مضيق هرمز وعودة الجغرافيا السياسية
7-4-2026

د. مريم وحيد
* مدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

شهدت قبة جامعة القاهرة قبل يومين احتفالا كبيرا بعنوان "مئوية كلية الآداب.. مئة عام من التنوير والإبداع"، لا شك أن كلية الآداب هي منارة للثقافة، والفكر، والإبداع، والتنوير وقد أسهمت من خلال نخبتها المتميزة من أساتذة وباحثين في صناعة الرأي العام، وفي الدفاع عن قيم الحق والخير والجمال، وفي الحث على طلب العلم والمعارف. تتميز هذه الكلية المتميزة بأقسامها المختلفة، مثل أقسام اللغات كاللغة العربية، والانجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والألمانية، واللغات الشرقية كالفارسية والعبرية، وأقسام علم النفس، والتاريخ، والاجتماع، والجغرافيا، والمكتبات.

ويمكن أن نكتب الكثير عن قيمة كلية الآداب وتاريخها وعراقتها، ولكن آثرت في هذا المقال أن أكتب أهمية الدراسات البينية. فتتنوع أقسام كلية الآداب التي بها مجالات بحثية يمكن ربطها بالعلوم السياسية، مثل علم النفس السياسي والاجتماع السياسي.

فهناك من التخصصات البينية التي يمكن أن تكون مجالا للشراكة والتعاون البحثي بشكل أرحب بين دارسي الآداب ودارسي العلوم السياسية. وأذكر تحديدا في هذا المقال تخصص الجغرافيا السياسية. فلماذا لا يدرس طالب العلوم السياسية "الجغرافيا السياسية" وهي مجال بحثي شديد الأهمية، فالجغرافيا هي علاقة التأثير والتأثر بين السياسة والجغرافيا، ودراسة الجغرافيا السياسية تتعلق بتأثير الجغرافيا على السياسة وتأثير السياسة في الجغرافيا.

إن مجال الجغرافيا السياسية من المجالات المهمة للغاية التي لم يتم التطرق إليها كثيرا في الدراسات العلمية، بينما هي شديدة التأثير على الواقع السياسي فيما حولنا. في محاضرات مبادىء العلوم السياسية بالفرقة الأولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية درسنا أهمية الجغرافيا للواقع السياسي. بدءا من الحضارة المصرية القديمة وتأثير تمركز المصريين حول النيل والطبيعية الجغرافية لمصر على الثقافة السياسية للمصريين. فللجغرافيا تأثير على الثقافة السياسية وتعددت الدراسات العلمية في العالم أجمع حول هذا. بالإضافة لذلك تتعدد الدراسات حول العمران والسياسة وأهمية جغرافيا المدن وتأثيرها على السياسة، فيمكن للمدينة أن تكون فاعلا جيوسياسي، وتوجد أهمية واضحة للمدينة، والمكان، والموقع الجغرافي في السياسة الدولية.

وإذا نظرنا إلى قضية إغلاق مضيق هرمز في الحرب الإيرانية فهذه القضية في صميم الجغرافيا السياسية. فلمضيق هرمز أهمية ودور كبير في قلب حركة التجارة العالمية، والتبادل الاقتصادي العالمي، وأمن الموارد والطاقة، ويُعد من أكثر الممرات الحيوية للاقتصاد والتجارة العالمية.

هنا الجغرافيا تلعب دورا حاسما في مسار الحرب والصراع. فإن إغلاق مضيق هرمز كأحد أهم ممرات الطاقة المؤثرة في النظام الاقتصادي فهو بمثابة شريان الطاقة والتجارة العالمية. في الاقتصاد العالمي، يتم الاعتماد عليه في تصدير النفط لأنه من أهم ممرات الطاقة العالمية، فقد أضحى الممر الاستراتيجي هو عنصر من أجل الأمن الاقتصادي. من خلال منظور جيوسياسي فإن مضيق هرمز مثل الكثير من المضايق في العالم كمضيق باب المندب ومضيق ملقا له أهمية استراتيجية كبيرة. ففي الوقت الحالي يتم توظيف مضيق هرمز في الحرب الإيرانية نظرا لموقعه الجغرافي المتميز. وهو ما يستدعي الاهتمام بكل الممرات المائية في العالم كأحد أبرز موضوعات الجغرافيا السياسية. فلا شك أن الجغرافيا السياسية يمكن أن تكون مدخلا لتفسير الكثير من الظواهر السياسية التي يشهدها العالم.

وباستخدام منظور الجغرافيا السياسية يمكن تفسير الحرب الإيرانية الحالية. فلم يكن متوقعا على الإطلاق أن تتطور الحرب من خلال هذا المنظور ليكون مضيق هرمز هو حجر الزاوية في الحرب الحالية. ترغب الولايات المتحدة الأمريكية في تأمين المضيق وقد حثت الدول الأوروبية على شن حرب من أجل السيطرة على المضيق وفتحه أمام حركة الملاحة الدولية ولكن رفض قادة الدول الأوروبية ذلك. كما أبدت روسيا والصين تحفظاً  قبل أيام على مشروع قرار بمجلس الأمن لإلزام إيران بحماية حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز وقد تم إرجاء التصويت في مجلس الأمن على مشروع قرار يُجيز استخدام القوة لحماية مضيق هرمز أكثر من مرة . واستخدمت الصين وروسيا الفيتو ضد مشروع قرار تقدمت به البحرين بشأن ضمان أمن الملاحة البحرية وفتح مضيق هرمز في السابع من أبريل . حتى الآن نتيجة الحرب تبدو غامضة وغير متوقعة. ولكن النتيجة سترتبط بالجغرافيا السياسية فالقوة النسبية لا تعتمد على قوة الموارد ولكن القدرة على استخدام هذه الموارد ونشرها. فإدارة الموارد يصعب توقع المسيطر عليها. إن هذا الممر المائي الذي لا يتجاوز عرضه 33 كيلومترا في أضيق نقطة له أضحى الخط الفاصل في الحرب ومن سيسيطر عليه سيضحى المنتصر في هذه الحرب.


رابط دائم: