السردية الإيرانية وإدارة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية
8-4-2026

عمرو أحمد
* خبير الشئون الإيرانية فى المنتدى الاستراتيجى للفكر والحوار

بدا السياق العام للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران التى بدأت يوم السبت 28 فبراير 2026 متشعبا وأكثر توسعا على مستوى الأهداف السياسية والعسكرية وما تبعها من أهداف اقتصادية، وعلى مستوى رقعة الصراع التى انتقلت من الأراضى الإيرانية والأراضى المحتلة والقواعد الأمريكية فى المنطقة إلى مساحة جغرافية أوسع شملت دول الخليج وبعض دول جوار إيران ووصلت حتى تركيا وقبرص.

أظهر هذا السياق لإدارة المعارك قدرات إيرانية عسكرية جديدة تصل إلى العمق الإسرائيلى وتشمل القواعد الأمريكية فى المنطقة، وتؤكد تنوع القدرات العسكرية الإيرانية، وتغيرا فى تكتيكات المواجهة، وهو ما تحدثت عنه طهران منذ عقد المفاوضات التى سبقت الحرب بأن إيران تفاوض ويدها على الزناد وأنها جاهزة لمختلف السيناريوهات. ومع مرور أول أسبوع فى الحرب، كانت هناك تقديرات إيرانية فى إحداث خسائر شملت استهداف أكثر من 200 موقع ومنشأة أمريكية، فضلا عن أهداف داخل إسرائيل وتدمير سبعة رادارات متطورة تابعة لمنظومة «ثاد»، وفق ما صرح به المتحدث باسم الحرس الثورى الإيرانى، على محمد نائينى.

منذ اليوم الأول للهجوم واغتيال المرشد الأعلى على خامنئى وقيادات عسكرية كبرى من الحرس الثورى والجيش بعد هجمات على منطقة باستور وسط طهران التى تضم مقرات المرشد والحرس الثورى ومجلس الخبراء والرئاسة والحكومات الإيرانية، قال عنها الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، إنها نجحت فى قطع رأس السلطة واغتالت ما يزيد على 40 قيادة عسكرية، برزت السردية الإيرانية بشقيها المذهبى والعسكرى وأظهرت بدورها كيفية تعامل إيران داخليا لاحتواء الشارع الذى سبق الحرب بتظاهرات كبيرة نجحت الأجهزة الإيرانية فى السيطرة عليها.

من هذا المنطلق،يجب فهم كيفية إدارة إيران للجبهة الداخلية خلال الحرب على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وكيف تروج إيران لسرديتها لاحتواء الشعب حول السلطة؟وما ردود فعل إيران تجاه العدوان عليها سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا؟

1- القيادة السياسية وآليات اتخاذ القرار بعد اغتيال المرشد:

بعد حرب الإثنى عشر يوما، عملت إيران على اتخاذ مجموعة من الإجراءات السياسية والأمنية تحسبا لتكرار سيناريو الحرب مرة أخرى. وفى أغسطس 2025 عين مسعود بزشكيان الرئيس الإيرانى على لاريجانيفى منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى، وهى هيئة استراتيجية مكلفة بوضع السياسات فى مجالى الدفاع والأمن، وسبق القرار إعادة إحياء مجلس الدفاع الذى يعود لحقبة الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988).

قبل يومين من الحرب، أُسدل الستار على الجولة الثالثة من المفاوضات الأمريكية- الإيرانية فى جنيف بإعلان تقدم ملموس على لسان وزير الخارجية العمانى بدر البوسعيدى، مع تحديد جولة فنية مرتقبة فى فيينا ومشاورات داخلية متوازية. ومع بدء الحرب واغتيال خامنئى، شكلت طهران مجلس قيادة لإدارة شئون البلاد يتكون من رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية محسنى إيجى، وعضو مجلس سيادة الدستورعلى رضا أعرافى، وفق المادة الحادية عشرة بعد المئة من الدستور الإيرانى المعدل فى 1989(1).

عقب تشكيل المجلس المؤقت، فوض مجمع تشخيص مصلحة النظام صلاحية إعلان الحرب والسلام إلى مجلس القيادة المؤقت، ونقل ممارسة بعض صلاحيات القيادة، بما فى ذلك عزل وتعيين القادة العسكريين وقادة قوى الأمن، وفق تصريحات للمتحدث باسم مجمع تشخيص مصلحة النظام سيد محسن دهنوى، نقلها التليفزيون الرسمى الإيرانى الناطق بالفارسية «شبكة خبر».

حافظت إيران على بنية نظام ولاية الفقيه وفق الإطار الدستورى الحاكم للبلاد، لكن بقيت القوات العسكرية على الأرض تتعامل من منطلق اللامركزية فى اتخاذ القرار العسكرى، وهو ما تسبب فى استهدافات لدول الجوار اعتذر عنها الرئيس الإيرانى وتجددت وجدد توضيحها بزشكيان بالتزام إيران بحسن الجوار،ما دام لم يتم استهداف إيران من دول الخليج.

بعيدا عن السياق الدستورى الموضوع،فإن الحرس الثورى لم يستجب لنداء بزشكيان-غير المقبول من الحرس الثورى- بعدم استهداف دول الخليج، بل تعرض الرئيس الإيرانى لهجوم من بعض المتشددين الرافضين لأى استثناءات فى معادلة المعركة الدائرة.

2- سردية اغتيال المرشد:

عملت إيران على توظيف الحرب ضمن سردية محكمة تتوافق مع بنيتها الدينية وتحقق التفاف أنصار النظام حول مفهوم نظام ولاية الفقيه، ووظفت الحادث ضمن سردية كربلائية تقوم على التضحية، وأن دماء القائد ستضمن أمن إيران وبقاء الإسلام، كما جاء على لسان آية الله أحمد مروى،المسئول عن العتبة الرضوية المقدسة(2).

اتجهت السردية الإيرانية على لسان المراجع الشيعية التقليدية إلى مسارين، الأول يؤكد رفض خامنئى الاختباء قبل الهجوم فى مكان آمن، وأنه قدم تضحية لبقاء الشعب وهو ما كان يردده المراجع خلال استقبال العزاء الشعبى والتجمعات ليلا من الأنصار الغاضبين.والمسار الآخر هو إصدار فتاوى بوجوب الانتقام من مرتكبى الاغتيال، كما جاء على لسان آية الله نورى همدانى أحد مراجع التقليد البارزين.

سياسيا،وجه وزير الخارجية الإيرانى، عباس عراقجى، رسالة إلى منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى، إثر العدوان الأمريكى-الإسرائيلى على إيران واغتيال خامنئى، معتبرا أن هذا العدوان له تداعيات عميقة وواسعة تقع مسئوليتها الكاملة حصرا على عاتق مرتكبيه.

حزبيا،مزجت حادثة اغتيال المرشد بالأسطورة الفارسية، وهو ما ظهر جليا فى تصريحات الأمين العام لحزب عهد إيران، على باقرى، الذى قال فى بيان نعيهإن «الدم الحار للقائد الشهيد سيحفظ إيران كما حفظها السهم الأسطورى لآرش». (الشخصية الأسطورية الفارسية، الذى أطلق سهما ليحدد حدود إيران، وهو رمز للتضحية).

عسكريا،هدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومى، على لاريجانى، بإحراق قلوب المتواطئين فى عملية الاغتيال. وأكد بيان الحرس الثورى الانتقام داعيا مختلف شرائح المجتمع إلى الحضور الفاعل فى ساحات الدفاع لإظهار التلاحم والوحدة الوطنية(3)، ما انعكس على التعامل العسكرى من قبل الحرس الثورى والجيش الإيرانى بعدما تبلورت ملامح هذا التصعيد باستهداف الحرس الثورى لناقلات نفط فى مضيق هرمز وخليج عمان، إضافة إلى قصف حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن بأربعة صواريخ باليستية.

3- حماية الجبهة الداخلية:

مع اليوم الأول للحرب، انتشرت قوات الباسيج مصحوبة بالقوات الشرطية فى الشارع لحفظ الأمن ومنع عمليات التخريب وتنظيم وصول السلع للمواطنين، وذلك بعد استهداف العديد من النقاط الشرطية فى طهران والمدن الأخرى بهدف إحداث أزمة انفلات أمنى فى الداخل. لم يقتصر دور الباسيج على حفظ الأمن الداخلى، بل عمل على التعبئة الوطنية لمساندة الدولة وقت الحرب من خلال الاحتجاجات فى الشارع الرافضة للحرب ورفع الشعارات المطالبة بالتصدى لهذا العدوان فى مشاهد تستدعى الذاكرة التاريخية للحرب.

قبل اندلاع الحرب بنحو شهر، أعلنت بلدية طهران عن خطة لتحويل محطات المترو لملاجئ لحماية المدنيين من الهجمات، مع توفير السلع الاستهلاكية والدوائية خشية شن حرب على البلاد. ومع انتشار رقعة الاستهدافات الإسرائيلية-الأمريكية على المدن والمحافظات الإيرانية المختلفة، قال المتحدث باسم بلدية طهرانعبدالمطهر محمدخانى إن عدد العائلات التى تم إيواؤها فى الفنادق خلال الأيام الماضية تجاوز نحو مئتين، مع توفير إمكانية استخدام بعض محطات المترو وعدد من مبانى القطاع الخاص كملاجئ(4).

على مستوى المحافظات الإيرانية، أظهرت بيانات الهلال الأحمر الإيرانى تضرر آلاف المبانى المدنية فى مختلف أنحاء إيران.وصرح رئيس المنظمة الإنسانية، بير حسين كوليوند، بأن 13785 وحدة مدنية قد تضررت، منها 11293 مبنى سكنيا، و2383 مبنى تجاريا، و65 مدرسة(5).

فى اليوم الأول للحرب، كشفت التصريحات الرسمية الإيرانية استهداف مدرسة شجرة الطيبة فى ميناب، بمحافظة هرمزجان، جنوب إيران، بعد مقتل أكثر من 170 شخصا خلال هجوم شنته الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو حادث اتُهمت فيه واشنطن وتحقق فيه الجهات الأمريكية، وتم إظهاره إيرانيا على أن واشنطن وتل أبيب يعملان على قتل المواطنين.

إعلاميا،ومع انقطاع الإنترنت، عملت إيران على توصيل رسالتها فقط إلى الشارع عبر التليفزيون الرسمى، ورسائل قصيرة تصل للهواتف بكل المستجدات وأوضاع الحرب والانتقام لمقتل المرشد. ومع عودة الإنترنت بشكل متقطع،تتم متابعة الأخبار والمستجدات عبر بعض التطبيقات والمواقع المفتوحة فقط، لإبعاد الداخل عما وصف بالحرب الإعلامية الغربية.

أسهمت العديد من الأحداث، التى استهدفت البنى التحتية الإيرانية والمدنيين بشكل كبير فى شعور المواطن الإيرانى بأن الحرب الجارية لا تستهدف القيادات العسكرية والدينية فحسب، بل تعمل على تدمير البلاد وقتل المدنيين، الأمر الذى لم يدفعهم للتحرك فى الشارع ضد النظام الحاكم.

4- الوضع الاقتصادى وتأمين السلع الاستهلاكية:

خرجت إيران من حرب الإثنى عشر يوما بتضخم غير مسبوق بلغ 44% مقارنة بما كان عليه الوضع قبل انسحاب ترامب من الاتفاق النووى عام 2018، والبالغ 9% فى عام 2017. وفى سبتمبر 2025 طالب المرشد السابق على خامنئى من الحكومة تعزيز مخزون السلع الغذائية الأساسية استعدادا لما سماه «المخاطر غير المتوقعة». أما مجلس القيادة المؤقت الذى تشكل بعد اغتيال خامنئى، فأكد فى اجتماعاته تكليف الحكومة بتنفيذ قراراته لتأمين الاحتياجات الأساسية للبلاد، لا سيما «السلع الأساسية والأدوية».

قام النائب الأول للرئيس، محمد رضا عارف، خلال اليوم الخامس من الهجمات، بزيارة متجرين كبيرين، والبنك المركزى، ومنظمة العقوبات الحكومية، لمراقبة عملية توريد وتخزين وتوزيع السلع الأساسية والأدوية عن كثب، وأكد أن وضع تخزين السلع الأساسية وغيرها من السلع فى البلاد مواتٍ للغاية»، وشدد على حل مشكلة نقص المياه.

أما محافظ البنك المركزى، عبدالناصر همتى، فأكد أن الأولوية الرئيسية للبنك المركزى والحكومة هى توفير العملات الأجنبية والموارد بالريال لهذه المواد، وقد تمت تلبية جميع الاحتياجات حتى الآن، بالتعاون مع البنوك والجهات المسئولة».

تؤكد التصريحات الرسمية الإيرانية استمرار حركة عبور البضائع من وإلى إيران عبر الحدود الجمركية الغربية مع أذربيجان.وفى 9 مارس 2026، دخلت إيران 217 مركبة وغادرتها 411(6).

فيما يتعلق بأنشطة الموانئ والجمارك فى محافظة هرمزجان، أكد رئيس قضاة هرمزجان صدور أوامر قضائية خاصة لتسريع عملية تخليص البضائع والسلع فى موانئ المحافظة وجماركها، حيث غادرت 86 حافلة كهربائية تابعة لبلدية طهران ميناء الشهيد رجائى متجهة إلى طهران.

وفق بيان للمتحدث باسم المنظمة الإدارية والتوظيفية فى البلاد، صرح حسين رحمانيان، بأنه سيتم صرف رواتب شهر مارس بشكل طبيعى بالنسبة للموظفين الحكوميين والمتقاعدين(7).

5- تعيين المرشد الثالث لإيران:

أعلن مجلس خبراء القيادة تعيين المرشد الثالث لإيران، مجتبى خامنئى نجل المرشد السابق على خامنئى، فى خطورة تؤكد استمرارية نظام ولاية الفقيهوإعادة إنتاج النظام الحاكم المستمر فى نهجه المعادى للهيمنة الأمريكية والأحلام الإسرائيلية الداعية لما يعرف بالشرق الأوسط الجديد.

إن خطوة اختيار مجتبى خامنئى، الذى يوصف بأنه مرشد الظل وخروجه إلى الواجهة، لها عدة دلالات يمكن البناء عليها فى توجه الجمهورية الإسلامية تحت قيادة المرشد الثالث الأكثر تشددا، وهى الاستمرار فى الحرب للثأر من اغتيال أسرته، وعدم وقف العمليات العسكرية التى تستهدف الإقليم والوطن العربى، والتصعيد حتى التفاوض على وقف الحرب، لا تغيير نظام الجمهورية الإسلامية.

قوبل انتخاب مجتبى بأغلبية خبراء القيادة بترحيب على المستويات العسكرية والدينية والشعبية، خاصة أن بيان الجيش الإيرانى اعتبر تلك الخطوة بمنزلة «المبدأ المتقدم لولاية الفقيه، الذى يُعد فى عصر غيبة الإمام المهدى الطريق الوحيد لإنقاذ البشرية نحو السعادة الدنيوية والأخروية»رغم أن تنصيب المرشد الجديد يتماشى مع مبدأ التوريث الذى خرجت عليه ثورة الخمينى، ورغم درجته الدينية التى رفعت لآية الله، فإن قراءة خطوة تنصيبه ممكنة كونه مرشد الضرورة.

6- الموقف الرسمى من العدوان والمفاوضات

اتسم الخطاب الرسمى الإيرانى على المستويات السياسية والدبلوماسية والعسكرية بالتوافق ضد العدوان الإسرائيلى-الأمريكى، الذى يسير فى مسارين رئيسيين، الأول إدانة العدوان ورفض المفاوضات،والآخر التوعد والجهازية للحرب.

على المستوى السياسى، هناك تقدير لجهود الوساطة من حيث الشكل، لا التعاطى. وبالنظر إلى تصريحات الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان،نجد أنه قدَّر تلك الجهود، مع استمرار إيران فى الدفاع عن نفسها. أما رئيس مجلس الشورى الإسلامى، محمد باقر قاليباف، فأكد أن الحرب الجارية تمثل مواجهة بين «جبهة التوحيد» و«جبهة الاستكبار»، كما يرى أن الولايات المتحدة تحولت عمليا إلى أداة بيد إسرائيل.

على المستوى الدبلوماسى، ترى إيران أنها للمرة الثانية كانت بصدد مفاوضات تجرى للتوصل إلى اتفاق حول برنامجها النووى، وعمدت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مهاجمة أراضيها، الأمر الذى لا يفتح أفقا للتفاوض فى المستقبل مع واشنطن، وهو ما شدد عليه وزير الخارجية الإيرانى، عباس عراقجى، فى لقاء مع شبكة «إن بى سى نيوز»، بأن إيران لا تسعى إلى وقف إطلاق النار، ولا إلى مفاوضات مع الولايات المتحدة، ولا ترى أن هناك سببا يدعو طهران للتفاوض، وكان ذلك فى اليوم السادس من الحرب.

أما سفير إيرانلدى الأمم المتحدة في جنيف، على بحرينى، بعد ثلاثة أيام من الهجوم، فقد شكك فى إمكانية إجراء ‌مفاوضات ‌مع الولايات المتحدة، وأكد أن اللغة الوحيدة للتحدث مع أمريكا هى لغة الدفاع وهذا ليس وقت التفاوض». أيضا، ذكر المندوب الإيرانى بمجلس الأمن أن مزاعم استهداف الأهداف العسكرية فقط فى إيران «كاذبة ولا أساس لها»، مؤكدا أنها شملت الأحياء السكنية والمنشآت المدنية، ما يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومن بينها مقتل أكثر من 180 طفلا إيرانيا.

على المستويين الأمنى والعسكرى، اعتبر أمين مجلس الأمن القومى الإيرانى على لاريجانى، إن إيران فى حالة دفاع عن النفس، وأن قوات بلاده المسلحة لم تكن البادئة بأى هجوم، وأن الردود الإيرانية جاءت فى إطار حماية الأمن الوطنى والمصالح الاستراتيجية.

أما الحرس الثورى، فأكد قدرته وجاهزيته على مواصلة الحرب «ستة أشهر على الأقل من حرب ضارية» ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيرا إلى أنه ضرب حتى الآن أكثر من 200 هدف أمريكى وإسرائيلى فى المنطقة.

7- المواجهة مع أمريكا وإسرائيل:

ترى إيران أن هناك تباينافى الأهداف الأمريكية والإسرائيلية فى الهجوم عليها اتساقا بالهدف المعلن لهذه الهجمات، وهو تدمير البرنامج النووى الإيرانى الذى سبق أن أكد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تدميره خلال حرب الـ12 يوما.

سبق الهجوم على إيران تصريحات للمبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف تتشابه مع ما كان يردده رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، منذ عام 2018، بأن إيران على مسافة أسبوع من امتلاك قنبلة نووية، وانتقلت الاستهدافات والتصريحات الأمريكية والإسرائيلية من هدم القدرات النووية إلى مساعى لإسقاط النظام وتدمير القدرات الدفاعية والبحرية لإيران، فى مشهد يسعى إلى انهيار البلاد ويمهد لمشروع تقسيم إيران.

لكن مع حالة الاشتباكات الجوية والصاروخية بين الأطراف، كثفت الولايات المتحدة وإسرائيل الهجوم على المواقع والقواعد الجوية والصاروخية غرب إيران، مثل كرمانشاه وكردستان إيران، فى مسعى أمريكى لإشراك الجماعات الكردية-الإيرانية المسلحة فى معادلة الصراع عبر الاشتباك والتوغل البرين ما يعد بداية العمل على تقسيم الدولة الإيرانية استغلالا لحلم الانفصال الكردى.

كما بادرت إيران بتوجيه ضربات صاروخية للمناطق الحدودية مع كردستان العراق لكبح جماح تلك الجماعات، وأجرى وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى اتصالات هاتفية مع بغداد وكردستان لتأكيده عدم دعم تلك التحركات، وهو ما أكده العراق، ووجه رسالة للولايات المتحدة بأن إيران ترحب بأى غزو برى.

لا يتوقف الانشغال الأمريكى والإسرائيلى بهذه المنطقةعند ما تحويه من قواعد للطائرات والصواريخ، بل تراه واشنطن وتل أبيب الطريق الذى قد يمهد لغزو برى كردى بإشراف أمريكى، ومن ثم نقل المعركة من السماء إلى الأرض.

تزامن مع التصريحات الأمريكية إعلان أذربيجان، على لسان وزير خارجتها، جيحون بايراموف، أن طائرات مسيرة انطلقت من الأراضى الإيرانية استهدفت منطقة ناختشيفان الأذربيجانية على الحدود الإيرانية، تبعه تحذيرات من رئيس أذربيجان، إلهام علييف، بأن بلاده لا ولن تشارك فى أى عمليات ضد إيران ومستعدة لإظهار قوتها، لكن ظلت الترجيحات الإسرائيلية تتحدث عن إمكانية مشاركة أذربيجان فى عمل عسكرى ضد طهران.

على مستوى الخارجية، وعلى مستوى الهيئة العامة للقوات المسلحة الإيرانية، نفت طهران إطلاق مسيرات باتجاه أذربيجان، واتهمت إسرائيل بمحاولة الوقيعة بين طهران وباكو.وسبق ذلك نفى إيرانى لمجموعة من الاستهدافات فى الخليج وقبرصوتركيا، فى إشارة لمساع إسرائيلية لإدخال شركاء جدد فى المعركة التى تطول مدتها وتزيد تكلفتها حال اقتصارها على الهجمات الجوية.

لكن لماذا أذربيجان؟ هناك توتر كبير فى العلاقات بين باكو وطهران، حيث ترى الأخيرة أن أذربيجان هى التى جلبت الولايات المتحدة على حدودها الشمالية الغربية بتوقيع اتفاق سلام مع أرمينيا برعاية أمريكية والتصديق على ما يعرف بـ»ممر ترامب للسلام» الذى يبدأ من باكو وينتهيعند «قاس» التركية ويمر عبر الحدود الإيرانية-الأذربيجانية-الأرمينية. وعقب سقوط طائرة الرئيس الإيرانى السابق إبراهيم رئيسى، عقب زيارته لحدود أذربيجان، اتهمت تيارات فى الداخل الإيرانى أذربيجان بالوقوف وراء هذا الحادث، لكن المرشد السابق على خامنئى تدخل لوقف تلك الاتهامات.

كانت إيران قلقة من تطويقها إسرائيليا، واستغلال أراضى جيرانها فى جنوب القوقاز وآسيا الوسطى لشن أى عمل عدائى ضدها فى المستقبل، وكثيرا ما وجهت اتهامات لبعض دول الجوار لمساعدة تل أبيب، أبرزها انطلاق المسيرات الإسرائيلية خلال الحرب، وهى دولة أذربيجان، لكن الأمر لا يقتصر على أذربيجان فى معادلة الصراع الإسرائيلى-الإيرانى. فدول آسيا الوسطى تتمتع بعلاقات قوية مع تل أبيب، حيث ترى طهران أنها أمام تهديد يضرب أمنها القومى، ويطوقها جيوسياسيا، ويضعف نفوذها الاقتصادى فى تلك المنطقة.

تقدَّر عدد الشركات الإسرائيلية العاملة فى أذربيجان بنحو 140 شركة وفق التصريحات الرسمية بين البلدين، وشكلت الأسلحة الإسرائيلية 69% من واردات أذربيجان من السلاح بين عامى 2016 و2021، بما فى ذلك أنظمة متطورة لاعتراض صواريخ وطائرات مسيرة انتحارية لعبت دورا كبيرا فى انتصار أذربيجان على أرمينيا فى حرب ناجورنوكاراباخ الثانية عام 2020. واقتصاديا، تزود أذربيجان إسرائيل بما يصل إلى 55% من احتياجاتها النفطية، وتحصل -فى المقابل- على أنظمة أسلحة متطورة بمليارات الدولارات.

يعيش فى أذربيجان نحو 26 ألف يهودى، ويتمتعون بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وتعود قوة هذه العلاقات إلى عام 1991 بعد استقلال أذربيجان عن الاتحاد السوفيتى. وفى العام نفسه، تأسست جمعية الصداقة الأذربيجانية-الإسرائيلية.

 واليوم، تتعدد دوافع التعاون العسكرى بين باكو وتل أبيب، فقدعملت إسرائيل على حجز موطئ قدم لها بالقرب من الحدود الإيرانية، على شاكلة أذرع إيران فى سوريا، ولبنان، والعراق، كما تسعى تل أبيب إلى تأمين منابع النفط التى تغذى خط الأنابيب الممتد من أذربيجان، ثم جورجيا حتى ميناء جيهان التركى، ثم إلى ميناء عسقلان المحتل.

فى ضوء ما سبق نستنتج ما يلى:

- اغتيال المرشد الإيرانى لا يعنى إسقاط نظام ولاية الفقيه، حتى إذا تم استهداف المرشد الجديد.

- الرهان على العمليات العسكرية عن بعد سيتسبب فى خسائر فادحة داخل إيران دون تقسيمها، والرهان على الأكراد وحدهم فى معادلة الصراع لا يعمل علىتقسيم البلاد.

- قد تتجه الولايات المتحدة لوساطة الصين وروسيا لخفض التصعيد مع إيران، وربما إيقاف الحرب خلال زيارة الرئيس الأمريكى لبكين.

الهوامش:

-الدستور الإيراني،نص دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سفارة إيران في موريتانيا.

 https://2u.pw/VJa1p

أخبار خراسان رضوي، خون رهبرشهیدامنیتو بقایایرانو اسلام را تضمینخواهدكرد، خبركزاریتسنیم، 7 مارس 2026.

https://2u.pw/yiouxy

بيان رسمي، بيان الحرس الثوري في أعقاب استشهاد الإمام الخامنئي، قناة العالم الإيرانية، 1 مارس 2026.

 https://2u.pw/vocFbJ

وكالة إيلنا، بلدية طهران: إيواء أكثر من 200 عائلة متضررة في الفنادق، ميدل ايست نيوز، 8 مارس 2026.

 https://2u.pw/4eJxXv

(CNN)، الهلال الأحمر الإيراني: تضرر آلاف المباني السكنية جراء الغارات الجوية، CNN، 9 مارس2026.

 https://2u.pw/OTarqz

اخبار اقتصادی، رونق ترانزیتو صادرات در مرزهای شمال غربیكشور، خبركزاریتسنیم، 9 مارس 2026.

 https://2u.pw/QW3OIW

اخبار اقتصاد، پرداخت حقوق كاركنانو بازنشستكان تا فردا، خبركزاریتسنیم، 9 مارس 2026.

 https://2u.pw/ZAAep3

 

*نشر فى عدد مجلة السياسة الدولية - أبريل 2026/ ملف خاص: الحرب على إيران


رابط دائم: