بين الاستنزاف المالي والصراع السياسي.. كيف تعيد الحرب تشكيل الاقتصاد الإسرائيلي؟
7-4-2026

وداد العربي
* باحثة في الشأن الإسرائيلي

يمثل اتساع نطاق المواجهة العسكرية مع إيران نقطة تحول لا تقتصر تداعياتها على المستوى الأمني أو الجيوسياسي فحسب، بل تمتد بعمق إلى البنية الاقتصادية لكيان الاحتلال الإسرائيلي، الذي يجد نفسه أمام اختبار مركب يجمع بين إدارة حرب مفتوحة وضبط توازنات مالية داخلية شديدة الحساسية. فالحرب لم تعد تُقاس فقط بميزان الردع أو نتائج العمليات الميدانية، بل أصبحت تُقاس أيضا بقدرة الحكومة الإسرائيلية على تمويلها واستدامة كلفتها المتصاعدة، في ظل بيئة تتسم بارتفاع معدلات الإنفاق وتزايد مستويات عدم اليقين. وتشير الأرقام الأولية إلى أن الإنفاق العام قد بلغ نحو 352 مليار شيكل منذ اندلاع المواجهة، وهو ما يعكس حجم الاستنزاف السريع لموارد الخزينة العامة، ويضع علامات استفهام حول قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على الصمود في حال استمرار العمليات لفترة أطول.

في هذا السياق، تكشف سياسات الحكومة عن فجوة واضحة بين متطلبات المرحلة وأولويات الإنفاق الفعلية، حيث تتجه الموارد نحو ترتيبات سياسية داخلية عبر ما يُعرف بـ "الأموال الائتلافية ـــ أموال من الموازنة العامة يتم تخصيصها نتيجة اتفاقات سياسية داخل الائتلاف الحاكم، وليس بالضرورة بناءً على اعتبارات تخطيط اقتصادي"، في مقابل تقليص مخصصات قطاعات حيوية كالصحة، والتعليم، والأوضاع الاجتماعية.

من منظور استراتيجي عربي، تطرح هذه المعطيات سؤالا مركزيا حول قدرة إسرائيل على الاستمرار في الجمع بين إدارة حرب مكلفة طويل الأمد، والحفاظ على استقرار اقتصادي داخلي دون اللجوء إلى تحميل الأعباء بشكل غير متوازن على الطبقات المنتجة. كما تبرز مؤشرات على تصاعد التوتر بين الاعتبارات الأمنية والاعتبارات الاقتصادية، في ظل تحذيرات من مؤسسات نقدية بارزة، مثل بنك إسرائيل، من اتساع العجز وارتفاع الدين العام وتراجع مرونة النظام المالي. وعليه فإن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته كأزمة ظرفية مرتبطة بالحرب فقط، بل كتحول هيكلي يكشف عن اختلالات أعمق في بنية القرار الاقتصادي والسياسي في إسرائيل، قد تمتد تداعياتها إلى ما بعد انتهاء العمليات العسكرية نفسها.

تكلفة الحرب.. اقتصاد تحت ضغط الاستنزاف اليومي:

تشير التقديرات إلى أن المواجهة المباشرة مع إيران رفعت التكلفة اليومية للحرب إلى ما بين 1.5 و1.7 مليار شيكل، وهو مستوى إنفاق يعكس طبيعة الصراع الممتد وتعدد جبهاته. هذا الرقم لا يمثل فقط تكلفة العمليات العسكرية، بل يشمل منظومة واسعة من النفقات المرتبطة بالتعبئة العامة، وتعويض المتضررين، ودعم الجبهة الداخلية، بالإضافة إلى الخسائر غير المباشرة الناتجة عن تعطّل النشاط الاقتصادي. ومع استمرار الحرب تتحول هذه التكاليف اليومية إلى عبء تراكمي يضغط على الميزانية العامة ويزيد من فجوة العجز.

هذا النمط من الإنفاق يعيد إلى الواجهة معضلة مزمنة في الاقتصاد الإسرائيلي، وهي القدرة على الجمع بين الإنفاق العسكري المرتفع والحفاظ على الاستقرار المالي. فكل زيادة في ميزانية الدفاع تأتي على حساب قطاعات مدنية أساسية، مما يؤدي إلى إعادة توزيع غير متوازن للموارد. ورغم أن الحكومات المتعاقبة نجحت تاريخيا في إدارة حروب قصيرة نسبيا دون انهيارات اقتصادية، إلا أن طول أمد المواجهة الحالية يغير المعادلة بشكل جذري، ويجعل الاستمرار في النهج المالي نفسه أكثر صعوبة.

ولا خلاف على أن استمرار هذا المستوى من الإنفاق دون إصلاحات موازية في هيكل الاقتصاد قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في القدرة الإنتاجية، خاصة إذا تراجعت الاستثمارات في القطاعات المحركة للنمو. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: ليس فقط في تمويل الحرب، بل في منعها من التحول إلى عبء طويل الأجل يعيد تشكيل الاقتصاد على نحو أقل كفاءة وأكثر اعتمادًا على الدين والإنفاق غير المنتج.

ميزانية 2026.. بين أرقام قياسية واختلالات هيكلية:

تُعد ميزانية عام 2026 واحدة من أكبر الميزانيات في تاريخ إسرائيل، حيث تقترب من 700 مليار شيكل، مع سقف عجز يُقدّر بنحو 4.9%، وزيادة في الإنفاق الحكومي تقارب 60 مليار شيكل مقارنة بالسنوات السابقة. وعلى الرغم من ضخامة هذه الأرقام، فإن تحليل بنية الميزانية يكشف عن اختلالات واضحة في توزيع الموارد، حيث لا تتجاوز حصة الأنشطة المدنية 55% من إجمالي الإنفاق، مقابل 21% للإنفاق الأمني و24% لخدمة الدين العام.

هذا التوزيع يعكس ضغطا مزدوجا: من جهة، التزامات أمنية متزايدة بفعل الحرب، ومن جهة أخرى أعباء متصاعدة لخدمة الدين، مما يقلص هامش المناورة المالي للحكومة. وفي ظل هذا الواقع، تصبح القدرة على توجيه الاستثمارات نحو قطاعات النمو محدودة، وهو ما قد يؤثر على الأداء الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل.

كما أن الاعتماد المتزايد على الدين لتمويل العجز يثير تساؤلات حول استدامة هذا النموذج المالي، خاصة في بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة عالميا وتزايد تكلفة الاقتراض. فكل زيادة في الدين العام تعني التزامات مستقبلية أكبر، ليس فقط في السداد، بل أيضا في الفوائد، وهو ما يخلق حلقة ضغط متواصلة على الميزانية. وفي حال استمرار هذا الاتجاه دون ضبط مالي حقيقي، قد تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة تمويلية تتجاوز القدرة التقليدية على الإدارة التدريجية للأزمات.

إدارة الموارد في زمن الحرب.. الاقتصاد أسير التوازنات السياسية:

تكشف إدارة الموارد خلال الحرب عن تصاعد تأثير الحسابات الائتلافية على بنية القرار الاقتصادي في إسرائيل، حيث لم تعد الموازنة العامة مجرد أداة لتنظيم الإنفاق، بل تحولت إلى ساحة لإعادة إنتاج التوازنات السياسية داخل الحكومة. فقد خُصصت مليارات الشواكل ضمن ما يُعرف بالأموال الائتلافية لدعم مكونات محددة في الائتلاف الحاكم، وعلى رأسها الأحزاب الحريدية، بما يشمل تمويل المؤسسات الدينية وبرامج تعليمية خاصة، إلى جانب تخصيص موارد لقطاعات مرتبطة بالمشروع الاستيطاني. هذا النمط من التوزيع لا يمكن فصله عن طبيعة النظام السياسي القائم على تحالفات هشة، حيث يصبح تأمين الولاء السياسي شرطًا لاستمرار الحكومة، حتى في ظل ظروف حرب واستنزاف مالي متسارع.

غير أن ما يميز المرحلة الحالية هو انتقال هذه الصراعات من خلف الكواليس إلى صلب عملية إقرار الميزانية، كما ظهر في تمرير مخصصات إضافية عبر مسارات إجرائية استثنائية، تجاوزت في بعض الحالات الاعتراضات القانونية، وأثارت جدلا واسعا حول حدود الصلاحيات وتسييس الأدوات المالية. هذه الممارسات لا تعكس فقط الصراع بين الحكومة والمعارضة، بل تعكس أيضا التوترات داخل بنية الدولة نفسها، بين المستوى السياسي والمؤسسات الرقابية والقانونية.

الأثر الأعمق لهذا المشهد لا يقتصر على توزيع الموارد، بل يمتد إلى تآكل الثقة العامة في عدالة النظام الاقتصادي. إذ يُنظر إلى هذه السياسات باعتبارها انحيازا لفئات بعينها، في وقت تتحمل فيه قطاعات واسعة من المجتمع أعباء الحرب بشكل مباشر، سواء عبر الخدمة العسكرية أو الخسائر الاقتصادية. ومع استمرار هذا النهج تتسع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، مما يهدد بخلق بيئة داخلية أكثر هشاشة، ويقوّض القدرة على بناء إجماع وطني ضروري لإدارة أزمات ممتدة ومعقدة.

بين العجز والتضخم.. اختبار صعب للسياسة النقدية الإسرائيلية:

في قلب المشهد الاقتصادي المضطرب، تتحرك السياسة النقدية الإسرائيلية ضمن هامش ضيق تفرضه اعتبارات الحرب وتداعياتها، حيث يبرز دور بنك إسرائيل كمحاولة لاحتواء المخاطر دون القدرة على معالجتها جذريا. قرار الإبقاء على سعر الفائدة عند مستوى 4% لا يعكس فقط توجها تقنيا لضبط التضخم، بل يعكس إدراكا عميقا لحجم الضغوط المركبة التي يواجهها الاقتصاد، في ظل بيئة تتسم بارتفاع الإنفاق العسكري، وتزايد العجز، واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

كشفت تصريحات محافظ البنك، أمير يارون، بوضوح حدود الأدوات النقدية في التعامل مع أزمة ذات طابع بنيوي، إذ لم يعد التضخم مجرد ظاهرة نقدية قابلة للاحتواء عبر أسعار الفائدة، بل أصبح مرتبطا بشكل مباشر بالإنفاق الحكومي المتسارع واختلال أولويات الموازنة. وفي هذا السياق، يحذر البنك من أن استمرار الحرب سيقيد قدرته على تخفيف السياسة النقدية، مما يعني بقاء تكلفة الاقتراض مرتفعة، وهو ما يضغط بدوره على الاستثمار والنمو.

الأهم في هذه المقاربة هو الإقرار الضمني بأن السياسة النقدية باتت تعمل في فراغ نسبي، في ظل غياب تنسيق فعال مع السياسة المالية. فدعوات البنك إلى إصلاح النظام الضريبي وتقليص الإعفاءات وتوسيع قاعدة القوى العاملة، تعكس فهما بأن جذور الأزمة تتجاوز نطاق الفائدة والسيولة. ومع استمرار هذا الاختلال، تزداد مخاطر تآكل ثقة المستثمرين وارتفاع كلفة التمويل، مما قد يدفع الاقتصاد الإسرائيلي إلى مرحلة أكثر تعقيدا، حيث تصبح أدوات الاستقرار التقليدية أقل قدرة على احتواء التداعيات المتراكمة للحرب.

من يدفع كلفة الحرب في إسرائيل؟

يبرز سؤال توزيع كلفة الحرب كأحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الاقتصادي الإسرائيلي، إذ تكشف المؤشرات الحالية عن اختلال واضح في تحمل الأعباء بين مختلف الفئات. فبينما تتزايد النفقات العسكرية وتتسع فجوة العجز، يتم نقل جزء كبير من التكلفة إلى القطاع الخاص والأسر، سواء عبر الضرائب المباشرة وغير المباشرة، أو من خلال ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، إلى جانب تراجع جودة الخدمات العامة. في المقابل تستمر تدفقات مالية كبيرة نحو قطاعات محددة في إطار الترتيبات الائتلافية، مما يعزز الانطباع بوجود توزيع غير عادل للموارد في لحظة يفترض أن تتسم بالتضامن الوطني.

الطبقة الوسطى، التي تمثل الركيزة الأساسية للنشاط الاقتصادي والإنتاجي، تبدو الأكثر تعرضًا لهذا الضغط المركب، إذ تواجه في الوقت ذاته ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدعم الحكومي، نتيجة التخفيضات التي طالت قطاعات حيوية، مثل الصحة، والتعليم، والبنية التحتية. ومع استمرار تصاعد الإنفاق الأمني وتزايد أعباء خدمة الدين، تتقلص قدرة الدولة على الحفاظ على مستوى مقبول من الخدمات، مما يضع نموذج التضامن الاجتماعي أمام اختبار حقيقي.

الأثر الأعمق لهذا المسار يتجاوز الأبعاد الاقتصادية المباشرة، ليمتد إلى بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع. فغياب توزيع متوازن للأعباء يهدد بإعادة تشكيل ما يمكن اعتباره "العقد الاجتماعي"، حيث تتزايد مشاعر التهميش لدى فئات واسعة تتحمل التكلفة دون أن تنعكس عليها فوائد السياسات العامة. وفي ظل غياب توافق داخلي حول أولويات الإنفاق، تتعاظم مخاطر التوتر الاجتماعي، مما يضيف بعدا داخليا جديدا إلى تحديات الحرب، قد لا يقل خطورة عن التحديات الخارجية.

خاتما:

تعكس مسارات الأسابيع الأولى من الحرب أن الاقتصاد الإسرائيلي لم يعد يواجه مجرد صدمة ظرفية، بل يقف أمام اختبار بنيوي عميق يطال أسس استقراره على المديين المتوسط والطويل. فالتصاعد المتسارع في الإنفاق العسكري، واتساع فجوة العجز، وتزايد الاعتماد على الدين، لم تعد مؤشرات منفصلة، بل تعبير عن نمط إدارة مالية يتجه نحو تعميق الضغوط بدل احتوائها، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على تحقيق توازن فعّال بين متطلبات الأمن واحتياجات الاقتصاد المدني.

المعضلة الأساسية لم تعد تقتصر على قدرة الاقتصاد على التحمل الآني، بل على احتمالات تحوله إلى اقتصاد مثقل باختلالات هيكلية يصعب معالجتها لاحقا، خاصة إذا استمرت الحرب أو اتخذت مسارات أكثر تعقيدا. فاستمرار الاعتماد على الأدوات المالية الحالية، دون معالجة جذور الاختلال في توزيع الموارد أو ضبط أولويات الإنفاق، يعني عمليًا ترحيل الأزمة إلى المستقبل، مع تضاعف كلفتها الاقتصادية والاجتماعية.

في هذا الإطار تتزايد المخاوف من تآكل الثقة في قدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة، وهو ما قد ينعكس في ارتفاع تكلفة التمويل، وتراجع جاذبية الاستثمار، واتساع الفجوة بين النمو الفعلي والاحتياجات الاقتصادية المتزايدة. كما أن الضغوط الاجتماعية الناتجة عن اختلال توزيع الأعباء قد تضيف بُعدا داخليا جديدا للأزمة، يعقّد من قدرة حكومة نتنياهو على الاستجابة الفعالة.

في المحصلة لم تعد نتائج الحرب تُقاس فقط بميزان القوة العسكرية، بل بمدى قدرة الدولة على احتواء تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. والمؤشرات الراهنة توحي بأن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات عميقة، قد تعيد صياغة ملامح الاقتصاد الإسرائيلي وتوازناته لسنوات مقبلة.


رابط دائم: