرئيسية للحرب الحالية لا تمس فقط صميم العلاقات الخليجية-الإيرانية ولا تختبر قدرة دول مجلس التعاون الخليجى على اعتراض الصواريخ والمسيرات فحسب، بل تختبر موقع دول الخليج فى معادلة الاقتصاد العالمى أيضا. فاستهداف الطاقة، وعرقلة الممرات البحرية، وتأخير سلاسل الإمداد، والمساس برأس المال، كلها تدخل فى حساب واحد عنوانه: إدارة المخاطر فى بيئة تصعيدية، لأننا فى عالم تتشابك فيه الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد بصورة متنامية، والعمل على منع تحول المنطقة من «مركز استقرار اقتصادى» إلى «بؤرة مخاطر مزمنة»، ومنع ترسخ صورة «قابلية الإمدادات للاستهداف» فى وعى الأسواق الدولية، لا سيما بعد أن تحولت الحرب الآن إلى حرب إقليمية ذات تداعيات عالمية، تعطل أسواق النفط والأسواق المالية، وسلاسل التوريد، والتجارة البحرية، والسفر الجوى.

5- تعزيز مضاعفات عدم الاستقرار الإقليمى الممتد:إن التصعيد العسكرى لن يحقق الاستقرار فى الإقليم، بل يدفع فى اتجاه عدم الاستقرار الممتد، ويغفل الفاعلون الدوليون والإقليميون عن بعض القضايا الأولى بالاهتمام، مثل القضية الفلسطينية، وتعزيز الدولة الوطنية، ومواجهة الميليشيات المسلحة ومحاربة الإرهاب العابر للحدود والتسوية التفاوضية للصراعات المشتعلة فى ليبيا واليمن ولبنان وسوريا والعراق، بل تؤدى إلى إثارة التوترات داخل الدول التى يوجد بها فاعلون مسلحون يرتبطون بتنفيذ الأجندة الإقليمية لطهران مهما تكون السيناريوهات الكارثية.

يضاف إلى ذلك التخوف الخليجى المعلن من انهيار النظام الإيرانى، لتسود الفوضى محله، وفقا لأسوأ سيناريو محتمل، حيث تهدف إسرائيل من العملية العسكرية الواسعة على طهران إلى تهيئة الظروف من أجل إسقاط النظام من الداخل، عبر قتل القيادات السياسية والعسكرية، وتدمير المقومات الأمنية للنظام، بالتزامن مع محاولة القضاء، قدراته النووية والصاروخية، ما يجعل السيناريوهات مفتوحة فى ظل غياب قوة سياسية تمثل خيارا بديلا للنظام، وتعقد التركيبة الديمغرافية على نحو يطرح احتمال نشوب حرب أهلية، كما هو الحال فى سوريا واليمن وليبيا، حيث يسعى الأكراد والبلوش والأذربيجانيون والأقليات الأخرى إلى حماية أنفسهم وسط فراغ فى السلطة يسود البلاد.

6- المساس بحركة الملاحة البحرية والتجارة العالمية:لا سيما فى ظل محاولة إيران إشعال المنطقة، وتوسيع دائرة النار، وتهديد ممرات الطاقة، واستخدام الزوارق البحرية المفخخة والقنابل المائية، وهو ما انعكس على توقف عبور السفن وتعليق الرحلات عبر قناة السويس ومضيق باب المندب وتجنب مرور السفن بمضيق هرمز، الذى يعد أحد أهم الممرات المائية الدولية، إذ يعبر من خلاله 20 مليون برميل يوميا، أى نحو 30 فى المئة من تجارة النفط العالمية، ويمر به ما يتراوح بين 20 و25 من تجارة الغاز الطبيعى المسال، الأمر الذى يؤدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل الجوى والبحرى والتخزين، فضلا عن اضطرابات حادة فى سلاسل الإمداد. فاستقرار منطقة الخليج العربى ليس مسألة إقليمية فحسب، بل هو ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمى والملاحة البحرية.

ثانيا- سياسات دول الخليج للتقليل من تأثيرات حرب 28 فبراير:

ثمة مجموعة من السياسات التى اتخذتها دول الخليج للتقليل من تأثيرات الحرب فى مصالحها، وذلك على النحو التالى:

1- الالتزام بالدفاع السلبى وتجنب الانخراط المباشر فى الحرب: التزمت دول الخليج، سواء بشكل فردى أو جماعى، بالصبر الاستراتيجى تجاه الهجمات والاعتداءات الإيرانية على أراضيها، أى الاستمرار فى الدفاع السلبى (Passive Defense)، عبر الاعتماد على أنظمة الدفاع الجوى الذاتية للتصدى للصواريخ والمسيرات الإيرانية. على سبيل المثال، أكدت وزارة الخارجية الإماراتية فى بيانها بتاريخ 8 مارس 2026: أنها «فى حالة دفاع فى مواجهة الاعتداء الإيرانى الغاشم وغير المبرر، الذى شمل إطلاق أكثر من 1400 صاروخ باليستى وطائرة مسيرة استهدفت البنية التحتية ومواقع مدنية، وأدى إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، وهو ما يمثل خرقا جسيما للقانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكا لسيادة الدولة وسلامة أراضيها، وتهديدا مباشرا لأمنها واستقرارها». وأضافت: «تشدد دولة الإمارات على أنها لا تسعى إلى الانجرار إلى أى صراعات أو تصعيد، بيد أنها تؤكد احتفاظها بكامل حقها فى اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها وأمنها الوطنى وسلامة أراضيها، وضمان أمن وسلامة مواطنيها والمقيمين على أرضها، استنادا إلى حقها فى الدفاع عن النفس وفقا لأحكام القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة».

كذلك الحال على المستوى الخليجى، لم تتخذ إجراءات غير تقليدية من المجلس الوزارى لمجلس التعاون الخليجى فى اجتماعه الاستثنائى الخمسين عبر الاتصال المرئى، فى أول مارس الجارى، برئاسة وزير الخارجية بمملكة البحرين، الدكتور عبداللطيف بن راشد الزيانى، رئيس الدورة الحالية للمجلس الوزارى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، خاصة رفض وإدانة الهجمات الإيرانية والإشادة بكفاءة وجاهزية القوات المسلحة ومنظومات الدفاع الجوى فى الدول الأعضاء التى تصدت للهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، وأسهمت فى تحييد التهديد والتقليل من آثاره وحماية الأرواح والمنشآت والمقدرات الحيوية. ويضمن هذا الخيار لدول الخليج تجنب ردود الفعل الانتقامية الإيرانية حال قيامها بالرد عسكريا على الهجمات الإيرانية، لا سيما فى ظل صعود التيار المتشدد للسلطة فى إيران بعد اغتيال المرشد الأعلى.

2- استمرار الجهود الدبلوماسية لاحتواء التصعيد وإتاحة فرص محتملة لإنهاء الحرب:يعمل عدد من دول الخليج، مثل السعودية والإمارات، على فتح قنوات اتصال سياسية وأمنية، مع إيران للتهدئة ووقف إطلاق النار. كما يتم إبقاء سلطنة عمان كقناة اتصال «مفتوحة» بين إيران والولايات المتحدة، فهناك إدراك حاكم لدى العديد من دول مجلس التعاون الخليجى للاحتياج الإيرانى لدول الخليج لاحتواء وإيقاف مسار الحرب، إذ إن هناك أحد التصورات الحاكمة لتفكير دول الخليج فى تفسير استهداف أراضيها من قبل إيران يرتبط بالضغوط التى يمكن أن تمارسها هذه الدول، بعد المساس بسيادتها والإضرار باقتصاداتها، على الولايات المتحدة لوقف الحرب التى قد تكون «إقليمية»، حال جر دول الخليج، التى تمثل واحات الاستقرار، إلى حرائق الإقليم. فى هذا السياق، قال قرقاش إن إيران اليوم «أحوج إلى تدخل دول الخليج لتحجيم هذه الحرب ولمنع امتدادها وما إلى ذلك. لكن طهران حقيقة من خلال هذه التصرفات، ومن خلال استهداف ليس فقط القواعد، نحن بدأنا نرى بعض الأشياء العشوائية حقيقة التى نراها اليوم فى إيران. هناك قصر نظر وهناك حقيقة خلق عداوات ستمتد لسنوات قادمة. وإعادة لعدم الثقة».

وعلى الرغم مما طال سلطنة عمان من أضرار من الهجمات الإيرانية على منطقة الدقم (اقتصادية بحت)، واستهداف ولاية ظفار وصلالة بطائرات مسيرة، فإنها لا تزال تقوم بدورها الوفاقى بين الولايات المتحدة وإيران لوضع نهاية للحرب. قالت وزارة الخارجية العمانية فى بيان  بتاريخ أول مارس 2026، إن وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى أبلغ نظيره العمانى بدر البوسعيدى، خلال اتصال هاتفى، ‌بأن طهران منفتحة على أى جهود جادة ‌لتهدئة‌ الأوضاع بعد الهجمات الإسرائيلية والأمريكية. وقد أكدت سلطنة عمان فى اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزارى فى دورته غير العادية، الذى عقد عبر الاتصال المرئى فى 8 مارس 2026، أن المنطقة تقف أمام منعطف خطير نتيجة تصاعد العمليات العسكرية وتغليب منطق القوة على لغة الحوار والسلام، وهو ما يتطلب تكثيف الجهود الدبلوماسية والسياسية لإيجاد حل سلمى للأسباب الجذرية لهذا الصراع، بما يحفظ أمن المنطقة واستقرارها ويجنب شعوبها ويلات الحروب.

سبق ذلك بروز مؤشرات للتهدئة على الجانب الإيرانى، وهو ما جاء على لسان الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، فى 6 مارس 2026، بأن بلاده تلقت مبادرات من عدة دول للوساطة بشأن الحرب، وأن طهران أبلغت الوسطاء بتمسكها بمسار التهدئة، قائلا: «ردنا عليهم واضح، وهو أننا ملتزمون بتحقيق سلام دائم فى المنطقة». كما أوضح ترامب لصحيفة (ذا أتلانتيك) فى حوار بتاريخ أول مارس 2026 إلى تطلعه للحوار مع ما سماها الإدارة الإيرانية الجديدة، قائلا «إنهم يريدون التحدث، وقد وافقت على التحدث، لذلك سأتحدث معهم. كان ينبغى لهم أن يفعلوا ذلك فى وقت أبكر. كان ينبغى لهم أن يقدموا ما كان عمليا وسهل التنفيذ فى وقت أبكر. لقد انتظروا طويلا».

3- تقوية العلاقات الخليجية البينية فى مواجهة التهديدات الإقليمية: كانت حرب الولايات المتحدة وإسرائيل فى مواجهة إيران سببا فى الاتصال الذى تلقاه الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات من ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان بعد أسابيع من التوتر المعلن عقب الصدام الذى حدث بين قوات المجلس الرئاسى المدعوم من السعودية وقوات المجلس الانتقالى الجنوبى المدعوم من الإمارات. ومن ثم، فإن التهديدات المشتركة لكل من السعودية والإمارات هى التى دفعت النخبة الحاكمة فيهما إلى تجاوز التباينات بشأن بعض الملفات الإقليمية، سواء فى اليمن أو السودان فى عصر صار إدارة الخلافات مع حليف أكثر تعقيدا من إدارة الخلافات مع الخصم.

لم يقتصر التهديد الذى يواجه دول الخليج على التهديد الإيرانى، بل يمتد ليشمل التهديد العراقى أو بالأحرى الكتائب المسلحة الداعمة لإيران داخل الساحة العراقية، ويمكن أن يمتد إلى الساحة اليمنية حال ما انخرطت جماعة أنصار الله الحوثى ضمن جبهة الإسناد لمحور المقاومة. وقد أشاد الشيخ حمد بن جاسم فى كلمته بتاريخ أول مارس 2026 «بإعلان المملكة العربية السعودية أنها ستقف مع الكويت إذا اعتدى عليها العراق، وهذا يجب أن يكون موقف كل دول المجلس، وأن ينطبق على كل أزمة تحدق بدولنا عبر تشاور وتنسيق متين، حتى لا يستفرد بدولنا واحدة تلو الأخرى ونبتز جميعا، فهناك خطر كبير آت يجب علينا أن ندركه ونستعد للتعامل معه».

4- توجيه رسالة من الدول العربية بعزلة إيران الإقليمية:هناك سياسة تتبعها خمس عواصم خليجية (باستثناء سلطنة عمان التى ترى أن الحرب فرضت على إيران) تقضى بضرورة عزل إيران عن محيطها الإقليمى بسبب سياستها التدخلية فى الشئون الداخلية للدول العربية وتوظيف علاقتها بالوكلاء فى دول الأزمات أو الصراعات العربية، بما يعزز من أجندتها من ناحية، ويقيد من الاستقرار الإقليمى من ناحية أخرى. ولعل اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية فى دورة غير عادية برئاسة دولة الإمارات العربية المتحدة، فى 8 مارس 2026، يشير إلى إدانة عربية للاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، ورفض السردية الإيرانية بأن هجماتها على الدول العربية تأتى فى إطار استراتيجية دفاعية، مع تأكيد ضرورة تأمين أقاليم الدول العربية التى تتعرض لهجمات إيرانية، وضرورة مراجعة السياسة الإيرانية تجاه دول الجوار. وهنا، فإن الرسالة العربية تتعلق بتعرض إيران لعزلة من جوارها الإقليمى باستثناء حالات محددة.

5- استغلال تصاعد حدة المعارضة الإقليمية للتطبيع مع إسرائيل:من المرجح أن تؤدى الحرب إلى تراجع التوجه لتطبيع دول الخليج، وفى مقدمتها السعودية، العلاقة مع إسرائيل. فهناك بالفعل اعتقاد سائد بأن إسرائيل تشن هجمات عسكرية فى أنحاء المنطقة بعد 7 أكتوبر 2023، دون رادع، سواء قرب حدودها أو فى مناطق بعيدة، مثل قطر، حيث استهدفت قيادة «حماس» فى الدوحة فى سبتمبر 2025. ولا تزال قطاعات واسعة من الرأى العام العربية غاضبة من حرب غزة الخامسة، وتهديدات إسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية، والعمل على إنشاء منطقة عازلة فى جنوب لبنان وتهجير سكانه. وتؤدى الحملة الإسرائيلية الحالية فى لبنان إلى أزمة نزوح جديدة. وسيلحق تعاون الولايات المتحدة مع إسرائيل فى شن هذه الحرب مزيدا من الضرر بسمعة البلدين، خاصة تل أبيب. وهنا، يمكن لقادة دول الخليج استغلال الرأى العام المعارض للتطبيع فى منطقة الخليج لاستيعاب أى ضغوط أمريكية فى هذا الاتجاه.

6- تعميق الشراكة الاستراتيجية مع الأطراف الدولية الكبرى:إذ تفعل البحرين المادة الثانية من اتفاقية التكامل الأمنى والازدهار الشامل (C-SIPA)مع الولايات المتحدة وبريطانيا، التى تكرس الالتزامات المشتركة -الرامية إلى تعزيز التعاون الأمنى والردع الجماعى- فى مواجهة التهديدات الخارجية، وهو ما عكسته مشاورات الشيخ ناصر بن حمد، مستشار الأمن الوطنى، الأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى فى مملكة البحرين، فى 6 مارس 2026، مع الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية للولايات المتحدة الأمريكية، والفريق أول جوى السير ريتشارد نايتون، رئيس أركان الدفاع فى المملكة المتحدة.

ثالثا- الخيارات المستقبلية لدول الخليج تجاه حرب 28 فبراير:

تتعدد الخيارات التى قد تلجأ إليها دول الخليج، فى الاستجابة لاعتداءات إيران على سيادتها وأراضيها، حال طال المدى الزمنى للحرب، ونطاق الاعتداءات الإيرانية وشدتها، وذلك على النحو التالى:

1- التحول الخليجى من الدفاع السلبى إلى الدفاع النشط ضد إيران:على الرغم من أن دول الخليج حتى العاشر من مارس 2026 تتمسك باستراتيجية دفاعية تتوخى حماية أراضيها وسكانها عبر صد الهجمات الإيرانية، فإن ذلك لا يعنى أن دول الخليج، حال توسعت الهجمات الإيرانية وطال أمدها، ستكتفى بالدفاع السلبى، إذ قد تلجأ إلى خيار الرد على العدوان الإيرانى على أراضيها، والانتقال إلى الدفاع النشط، وهو ما أشار إليه البيان الصادر عن الاجتماع الاستثنائى (الافتراضى) للمجلس الوزارى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية فى أول مارس 2026.

وفقا لهذا المسار، قد تشن دول الخليج غارات جوية ضد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية ومواقع إطلاق الطائرات المسيرة على الأراضى الإيرانية. وقد تلجأ دول الخليج إلى مثل هذا الخيار، حال اتساع نطاق وشدة الضربات الإيرانية على دول الخليج، ما يستدعى ردا حازما من هذه الدول، وتوجيه رسالة ردع، مفادها أن دول الخليج لن تتسامح مع انتهاك سيادتها والاعتداء على أراضيها. ويدعم هذا الخيار أن دول الخليج تحظى بالشرعية وفق القانون الدولى للرد على الاعتداءات الإيرانية، كما تحظى بتأييد مجتمعاتها لاتخاذ مثل هذه الخطوة. والأهم من ذلك أن بعض دول الخليج، لا سيما الإمارات والسعودية، تمتلك سلاح جو متقدما يمكنها من شن مثل هذه الغارات.

وقد يتم السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد على الأراضى الخليجية وأجوائها لضرب إيران أو للجوء إلى القدرات الدفاعية للحلفاء، وفى مقدمتها الدول الأوروبية، لا سيما فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، بحيث تطلب دول الخليج من هذه الدول نشر أنظمة الإنذار المبكرة والدفاع الجوى فى أراضيها لحماية أصولها العسكرية (مثل القاعدة البحرية الفرنسية فى أبوظبى، والقاعدة البريطانية فى كل من البحرين وعمان)، ومواطنيها المقيمين فى الدول الخليجية، إلى جانب أن هناك مصلحة رئيسية لهذه الدول فى استمرار تدفق النفط والغاز الخليجى وعدم زيادة أسعارهما بما يؤثر سلبيا فى اقتصاداتها، غير أنه لا يتوقع أن يكون هناك إجماع بين دول الخليج على مثل هذا الخيار، إلى جانب أن لهذا الخيار تكلفته لا سيما أنه قد يدخل المنطقة فى أجواء صراع سنى-شيعى حاد.

2- تطوير إضافى لمنظومة الدفاعات الجوية فى الدول الخليجية:تمكنت أنظمة الدفاع الجوى فى دول الخليج من اعتراض النسبة الكبرى من الصواريخ والمسيرات التى أطلقتها إيران، وهو ما يعكس تطورا ملحوظا فى قدرات الدفاع الصاروخى والإنذار المبكر. بيد أن هذه الأنظمة تحتاج إلى تطوير إضافى وبما يقلل من الخسائر المادية والبشرية، حال سقوطها على الأهداف المطلوبة. فضلا عن ذلك، فإن منظومة الدفاعات الجوية تسهم فى صد أى تهديدات تؤثر فى الصورة الذهنية لدول الخليج، إذ لا يقوم اقتصاد دول الخليج اليوم على تصدير الطاقة فقط، بل على دوره كعقدة مركزية فى سلاسل الإمداد العالمية.

فالموانئ، والمطارات، والمناطق الحرة، تشكل منصات ربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. وفى سياق حرب ممتدة أو تصعيد متكرر، تبدأ الشركات العالمية بإعادة توزيع المخاطر. قد لا تنسحب فورا، لكنها تعمد إلى تنويع مراكز التخزين، وتقليل الاعتماد على مسارات بعينها، وزيادة المخزون الاحتياطى، إذ يصبح الأمن الاقتصادى جزءا أساسيا من معادلة الأمن الوطنى. فحماية البنية التحتية للطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد لم تعد قضية اقتصادية فقط، وإنما أصبحت عنصرا محوريا فى الاستقرار الاستراتيجى للمنطقة، وعدم إدراج المنطقة ضمن نطاق «المخاطر المرتفعة».

3-الارتقاء بالصناعات الدفاعية المحلية فى دول الخليج: ثمة نقاش واسع سوف يجرى، وبصفة خاصة فى السعودية والإمارات، لتعزيز الكثير من الصناعات الدفاعية، وفى تخصصات بالغة الدقة، بما يعطى نوع من الجاهزية لأية تحولات مفاجئة فى الإقليم، أو على الأقل التقليل من الخسائر التى تتعرض لها دول الخليج، انطلاقا من ضرورة التكيف مع إدارة المخاطر التى تهب من كل اتجاه.

4- إعادة التفكير فى التحول من التعاون إلى الاتحاد الخليجى:تعيد الحرب الحالية إحياء النقاش حول مستقبل الأمن الجماعى فى الخليج، وهو ما طالبت به أصوات عدد من الخبراء الاستراتيجيين فى منطقة الخليج، مثل د. عبدالخالق عبدالله ود. ابتسام الكتبى. فعلى الرغم من التطور الكبير فى القدرات العسكرية الفردية لدول مجلس التعاون الخليجى، فإن التهديدات العابرة للحدود، خصوصا الصواريخ والطائرات المسيرة، تتطلب مستوى أعلى من التكامل العملياتى. يعزز هذا الواقع من الحاجة إلى بناء شبكة إقليمية متكاملة للإنذار المبكر والدفاع الصاروخى تربط بين قدرات الدول الخليجية وتنسقها مع شركائها الدوليين. إن مثل هذه المنظومة لا تعزز فقط القدرة الدفاعية، بل ترفع مستوى الردع عبر خلق بيئة عملياتية يصعب اختراقها. وقد تتحول الحرب الحالية إلى لحظة فارقة تدفع نحو إعادة هيكلة البنية الأمنية الخليجية، بحيث تنتقل من نموذج التعاون التقليدى إلى نموذج أكثر تكاملا يقوم على تبادل المعلومات والقدرات الدفاعية فى الوقت الحقيقى.

5- الإسهام فى إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمى:تمثل هذه الحرب اختبارا حقيقيا لنموذج الاستقرار الذى سعت دول الخليج إلى ترسيخه خلال العقود الماضية. ففيما نجحت هذه الدول فى بناء اقتصادات مرنة وشبكات شراكات دولية واسعة، فإن البيئة الاستراتيجية الجديدة تفرض الانتقال من سياسة إدارة المخاطر إلى سياسة إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمى نفسها، يكون فيها توازن بين أطراف مختلفة. فالسؤال الجوهرى الذى تطرحه الحرب الحالية هو كيف يمكن بناء نظام أمنى إقليمى أكثر استقرارا فى منطقة أصبحت فيها الحروب أقل قابلية للاحتواء وأكثر امتدادا عبر الحدود.

6- التفكير فى متطلبات «اليوم التالى» لانتهاء الحرب:يكمن التحدى الاستراتيجى لدول الخليج فى التجهيز لمرحلة ما بعد سكوت المعارك أو اليوم التالى للحرب، وأبرزها العمل على استعادة الإنتاج فى القطاعات المحورية والحيوية بشكل عاجل، وهو ما يتطلب تسوية مخرجات الحرب بأشكالها المختلفة، إذ إن تعافى منشآت الطاقة المتضررة، وتعليق رحلات الطيران، وارتفاع أقساط التأمين البحرى، وزيادة تكلفة الشحن، واحتمال إعادة توجيه السفن، لا تمثل أعباء مالية إضافية فحسب، وإنما تحمل إشارات إلى إعادة إدراج المنطقة ضمن نطاق المخاطر المرتفعة.

ختـامـــًا:

إن دول الخليج سوف تتجاوز تداعيات تلك الحرب، آجلا أو عاجلا، بفضل الاحتياطيات المالية الضخمة والصناديق السيادية، لكن ستظل الإشكالية التى تواجه دول الخليج تتعلق باستعادة ثقة الأسواق العالمية بالنموذج الذى تقدمه دول الخليج، لأن البيئة الأمنية فى الخليج لن تعود إلى ما كانت عليه قبلها، وهو ما يتطلب بناء منظومة ردع متعددة الأبعاد تجمع بين القوة العسكرية والمرونة الاقتصادية والدبلوماسية النشطة. ويمثل الاستهداف الإيرانى لدول الخليج اختبارا شاملا للنموذج الاقتصادى الخليجى الذى يقوم على أربع ركائز مترابطة: استقرار إمدادات الطاقة، وأمن الممرات البحرية، ومركزية سلاسل الإمداد، وجاذبية البيئة الاستثمارية، وهى ركائز غير صديقة للانزلاق إلى جبهات أوسع.

*نشر فى عدد مجلة السياسة الدولية - أبريل 2026/ ملف خاص: الحرب على إيران

 


رابط دائم: