إعادة إنتاج عقيدة "ديك تشيني" في الصراع الأمريكي-الإيراني
7-4-2026

د. شيماء المرسي
* الخبيرة فى الدراسات البينية الإيرانية

تتبنى دوائر صنع القرار الإيرانية الآن قناعة راسخة بأن ترامب يعيد إحياء عقيدة تشيني في قلب النظام الأمني الأمريكي، ذلك النهج المتطرف الذي صاغه نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني عقب هجمات 11 سبتمبر 2001. وهي عقيدة لا تؤمن بالدفاع، بل تقتات على الاستباقية في سحق التهديدات المحتملة، وتكريس الهيمنة الأحادية، وتعزيز صلاحيات السلطة التنفيذية لتتجاوز القوانين، مرتكزة على القوة العسكرية المطلقة ودمج الأمن القومي بالاستثمارات الأمنية الكبرى.

تسييس الأجهزة الأمنية:

يمثل جوهرعقيدة تشيني أنها لا تنتظر وقوع الهجوم، بل تعتبر ضرب الخصوم ضرورة استباقية حتى في غياب الدليل القاطع. وهو عين ما تفعله واشنطن وتل أبيب اليوم بفرض حربين على إيران (حرب الـ 12 يوما وحرب رمضان الدائرة) دون وقائع ملموسة تبرر جدواها، حتى غرق تقدير الموقف الأمريكي في تخبط مخز حول أهداف الحرب ومآلاتها.

أما الوجه الأكثر إثارة للريبة في هذه العقيدة، فهو تحويل وكالة المخابرات المركزية(CIA)  إلى أداة قمعية. إذ تقوم عقيدة تشيني بوأد أي معلومة تخدش التوجه السياسي، وهو ما يتسق تماما مع إقصاء الأصوات المعارضة لمغامرات ترامب الحربية.ما يعني تحول المنظمة الاستخباراتية إلى تابع، تبرر عثراته، ولا تنير مساره القيادي، ولعل سلسلة العزل المفاجأة في الإدارة الأمريكية، واستبدال بالقيادات المحترفة أشخاص (سرسپردگی/الولاء الأعمى)، يكشف سر إقالة رئيس أركان القوات البرية، وأعلى مسئول في الجيش الأمريكي، والتمهيد للإطاحة بوزير الجيش.

 والهدف الوحيد من ذلك هو ضمان جهاز مروض لا يجرؤ على إزعاج الرئيس الأمريكي بتقرير أو مواقف مناوئة له، بل يعمل كبوق دعائي ومنصة تسويغ أخلاقي للقرارات الرئاسية مثلما يفعل وزير الدفاع بيت هيغسيث. وبناء عليه تصبح المخابرات أداة قمعية تتجاوز وظيفتها جمع المعلومات إلى تنفيذ قرارات الرئيس دون رقابة حقوقية أو قانونية.

بين التسييس الأمني وتباين التهديدات الأمريكية:

شهدعهد جورج بوش تحويل المخابرات الأمريكية إلى مبرر لغزو العراق، لدرجة أن وقف رئيس المخابرات، جورج تينيت خلف الرئيس آنذاك لإعطاء طابع المعلوماتية لقرار سياسي بحت. العلاقة هنا وظيفية بامتياز، فبدلا من أن تكون المخابرات جهازًا استشاريًا للاستبصار، أصبحت جهازًا لتبرير السياسات وقمع البدائل، حيث لا يعود رئيس الجهاز شاهدًا على الحقيقة، بل مجرد مبرر سياسي.هذا السلوك الأمريكي يستنسخ، ويا للمفارقة، سلوك جهاز الساواك الإيراني في عهد الشاه، ذلك الجهاز الذي كف عن نقل نبض الشارع وأزماته الحقيقية، واكتفى بصناعة تقارير وردية تصور المعارضة الشعبية كحفنة عملاء. هذا الانفصال الاستخباراتي هو ما أسقط الشاه، وهو نفسه ما تفعله تقارير الـCIA الموجهة من ترامب اليوم. ولهذا فإن تسييس الجهاز الأمني وتحويله إلى بوق دعائي للسلطة لم يمر دون ثمن، فقد نجم عنه فجوة معلوماتية عميقة وتخبط استراتيجي تجلى بوضوح في صدمة ترامب من صمود النظام الإيراني وتماسكه المريب بعد اغتيال علي خامنئي. وبدلا من السقوط السريع الذي وعدت به التقارير المروضة، اندفعت المنطقة والعالم نحو أزمة اقتصادية طاحنة ومخاطر إقليمية غير مسبوقة، نتيجة اتخاذ قرارات كبرى بناء على أوهام استخباراتية لا تقرأ إلا ما يرضي ترامب.

في المقابل تكشف مهله المتباينة والمتلاحقة عن ارتباك حاد في سياسات الإدارة الأمريكية وعجزها عن السيطرة على تطورات الميدان. ولعل التهديد الأمريكي الأخير عبر وول ستريت جورنال بتدمير كافة محطات الكهرباء الإيرانية إذا لم يُفتح مضيق هرمز بحلول مساء الثلاثاء 7 أبريل 2026، ليس إلا أداة ضغط قصوى، يمكن قراءته كمؤشر على قيود ميدانية عن تأمين الممر المائي عسكريا. لأنه لو كانت واشنطن تملك القدرة التقنية والميدانية لفتح المضيق، لفعلت ذلك منذ الأسبوع الأول، لكن لجوءها إلى التهديد بضرب البنية التحتية المدنية يعني أن خياراتها ضد القوة البحرية الإيرانية قد اصطدمت بطريق مسدود، أو بتكلفة باهظة لم يعد ترامب يقوى على سداد فاتورتها. ومع ذلك ما لا يدركه ترامب هو أن مجتبى خامنئي والحرس الثوري لا يديرون حربا عسكرية تقليدية، بل يخوضون معركة شرعية وجودية. وأن أي تراجع إيراني الآن يمثل انتحارا سياسيا ودينيا كاملا لقيادة ربطت مصير بقائها في الحكم بنتائج هذه الحرب، ولهذا فإن البروباجندا الإعلامية التي يبرع فيها ترامب لا تجد صدى لدى قيادة تستمد شرعيتها من ولاية الدم ومن صمود ميداني غير مسبوق.

 الأخطر من ذلك يبدو أن رد الفعل الإيراني يتأهب ليكون عالي المخاطر هذه المرة. فظهور مجتبى خامنئي لأول مرة كمرشد وقائد من داخل غرفة عمليات الحرس الثوري ليس مجرد استعراض إعلامي، بل هو إعلان رسمي عن انتقال القيادة السياسية إلى الخندق الميداني. إنها رسالة مباشرة لترامب بأن إيران لا تنتظر مهلة التحذيرية، بل هي من تدير إيقاع المعركة.كما أن هذا الظهور، في تقديري، إشارة إلى تصعيد عملياتي غير مسبوق، إذ تشير التقارير الميدانية إلى نية طهران استهداف محطات تحلية المياه ومصافي النفط في السعودية، والإمارات، والكويت ومصافي النفط (في حال نفذ ترامب تهديده). خاصة وأنها تدرك جيدا أن دول الخليج قوى مائية بامتياز، وأن ضرب محطات التحلية يعني شللا اجتماعيا واقتصاديا كاملا لا يمكن لترامب تعويضه بأي تصعيد عسكري.

إدارة إيران للصدمة الأمريكية:

ردت إيران على النهج الأمريكي باستراتيجية إدارة الصدمة داخليًا والتصعيد العمودي والأفقي خارجيًا، ويُقرأ ذلك بتعمد طهران ترميم شرعيتها بسرعة عبر انتخاب زعيم جديد، مجتبى خامنئي، بوصاية شيعية سياسية منتقمة (ولاية الدم)، وعسكرة المجتمع بحملة (جان فداايران/ روحي فداء إيران) لقمع أي احتجاجات داخلية راهنت عليها أمريكا وإسرائيل.

وبما أن الحرس الثوري أضحى صانع القرار الأوحد، وفرض وصاية عسكرية لا تترك مجالًا لأي مظهر احتجاجي إلا وقمعته باعتقالات غير مسبوقة. فالأخطر تطبيقه التصعيد العمودي للرد على عقيدة تشيني، سواء بتوسيع بنك الأهداف ليشمل البنية التحتية الخليجية، وعصب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأمريكي، أو باستخدام سلاح مضيق هرمز لفرض سيادة أمنية وتجارية تجبي رسوم عبور قسرية متجاوزة القوانين الدولية.

نحن إذا أمام صدام الند بالند، صدام فاجأت به إيران الجميع بصمود ورقة الوكلاء (حزب الله والحوثي) التي أثبتت قدرتها على توسيع جغرافيا الحرب رغم مراهنات التفكيك.

خاتمة:

لم يعد مسار التهدئة معلقا بأوهام الاجتياح البري أو ضرب البنية التحتية الإيرانية بالكامل،والتي يداعبها ترامب لانتزاع نصر أحادي، بل هو مرهون بسلوك إيران التي تتقن لعبة الإنكار والمساومة، إذ ترفض الاعتراف بالمفاوضات وتضع بالتوازي شروطا تعجيزية (كالتعويضات المالية ورفع العقوبات بالكامل، واستدامة السيادة على هرمز) بغية إحكام قبضة الحرس الثوري وتوطيد شرعيته داخليا، وتغيير موازين القوة خارجيا.

والحقيقة الصادمة والتي باتت ظاهرة للعيان، أن نهاية هذه الحرب، ومآل حرب العصابات الإقليمية التي تلوح في الأفق (في حال خاطر ترامب باجتياح بري أو تدمير منشآت الكهرباء)، أضحت كلمة الختام فيها بيد الحرس الثوري، لا البيت الأبيض كما يأمل الرئيس الأمريكي.


رابط دائم: