الحـرب على إيـران.. مسـارات واتجاهـات الأهـداف الإسرائيليـة
8-4-2026

د. طارق فهمي
* أستاذ العلوم السياسية، رئيس وحدة الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية، المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط.

استهدفت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية تنفيذ عدة أهداف رئيسية - وفقا للتصور الإسرائيلى- تتمثل فى إسقاط النظام الإيرانى (مقتل مرشد الثورة وهو ما تم) وإنهاء الخطر الصاروخى والبرنامج النووى، ما يعنى أن الأهداف الإسرائيلية محددة وقد تختلف عن الموقف الأمريكى بغض النظر عن تحليل مضمون الخطاب السياسى للرئيس ترامب أو تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو والقادة العسكريين خلال الفترة الراهنة من المواجهة.

1- الأهــداف الرئيسيــة:

تتلخص مجمل الأهداف الإسرائيلية الحالية فى جملة من الأمور،أهمها إسقاط النظام الإيرانى وهو الأمر الذى سيحتاج إلى قدرات وإمكانيات طويلة وممتدة قد لا تكون متوافرة حتى الآن ولن تظهر قبل مرور عدة أيام وربما لمدة أسبوع، وتحتاج إلى قدرات أخرى غير معلومة حتى الآن،وقد تتطور خلال الأيام المقبلة. ورغم وجود تجاوب واضح فى الخطوط والأهداف الأمريكية للتعامل مع الحالة الإيرانية، فإنه من غير الواضح مدى استمرارية هذا المشهد لفترة ممتدة قد تكون مفتوحة، واحتمالية دخول الكونجرس ومجموعات اليمين، خاصة حركة ماجا، وكذلك وجود نوع من التوافق الكبير داخل إسرائيل، سواء من قبل الحكومة الإسرائيلية أو المعارضة، الأمر الذى قد يستمر لحين وضوح نتائج الضربات العسكرية ومدى ما يتحقق على الأرض، وهو ما يرتبط فعليا بحجم الإنجاز العسكرى.

تركز إسرائيل فى الوقت الراهن على ما يمكن أن يتحقق بالنسبة للبرنامج الصاروخى، مع إعطاء الأولوية للتركيز على استهداف منصات الإطلاق الموجهة من داخل إيران إلى إسرائيل، حيث بادرت تل أبيب بتوجيه الضربات على مناطق متعددة فى إيران. فى المقابل، بادرت إيران بنقل رسالة استباقية بأنها قادرة على ضرب العمق الإسرائيلى، وفى مواقع متعددة وسعت إسرائيل للتعامل مع المنشآت النووية بالأساس، خاصة أن الهدف الرئيسى للجانب الإسرائيلى هو الوصول إلى اليورانيوم المخصب وعدم نقله إلى مواقع أخرى، بل واستهداف المنشآت يجب أن يتم -وفق المخطط الإسرائيلى- من خلال القوات الأمريكية لامتلاكها القدرة العسكرية والقنابل المؤهلة لهذا الأمر، حيث أنه لا يتوافر لإسرائيل، (هناك توزيع أدوار رئيسية بين الجانبين فى المهام الرئيسية: إسرائيل للقيام بالاغتيالات والتصفيات، والولايات المتحدة للتعامل مع منصات الإطلاق والمنشآت النووية).

يتركز الهدف الإسرائيلى فى إسقاط النظام الإيرانى أو إضعافه ودفعه لحافة الهاوية، وهو ما سيحتاج إلى دعم عملياتى على الأرض، وربما تدخل برى وإمكانيات كبيرة لا تتوافر فى الوقت الراهن بصرف النظر عن احتمالات إقدام الشعب الإيرانى على أى خطوة لتنفيذ هذا المخطط، خاصة أن النظام الإيرانى ما زال متماسكا رغم إعلان مقتل مرشد الثورة وتعيين مرشد جديد.

تتحسب إسرائيل لدفع تكلفة عالية فى هذه المواجهة، حال استمرار الحرب على إيران، خاصة أن حالة غزة تختلف عن إيران. فالمخطط الراهن إسرائيلى ودفع الولايات المتحدة إلى الحرب والمواجهة مع التحسب لعدة أمور (انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، وضغوط حركات اليمين وماجا)، ما قد يسهم فى ترتيب الأولويات الأمريكية، وكذلك فى إسرائيل، خاصة أن عودة أجواء الحرب فى إسرائيل ستدفع لتغييرات محتملة للجمهور الإسرائيلى بصرف النظر عن الخطاب السياسى والإعلامى الإسرائيلى، وحال استمرار المواجهات.

2- المخطــط الأشمــل:

فى السياق السابق، تخطط الحكومة الإسرائيلية لاستمرار الولايات المتحدة فى تنفيذ خريطة الأهداف الرئيسية فى المواجهة والتخوف من احتمالات توقف تكتيكى من قبل واشنطن لتقييم مسار العمليات وربط الاستمرار فى العمل العسكرى بالدعم الأمريكى لإسرائيل فى شن العمليات العسكرية من خلال التنسيق فى الغرفة الاستراتيجية المشتركة، ورصد رد فعل الأطراف المعنية، واحتمالات تعرض إسرائيل لاستهدافات من الجبهة اليمينية والعراقية واللبنانية.

يفتح ذلك الأمر المشهد العسكرى أو على الأقل يسهم فى تصعيد هو تعرض الداخل الإسرائيلى لخسائر قد تتضح خلال الساعات المقبلة، خاصة أن ردود الفعل قد تتغير، حال ارتباطها بالعمل العسكرى، والانتقال من «الظل» إلى المواجهة المباشرة، حيث نجحت إسرائيل سياسيا فى فرض واقع جديد يتجاوز «حروب الوكالة» إلى استهداف العمق الإيرانى مباشرة من الأراضى الإسرائيلية، ما أسقط الحصانة التى كانت تتمتع بها طهران لعقود. كما أكدت القيادة الإسرائيلية أن أحد أهم مكاسبها هو «تحقيق التفوق الجوى» الكامل فوق الأجواء الإيرانية، ما يمنحها قدرة دائمة على المناورة والضغط السياسى والعسكرى، إضافة لتقويض مشروع «وحدة الساحات من خلال ضرب المركز (طهران. وسعت إسرائيل سياسيا إلى إظهار عجز إيران عن حماية نفسها، ما يضعف ثقة «محور المقاومة» (حزب الله، والحوثيين) بالمظلة الإيرانية. وقد عززت الضربات (خاصة المشتركة مع إدارة ترامب فى 2026) من متانة التحالف العسكرى والسياسى مع واشنطن، ودفعت الولايات المتحدة نحو تبنى خيار «الخيار العسكرى» كأداة أساسية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووى، كما هدفت بعض الضربات الإسرائيلية لتعطيل المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، وفرض المسار العسكرى كبديل وحيد.

3- ضوابط حاكمة:

سيرتبط السلوك الإسرائيلى بعدة ضوابط مهمة يمكن الإشارة إليها، منها احتمال أن تتباين الرؤى بين الجانبين الأمريكى والإسرائيلى، ما يؤثر فى مسار العمل العسكرى وإتمام الأهداف الرئيسية للحكومة الإسرائيلية وقدرة إيران على تغيير زاوية المواجهة الحالية، بل واحتمال تماسك النظام الإيرانى برغم وقوع خسائر مكلفة دون أن تدفعه إلى تقديم تنازلات حقيقية للجانبين الأمريكى والإسرائيلى ودخول أطراف مثل روسيا والصين على الخط، حال نقل الملف الإيرانى مجددا إلى مجلس الأمن. وهنا، قد تتباين الرؤى والمتغيرات على الأرض، خاصة مع الخلافات الأوروبية-الأمريكية بشأن المفاوضات بعد إقصاء الترويكا الأوروبية، ما يعنى أن السلوك الإسرائيلى الحالى فى استمرار المواجهة العسكرية لن يحكمه فقط الجانب الأمريكى.

تهدف إسرائيل إلى تغذية الصراعات بين أجنحة السلطة فى إيران (الحرس الثورى مقابل الجيش، والمحافظون مقابل الإصلاحيين) لمنع انتقال سلس للسلطة إلى خليفة قوى، والعمل استخباراتيا وإعلاميا على تحفيز الشارع الإيرانى للانتفاض ضد نظام «ولاية الفقيه» المترنح، معتبرة أن هذه هى الفرصة التاريخية لإسقاط النظام من الداخل.

يركز المخطط الحالى على ملاحقة ما تبقى من القيادات العسكرية والسياسية القادرة على إعادة تجميع صفوف الحرس الثورى لضمان عدم تعافى الهياكل القيادية، واستغلال الارتباك السياسى لتنفيذ ضربات نهائية وحاسمة ضد المفاعلات والمنشآت النووية المتبقية لإنهاء «التهديد الوجودى» بشكل دائم.

ترى إسرائيل أن غياب «الرأس» (خامنئى) سيؤدى إلى انقطاع التمويل والتوجيه الاستراتيجى عن حزب الله، والحوثيين، والميليشيات فى العراق وسوريا. يتضمن المخطط تكثيف الضربات على هذه الجماعات، وهى فى حالة صدمة، والسيطرة الجوية الكاملة لمنع أى محاولات إيرانية لإعادة تسليح حلفائها فى الخارج خلال فترة الانتقال السياسى. ويسعى اليمين الإسرائيلى الحاكم إلى فرض «نظام إقليمى جديد» تكون فيه إسرائيل القوة المهيمنة دون منازع، مع دفع الدول العربية نحو تحالف دفاعى رسمى (ناتو إقليمى) لمواجهة أى بقايا للنفوذ الإيرانى والضغط باتجاه توسيع «اتفاقات إبراهام» لتشمل دولا إضافية، مستغلة ضعف المحور الإيرانى لتغيير الموقف التفاوضى الإقليمى.

تبرز المطالب الإسرائيلية فى الحصول على ضمانات دولية وميدانية لعدم قدرة إيران على استئناف تخصيب اليورانيوم بعد سلسلة الضربات التى استهدفت المفاعلات وفرض نظام تفتيش صارم وفورى من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية يشمل جميع المواقع العسكرية والبحثية.

تشترط إسرائيل وقفا كاملا لإنتاج وتطوير الصواريخ البعيدة المدى والطائرات المسيرة التى استهدفت العمق الإسرائيلى والقواعد الأمريكية فى الخليج وتدمير ما تبقى من منصات الإطلاق ومخازن الوقود الصلب التى كانت هدفا رئيسيا للغارات الأخيرة والحصول علىدعم واشنطن وإسرائيل لعملية انتقال سياسى تمنح الشعب الإيرانى القدرة على «استعادة بلده» كشرط لاستقرار طويل الأمد.

فيما تواصل القوات الإسرائيلية ضرب أهداف «فى قلب طهران» لتعزيز موقفها التفاوضى وضمان عدم قدرة النظام على إعادة تجميع صفوفه عسكريا قبل الدخول فى أى اتفاق. تتمثل هذه الشروط الضمنية والمعلنة فى مطالبة إسرائيل بأن تتبنى أى قيادة بديلة (سواء كانت عسكرية انتقالية أو مدنية) تعديلات دستورية تحذف البنود التى تدعو إلى القضاء على «الكيان الصهيونى والسعى للحصول على ضمانات بأن القيادة الجديدة ستعامل إسرائيل كدولة قائمة فى المنطقة، وليست «غدة سرطانية»، تمهيدا لسيناريو يشبه «اتفاقات إبراهام» مستقبلا.

الشرط الأساسى هو التزام القيادة الجديدة بقطع «الحبل السرى» الذى يربط طهران بحزب الله، الحوثيين، والميليشيات فى العراق وسوريا، كما تطالب إسرائيل بانسحاب كامل وشامل لجميع عناصر الحرس الثورى (أو ما تبقى منهم) من الساحات الخارجية كبادرة حسن نية لوقف الهجمات.

وتشترط تل أبيب أن تكون القيادة الجديدة مستعدة لتفكيك البنية التحتية النووية الحساسة بالكامل، وليس مجرد العودة للاتفاق النووى السابق، مع قبول نظام «تفتيش مفاجئ» وشامل لأى موقع عسكرى.

تفضل إسرائيل (والولايات المتحدة) قيادة من جنرالات الجيش النظامى أو تكنوقراط قوميين يضعون «مصلحة إيران أولا» فوق المصالح الأيديولوجية الدينية، حيث يُنظر إليهم كأطراف أكثر عقلانية فى التفاوض. وتطالب إسرائيل القيادة الجديدة بتوقيع تفاهمات (ولو غير معلنة فى البداية) تضمن عدم استخدام الأراضى الإيرانية أو الصواريخ الباليستية لتهديد أمن إسرائيل مقابل وقف الغارات الجوية ورفع العقوبات.

4- رؤية استشرافية:

من خلال السياق السابق، يمكن استشراف الموقف الإسرائيلى انطلاقا من أنه لن تدير الحكومة الإسرائيلية المواجهة بمفردها هذا الأمر، وإنما بدعم أمريكى، كما أن تكلفة المواجهة العسكرية ستتم بالتنسيق بين الجانبين، الأمر الذى قد يقنع نتنياهو بأن الاستمرار فى المواجهة حتى تحقيق النصر فى إيران يتطلب مزيدا من الإجراءات والتدابير الحقيقية للتعامل. كما أن امتصاص إيران للضربات العسكرية والتعامل مع تبعاتها ربما سيكون مبررا للاستمرار فى نهج المواجهة دون الإقدام على تقديم تنازلات أو العودة إلى المطالبة بالتفاوض بحسبان أن هذا الأمر مرتبط بمكانة ورؤية النظام الإيرانى للتعامل أمام جمهوره.

ستعمل إسرائيل على تسكين الجبهات المجاورة، خاصة أن سلوك الأطراف الوكيلة سيكون مطروحا بقوة فى الوقت الراهن بصرف النظر عن دخول حزب الله على الخط داعما لإيران فى الوقت الراهن. ومن ثم، فإن إسرائيل ستحاول تقييد الحركة الإيرانية من جانب، وتطويق خيارات الأطراف الوكيلة وإبقاءها فى إطار محدد -بل وربما منضبط أيضا- وقد بدأت إسرائيل الحرب على لبنان، ما ينذر بمواجهة شاملة، وربما عملية عسكرية شاملة

من المبكر أن تعمل إسرائيل على خيارات صفرية، بمعنى القيام بالعمل فى عمق إيران، حيث تظل القيود الجغرافية وبعد المسافة بين طهران-تل أبيب، ما يجعل استمرار الضربات العسكرية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة -وحتى إشعار آخر- مطروحة للعمل ودون أى تطوير فى التعامل انتظارا لما سوف تسفر عنه الأحداث إما بإحداث فوضى داخلية أو تحفيز الجمهور الإيرانى على التحرك.

ليس لدى إسرائيل تصور محدد للبدائل فى التعامل مع الحالة الإيرانية، مع مراعاة أن المطروح إسرائيليا عام ومن دون رؤية عميقة (إسقاط النظام - تغييره - خيارات أخرى) كما هو متداول أمريكيا. ومن ثم، فإن استمرار العمل الاستخباراتى والعودة لحرب الظل يبقى كما كان واردا وإن كان هذا الأمر سيظل مرتبطا فى المقام الأول بقدرة النظام الإيرانى على الاستمرار، ومدى ما يمكن أن يصمد لأطول مدة ممكنة ومحتملة.

وفقا للتقارير والتحليلات العسكرية الحالية، تتلخص الرؤية الإسرائيلية فى النقاط التالية:

يرى الجيش الإسرائيلى أن مقتل المرشد الأعلى وقادة الحرس الثورى «نقطة تحول استراتيجية». تهدف الرؤية العسكرية فى الوقت الراهن إلى منع أى محاولة لإعادة تشكيل هيكل قيادى عسكرى موحد فى إيران، ولن يحدث وقف إطلاق النار حتى تتأكد الاستخبارات العسكرية (أمان) من «تفتت» سلسلة القيادة المركزية للحرس الثورى.

يرفض الجيش الإسرائيلى على المستوى العسكرى إنهاء العمليات قبل تدمير جميع الأهداف الحيوية المتبقية فى القائمة التى وُضعت لبداية عام 2026، وتشمل: خلاطات الوقود الصلب من خلال تدمير ما تبقى من هذه التكنولوجيا لضمان عدم قدرة إيران على إنتاج صواريخ باليستية جديدة لمدة عقد على الأقل، والتأكد من «تسوية» منشآت مثل «فردو» و»نطنز» بالأرض لضمان استحالة العودة للمسار النووى العسكرى فى المدى المنظور. ويرى القادة العسكريون أن نهاية الحرب يجب أن تُترجم إلى واقع ميدانى تمنع فيه إسرائيل والولايات المتحدة أى تحرك عسكرى إيرانى خارج الحدود (فى العراق أو سوريا). وتتضمن الرؤية استمرار الدوريات الجوية والمسيرات فوق الأجواء الإيرانية كأداة لمراقبة ومنع إعادة الإعمار العسكرى، وهو ما يسمونه «اليوم التالى للأعمال العدائية».

المستوى العسكرى فى إسرائيل لا يثق بالوعود السياسية. لذا، فإن رؤيته لإنهاء العمليات تتطلب «اختبارا ميدانيا»:

أ- مراقبة رد فعل الميليشيات الموالية لإيران (حزب الله، والحوثيين). إذا لم تتوقف هجمات هذه الأطراف، فإن الجيش الإسرائيلى يرى ضرورة استمرار ضرب «المركز» فى طهران كعقاب على أفعال «الأطراف».

ب- بدلا من الحرب الشاملة، يفضل الجيش الإسرائيلى إنهاء «الضربات الكبرى» والانتقال إلى استراتيجية «المبضع»، أى تنفيذ عمليات اغتيال أو ضربات لمستودعات أسلحة محددة بناءً على معلومات استخباراتية للحفاظ على الردع دون الحاجة لاستمرار التعبئة العامة فى إسرائيل.

ج- يرى المستوى العسكرى أن إنهاء العمليات يجب أن يكون «نهاية من طرف واحد» يفرضها الواقع العسكرى الإسرائيلى، وليس نتيجة اتفاق دبلوماسى قد يعطى طهران فرصة لالتقاط الأنفاس. والهدف هو ترك إيران فى حالة من «العجز العسكرى الاستراتيجى» لسنوات طويلة قادمة.

إن استمرار العمل العسكرى أمريكيا وإسرائيليا على إيران سيكون له تأثيراته الكبرى فى أمن الإقليم والعالم العربى بصرف النظر عن استمرار النظام أو إضعافه لعدة اعتبارات أهمها تنامى ظاهرة استخدام القوة العسكرية لحسم الصراعات، وهو أمر قد يدفع لاحقا لتغيير أى نظام فى المنطقة لا يتجاوب مع الرؤية الإسرائيلية الراهنة بصرف النظر عن خصوصية الحالة الإيرانية والتذرع بالنووى الإيرانى وبالبرنامج الصاروخى وغيرها من الأطروحات الأمريكية والإسرائيلية الحالية.

وفقا للرؤية الإسرائيلية، فإن تطويع مواقف الأنظمة العربية سيتطلب إعادة ترتيب الأولويات الإسرائيلية، بل وسيشجع إسرائيل على المضى قدما فى نهجها فى قطاع غزة، بل والتنصل من استحقاقات، كما قد تقدم على ضم الضفة والأغوار وحسم الأمر. وقد تؤدى أى نجاحات -ولو جزئية-لإسرائيل فى إيران، سواء سقط النظام أو بقى ضعيفا وقدَّم تنازلات أو قبل تسوية ما، وفق الشروط الأمريكية والإسرائيلية،إلى إقدام إسرائيل على تنفيذ مخطط تغيير الشرق الأوسط بالفعل والإقدام على استخدام القوة العسكرية، بل وربما ضم أراضى دول جوار، وفقا لرؤية الرئيس ترامب بأن مساحة إسرائيل محدودة ويجب أن تتسع، ما قد يؤدى إلى تداعيات غاية فى الخطورة، بل وقد تقدم على تنفيذ مخطط التهجير بالكامل للفلسطينيين.

ستستثمر إسرائيل الدعم الأمريكى فى الحرب على إيران -حال استمرارها- فى تعلية الخيارات الإسرائيلية فى المنطقة عبر مخطط تغيير وبناء مقاربة لدول الشرق الأوسط وفق النهج الإسرائيلى، الأمر الذى قد يكون له تداعيات مكلفة على الأمن القومى العربى ودوله ومؤسساته العربية، خاصة أن الولايات المتحدة تتحدث بلغة واقعية قد تؤدى إلى دعم إسرائيل فى مخططاتها (تفكيك بعض الدول -تعلية خيارات الأقليات- كسر التحالفات العربية الأمريكية، خاصة فى منطقة الخليج) بل وإعطاء الفرصة للولايات المتحدة فى السيطرة وإدارة الممرات المائية العربية والوجود الاستراتيجى فيها.

ستؤدى الحرب على إيران ودفع نظامها إلى حافة الهاوية أو إسقاطه إلى حالة من الفراغ الكامل فى المنطقة بحسبان أن إيران قوة عسكرية (قد لا تكون محسوبة فى الميزان العسكرى العربى الحالى) غير أن التأثير المحتمل سيكون بغياب البديل الجاهز،الأمر الذى قد يشجع على عودة الإرهاب مجددا فى المنطقة من خلال تنظيمى القاعدة وداعش بالأساس، بل سيبقى القوة الرئيسية الأخرى بمفردها فى الإقليم (مصر) لتكون معرضه لمواجهة فى توقيت لاحق وفق المخطط الأمريكى-الإسرائيلى لإعادة رسم الشرق الأوسط من جديد، وفق مقاربة إسرائيلية، وبما يحقق طموحات نتنياهو فى البقاء فى موقعه لفترة جديدة.

ستظل إسرائيل تسعى للانفراد بتحييد، بل وضرب أى قوة فى الإقليم لا تتماشى مع حساباتها الاستراتيجية. وبصرف النظر عن أى سيناريو مطروح لبقاء النظام الإيرانى أو تغييره، فإن إسرائيل ستعمل على الانتقال للعمل على الأهداف التالية المرتبطة بتحقيق مصالحها الاستراتيجية، بل والانتقال إلى ما يعرف باسم إسرائيل الكبرى التى يعمل عليها الجانبان الأمريكى-الإسرائيلى فى الوقت الراهن (تصريحات السفير الأمريكى مايك هاكابى -تصريحات زعماء اليمين المتطرف فى إسرائيل- زعيم المعارضة الإسرائيلية خلال الساعات الأخيرة أخيرا، وغيرها) ما يؤكد بالفعل أن إسرائيل تخطط لهدفها الرئيسى فى المنطقة ولن تتراجع عنه وهو ما يجب التحسب له من الآن بصرف النظر عما ستمضى إليه العمليات العسكرية على إيران فى الوقت الراهن.

السيناريوهات المحتملة:

تبنى إسرائيل رؤيتها لإنهاء الحرب إلى قاعدة «فرض الواقع» بدلا من انتظار «التفاوض»، حيث يرى المستوى الأمنى أن فرصة مقتل المرشد الأعلى وتدمير أجزاء واسعة من الحرس الثورى يجب أن تُتوج بتغيير استراتيجى دائم.

تتلخص السيناريوهات، وفق المنظور الإسرائيلى، فى ثلاثة مسارات، هى:

1- سيناريو «التحييد الاستراتيجى الشامل» (النموذج المفضل عسكريا)

هذا السيناريو لا ينتهى باتفاقية، بل بفرض واقع ميدانى جديد:

أ- إنهاء البرنامج النووى ماديا:التوقف فقط بعد التأكد من «تسوية» منشآت فردو ونطنز بالأرض، بحيث لا يتبقى لإيران أى بنية تحتية للتخصيب.

ب- فرض «سماء مفتوحة»: إبقاء الحق لإسرائيل فى اختراق الأجواء الإيرانية وضرب أى «خلاط وقود صواريخ» أو مصنع مسيرات يظهر مجددا، دون الحاجة لإذن دولى.

ج- النتيجة:بقاء إيران «دولة قوية» جغرافيا، ولكنها «مشلولة» عسكريا وتكنولوجيا على مدى كامل.

2- سيناريو «الانكماش للداخل» (إسقاط المشروع الإقليمى)

يركز هذا المنظور على فك الارتباط بين المركز (طهران) والأطراف:

أ- الانسحاب القسرى:إنهاء الضربات مقابل انسحاب موثق لما تبقى من فيلق القدس من سوريا ولبنان واليمن.

ب- قطع التمويل:تدمير الموارد المالية التى تغذى «الوكلاء»، ما يجبر القيادة الجديدة فى طهران على توجيه كل ميزانيتها لإعادة إعمار الداخل وتجنب الانهيار الشعبى.

ج- النتيجة:تحويل إيران من «دولة ثورة» عابرة للحدود إلى «دولة قومية» منشغلة بأزماتها الداخلية.

سيناريو «الصفقة الكبرى» (بالتنسيق مع واشنطن)

وهو السيناريو الذى تدفع إليه إدارة ترامب وتقبله إسرائيل «بتحفظ»:

أ- قيادة بديلة تكنوقراطية:ظهور مجلس قيادة انتقالى فى إيران يضم جنرالات من الجيش النظامى يوقعون «اتفاقا أمنيا إقليميا».

ب- الاعتراف المتبادل: القبول الإيرانى الضمنى بوقف العداء تجاه إسرائيل مقابل رفع العقوبات والسماح بتصدير النفط لإنقاذ الاقتصاد.

ج- النتيجة: دمج إيران فى نظام إقليمى جديد تقوده واشنطن وتكون فيه إسرائيل القوة المهيمنة تكنولوجيا.

د- تخشى إسرائيل سيناريو «الفوضى غير المحكومة»،أى أن يؤدى انهيار النظام إلى تشتت الأسلحة الباليستية أو الكيميائية فى يد فصائل متطرفة داخل إيران لا تلتزم بأى اتفاق، ما قد يحول الحرب من «مواجهة دولة» إلى «مطاردة ميليشيات» واسعة النطاق.

نخلص إلى أن العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ستمضى فى إطارها وفق بنك الأهداف الموضوع، مع التركيز على حسم المواجهة فى أقرب فرصة وفق الرؤية الأمريكية، وهو أمر سيحتاج إلى مراجعات استراتيجية، فى حال إطالة أمد الحرب واتساع رقعتها الزمنية فى الوقت الراهن، خاصة مع تعدد مسار التعامل بين واشنطن وتل أبيب، فالولايات المتحدة تتعامل مع الأهداف الرئيسية المعلنة.

ومع اتساع خريطة الاستهداف، ستظل الولايات المتحدة تعمل فى دوائر محددة بهدف الوصول إلى مدن الصواريخ المنتشرة فى العمق الإيرانى. وبرغم ما يتردد عن إنهاء الأمر فى غضون أسابيع، كما كان متصورا وارتكن إلى تقييمات أمريكية خير صحيحة، خاصة بأن النظام الإيرانى سيسقط، وهو ما لم يحدث، بل لا يزال يتعامل بصرف النظر عما جرى من تنفيذ ضربات موجعة فى الداخل الإيرانى، فإن أمام الولايات المتحدة المزيد من الوقت لتنفيذ المهام العسكرية والانتقال إلى العمل التفاوضى من منطق المنتصر، ولن يكون هذا الحل يسيرا أو منشودا فى ظل حالة الحراك الداخلى تجاه ما يجرى، التى ستتطلب مراجعة مجمل السياسة الأمريكية، خاصة أنه وحتى الآنلم تحدث انشقاقات كبرى فى الحرس الثورى، كما لم تحدث أى انقسامات داخل الجيش الإيرانى، ما يشير إلى أن الأمور ستحتاج إلى مراجعة لمجمل السياسات الراهنة وربما تغييرها إن اقتضى الأمر، خاصة بعد انتخاب مرشد جديد قد تتم تصفيته.

فى مقابل ما يجرى، فإن إسرائيل باتت تركز على تهديدات الجوار والتعامل مع حزب الله، ما يؤكد أن إسرائيل ستظل تعمل فى مساحات محددة -من لبنان إلى أى مسرح عمليات قريب يهدد أمنها- ولعل لبنان الجبهة الأقرب والخطر الكامن الذى يتطلب التعامل معه. يؤكد ذلك أن الحرب على لبنان ستأخذ وقتا، بل وسترتبط بالفعل بالكثير من المتغيرات الواقعية، ومنها القيام بعمل برى بل والدخول فى العمق اللبنانى، وعدم الاكتفاء بالجنوب، خاصة أن الأمور تمضى فى إطار الحرب الشاملة على لبنان وتحييد قدراته بالكامل، وهو ما سيؤدى لمزيد من المواجهات العسكرية. وربما تتطور الأمور إلى العراق وسوريا، ما ينذر بعودة المواجهات إلى جوار إسرائيل بالكامل، وربما امتدت إلى الحدود الأردنية،كما ستعمل فى مساحة أكبر حال استمرار القيام بعمليات فيعمق إيران، الأمر الذى سيدفع إسرائيل إلى مزيد من توظيف القوة فى تنفيذ المهام الكبرى.

ولهذا، فإن إسرائيل ستتعامل مع تطورات الحالة الإيرانية انطلاقا من عدة أمور، أهمها إنهاء الخطر الوجودى، وتصفية البرنامجين النووى والصاروخى لمحو أى خطر محتمل من إيران فى الفترة المقبلة، مع التوقع بأن هذا الأمر سيكون على مستوى الولايات المتحدة التى تباشر عملياتها مع المنشآت النووية، والتحسب لاحتمالات قيام إيران بالرد فى مواجهة إسرائيل واستهداف مقرات نووية وعسكرية، وسيبقى مفاعلا ديمونة وناحال سورى كمستهدفين إيرانيا، أو على الأقل ضمن الأهداف المرجوة التى ستقوم بها إيران حال تطور خريطة الاستهداف لإيران.

فى هذا السياق، يطرح سؤال: هل هناك تباين بين الجانبين فى إطار ما يجرى، خاصة أن إسرائيل تريد إنهاء الخطر الوجودى بالكامل من خلال إنهاء المخاطر بأكملها مقابل تركيز الولايات المتحدة على التعامل العسكرى المقيد بمعنى إمكانية التفاوض مع أى طرف إيرانى، حال التوصل إلى هدف محدد؟ ولا تزال واشنطن تراجع مجمل سياستها الاستراتيجية تجاه ما يجرى، وهو ما سيتعارض مع الهدف الإسرائيلى بضرورة إنجاز الأهداف العسكرية أولا وإنهاء الخطر الوجودى الذى يهدد إسرائيل فى المديين المتوسط والطويل الأجل، مع ترقب نتائج ما يجرى سياسيا على عكس ما يريد الرئيس ترامب فى العمل على خيار محدد والانتقال إلى أهداف أخرى، وبما يسهم فى إقرار المرحلة الانتقالية سياسيا.

وهو أمر محل تشكك إسرائيلى فى أن الأوضاع السياسية فى إيران، حتى مع توقف المواجهات سيكون الوضع غير مستقر وغير آمن والصراع على مراكز التأثير وسيظل قائما. يتطلب ذلك العمل على خيارات متسعة، وهو الأهم إسرائيليا، خاصة مع احتمالات انفتاح المشهد العسكرى إلى مرحلة تالية، ما قد يؤدى إلى تغيير الأهداف والسياسات الراهنة، بما فى ذلك استمرار المشهد شهورا، وهو ما سيتطلب مراجعات دورية فى مواقف الأطراف الرئيسية، وعلى رأسها إيران، وهو ما تتخوف من تبعاته إسرائيل فى الوقت الراهن، وفى ظل الوضع الراهن داخل الولايات المتحدة واحتمالات مراجعة الرئيس ترامب فى التعامل ومساءلته -بصرف النظر عن تأييده فى توجيه الضربات الحالية- وتغيير الهدف إلى عملية عسكرية تتطلب إجراءات وقرارات قبل مرور 60 يوما.يشير ذلك الأمر إلى أن الأمر لن يكون سهلا خاصة مع قرب إجراء انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، ما يؤكد أنه بالفعل قد تطرأ مستجدات تدفع لمزيد من حالة عدم التوافق مع إسرائيل فى الأهداف الراهنة ومدى الوصول إليها، خاصة مع احتمالات تركيز إسرائيل، وهو أمر وارد فى الحرب على لبنان، وترك الساحة الإيرانية للولايات المتحدة، والاكتفاء بالأعمال الاستخباراتية فى المقام الأول، ما قد يدفع واشنطن للنفاذ إلى الخيارات السياسية، حال إنجاز أهدافها العسكرية، مع تحييد القدرات الإيرانية بالكامل.

*نشر فى عدد مجلة السياسة الدولية - أبريل 2026/ ملف خاص: الحرب على إيران

 


رابط دائم: