التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران
8-4-2026

د. مغـــاورى شلبــى
* مستشـــار وخبيـــر اقتصـــادي

تشهد منطقة الشرق الأوسط توترات جيوسياسية وحروب متقاربة ومتكررة، وهذه التوترات والحروب تؤثر بقوة فى الاقتصاد العالمى واقتصادات المنطقة، خاصة أن منطقة الشرق الأوسط تعد أحد أهم الأقاليم من حيث التأثير فى الاقتصاد العالمى وأمن الطاقة الدولى. يأتى، فى هذا السياق، الحرب الطاحنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، التى تعد إحدى أخطر الأزمات الجيوسياسية التى تشهدها المنطقة نظرا لاحتمالات توسعها إقليميا، وانعكاساتها المباشرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية والاستقرار الاقتصادى الدولى، ما يجعل تأثيراتها الاقتصادية مرشحة أن تشمل جميع دول العالم.

لا تكتسب تداعيات هذه الحرب أهمية خاصة بسبب طبيعتها العسكرية، وإنما أيضا لاتساع تداعياتها الاقتصادية بسبب وقوعها فى منطقة تمثل محورا رئيسيا لإنتاج وتصدير الطاقة العالمية، حيث تضم منطقة الخليج نسبة كبيرة من احتياطيات النفط والغاز فى العالم، فضلا عن مرور جزء كبير من التجارة العالمية عبر ممراتها البحرية الحيوية، وفى مقدمتها مضيق هرمز الذى يعبر منه نحو 20% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى الممرات الاستراتيجية الأخرى، مثل البحر الأحمر وقناة السويس. وبسبب كل ذلك، فإن التصعيد العسكرى فى هذه الحرب من شأنه أن يؤدى إلى تداعيات واسعة فى أسواق الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، كما يؤدى إلى تداعيات اقتصادية عالمية تشمل العديد من المجالات، مثل:تباطؤ النمو الاقتصادى، وارتفاع معدلات التضخم، وتقلبات الأسواق المالية، وارتفاع أسعار الغذاء، وغيرها من التداعيات على القطاعات الاقتصادية المختلفة، مثل قطاع النقل والشحن، وقطاع السياحة، وتدفقات الاستثمارات. وعلى المستوى الاستراتيجى، قد تؤدى هذه الحرب إلى إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية فى منطقة الشرق الأوسط، حيث قد تستفيد بعض الدول البترولية من ارتفاع الأسعار، فى حين تتعرض دول أخرى لضغوط مالية نتيجة ارتفاع تكاليف الواردات أو تراجع الاستثمارات الأجنبية، كما قد ينعكس التصعيد العسكرى على الاستقرار المالى فى المنطقة الناجم عن زيادة الإنفاق العسكرى وتزايد مخاطر الاستثمار.

فى هذا السياق، سيكون الاقتصاد المصرى من بين المتأثرين بهذه الحرب، لارتباطه بعدد من القنوات الاقتصادية المتأثرة بالحرب وتداعياتها، من بينها تأثر أسواق الطاقة، وتأثر حركة التجارة الدولية، وتأثر إيرادات قناة السويس، وتأثر تدفقات الاستثمار الأجنبى والسياحة، وتحويلات العاملين بالخارج، فضلا عن تأثيرات الحرب فى أسعار الغذاء والطاقة، وما يترتب عليها من ضغوط تضخمية داخل الاقتصاد المصرى.

يركز هذا الموضوع على تحليل التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران على ثلاثة مستويات مترابطة، هى الاقتصاد العالمى، واقتصادات منطقة الشرق الأوسط، والاقتصاد المصرى، مع التركيز على تحليل القنوات الاقتصادية الرئيسية التى قد تنتقل من خلالها آثار الحرب إلى هذه الاقتصادات. كما يتم التركيز على استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة لمسار هذه الحرب وتداعياتها الاقتصادية، والاجتهاد فى طرح مجموعة من السياسات والإجراءات المقترحة التى يمكن أن تسهم فى تعزيز قدرة الاقتصاد المصرى على التعامل مع التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب.

أولا- أهمية منطقة الشرق الأوسط فى الاقتصاد العالمى فى ظل التوترات الجيوسياسية والحرب الراهنة:

لا شك فى أن فهم حقيقة الأهمية الاقتصادية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط يمثل خطوة أساسية لتحليل التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية، ويسهم فى ذلك أيضا فهم طبيعة الحرب الراهنة وسيناريوهاتها المحتملة، حيث تعد منطقة الشرق الأوسط أحد أكثر الأقاليم تأثيرا فى الاقتصاد العالمى، نظرا لما تمتلكه من موارد طبيعية استراتيجية، وعلى رأسها النفط والغاز الطبيعى، فضلا عن موقعها الجغرافى الذى يجعلها محورا رئيسيا للتجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية. وقد ازدادت أهمية المنطقة فى السنوات الأخيرة فى ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، بما فى ذلك الصراعات العسكرية، الأمر الذى ينعكس بصورة مباشرة على استقرار الأسواق العالمية للطاقة والتجارة والاستثمار.

يعزز من أهمية الشرق الأوسط فى الاقتصاد العالمى ثلاثة عوامل رئيسية، الأول دور المنطقة كمركز رئيسى لإنتاج وتصدير الطاقة، والثانى موقعها الاستراتيجى فى شبكة الممرات البحرية العالمية، والثالث والأخير دور المنطقة المتزايد فى تدفقات الاستثمارات والتجارة العالمية، حيث تمثل منطقة الشرق الأوسط أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة فى العالم، وتضم أكبر الدول المنتجة والمصدرة للنفط والغاز الطبيعى فى العالم. مثل السعودية وإيران والعراق والإمارات العربية المتحدة والكويت، ويمثل إنتاج هذه الدول جزءا أساسيا من الإمدادات العالمية للطاقة.

تشير بيانات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) إلى أن دول المنطقة تمتلك نحو نصف الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط، ما يجعلها تلعب دورا محوريا فى تحديد اتجاهات أسواق الطاقة العالمية، ويوضح الجدول التالى حصة الشرق الأوسط من احتياطيات النفط والغاز مقارنة بباقى دول العالم.


كما تلعب المنطقة دورا محوريا فى صادرات الغاز الطبيعى المسال، خاصة من خلال قطر التى تعد إحدى أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعى المسال فى العالم. ويعتمد عدد كبير من الاقتصادات الصناعية، -خصوصا فى أوروبا وآسيا- على منطقة الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود والطاقة.وفى ظل الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، تأثرت تدفقات النفط والغاز من هذه المنطقة لباقى دول العالم، حيث تعطل جزء كبير من إمدادات النفط والغاز فى المنطقة. ومع التصعيد، بات التوقف التام لتدفق النفط من دول هذه المنطقة للعالم أقرب للتحقق، الأمر الذى بدأ يحدث تقلبات حادة فى أسعار الطاقة العالمية.

أيضا، تتمتع منطقة الشرق الأوسط بأهمية جغرافية كبيرة،لكونها مركزا رئيسيا لعدد من أهم الممرات البحرية فى العالم، التى تمثل شرايين أساسية لحركة التجارة الدولية.ومن أبرز هذه الممرات:هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، حيث يعد مضيق هرمز أحد أهم هذه الممرات البحرية على الإطلاق، وتمر منه خمس صادرات النفط العالمية، ونحو83% من الغاز الطبيعى المسال إلى الأسواق الآسيوية،كما يربط المضيق مراكز الإنتاج فى الخليج بكبار المستهلكين فى أوروبا وآسيا. وقد استحوذت السعودية والعراق والكويت على الحصة الأكبر من النفط الخام والمنتجات البترولية العابرة للمضيق خلال الفترة من عام 2020 وحتى الربع الأول من عام 2025، وتوفر السعودية وحدها نحو 38% من النفط الخام العابر للمضيق(1)، أى إن هذه الممرات لها أهمية خاصة، لأنها الطريق الرئيسى لصادرات النفط من دول الخليج إلى الأسواق العالمية. ولذلك، فإن أى إغلاق لهذه الممرات -خاصة مضيق هرمز- يؤدى إلى اضطرابات كبيرة فى أسواق الطاقة العالمية، وهو ما بدأ يحدث بالفعل.

كما تحتل المنطقة موقعا محوريا فى شبكة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، حيث تمر نسبة كبيرة من تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا عبر الممرات البحرية فى المنطقة، وتعتمد العديد من الصناعات العالمية على طرق الشحن التى تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس لنقل السلع والمواد الخام بين القارات المختلفة.

فى ضوء كل ما سبق، يلاحظ أن التوترات الجيوسياسية والحروب فى الشرق الأوسط ينتج عنها تأثيرات اقتصادية واسعة النطاق عالميا وإقليميا، خاصة فى أسواق الطاقة والتجارة الدولية.ويؤكد ذلك التداعيات الاقتصادية للحروب والنزاعات المسلحة التى شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، التى أثرت بشكل مباشر وقوى فى الاقتصاد العالمى، ومنها حرب الخليج الأولى1980، وحرب العراق 2003، والحرب بين إسرائيل وإيران عام 2025.ويؤكد ذلك أيضا تحذير تقارير صندوق النقد والبنك الدوليين من أن تصاعد التوترات الجيوسياسية والحروب فى الشرق الأوسط يشكل أحد أهم المخاطر التى تهدد استقرار الاقتصاد العالمى خلال السنوات القادمة.والملاحظ أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران كشفت عن هشاشة مسارات التجارة والنقل العالمية فى الشرق الأوسط، حيث أدت العمليات العسكرية وإغلاق الأجواء والمخاطر الأمنية إلى اضطراب حركة الطيران والشحن، ما دفع شركات النقل والتأمين إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر أمانا، مثل الممر الأوسط، وقد أصبح للممر الأوسط أهمية متزايدة بفضل موقعه الجغرافى الذى يربط أوروبا بآسيا عبر جنوب القوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى، وقد برزت أهميته أيضا بعد الحرب الروسية-الأوكرانية والعقوبات الدولية على روسيا وإيران، ما دفع العالم إلى تنويع طرق النقل الدولية(2).

ثانيا- طبيعة الحرب الراهنة وسيناريوهاتها المحتملة:

رغم أن الحرب الحالية ليست الأولى فى المنطقة، وليست الأولى بين طرفيها، فإنها تتميز بعدد من الخصائص التى تجعلها مختلفة عن الصراعات السابقة فى المنطقة، حيث تتداخل فيها عدة أبعاد عسكرية واقتصادية وجيوسياسية، تجعلها تتميز بما يلى:

• الطابع الإقليمى للحرب:فمع أن المواجهة الرئيسية تدور بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإن الأعمال العدائية شملت 12 دولة فى المنطقة، بالإضافة لإيران وإسرائيل. ومن ثم، فإن تداعياتها تمتد إلى عدد من الدول فى المنطقة، خصوصا فى منطقة الخليج العربى، ويعود ذلك إلى الترابط الوثيق بين المصالح الاقتصادية والأمنية للدول الإقليمية، إضافة إلى وجود عدد كبير من المنشآت النفطية الحيوية فى المنطقة.

• ارتباط الحرب بأسواق الطاقة العالمية:حيث يعد النفط والغاز الطبيعى أحد أهم العوامل المؤثرة فى طبيعة الصراع، فهناك العديد من المنشآت النفطية الاستراتيجية تقع فى نطاق التأثير المباشر للحرب، وهو ما يجعل أسواق الطاقة العالمية شديدة الحساسية لتصعيد هذه الحرب واتساع نطاقها.

• تأثير الحرب بشكل غير مباشر على الصراع الدولى بين القوى الكبرى: حيث تسعى الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن أهدافها من الحرب، إلى إضعاف وخنق قوى عظمى اقتصاديا، مثل الصين وروسيا، من خلال تدمير إيران عسكريا واقتصاديا، وإنهاء دورها فى تجارة النفط وتحالفها مع موسكو وبكين، بعد تنفيذ ذلك مع فنزويلا. وهو ما يجعل هناك احتمالات بدخول هذه القوى لمساندة إيران، حتى ولو بشكل غير مباشر، ما يجعل الحرب مرشحة للتوسع أو أن يطول أمدها.

• التأثير المباشر للحرب على الممرات البحرية الدولية:إذ لا تشكل هذه الحرب تهديدا مباشرا للملاحة البحرية فحسب، وإنما تدور رحاها فى أهم هذه الممرات، وهو مضيق هرمز، والخليج العربى، والبحر الأحمر، ما يجعل توسع هذه الحرب وطول أمدها ذوى تأثير مباشر فى الاقتصاد العالمى.

لذلك،سوف يختلف تأثير هذه الحرب فى الاقتصاد العالمى وفقا لطبيعة تطورها ومدى اتساع نطاقيها الجغرافى والزمنى، حيث يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة لمسار الصراع، تتراوح بين مواجهة محدودة التأثير نسبيا، أو حرب إقليمية واسعة، أو صراع ممتد قد يؤدى إلى اضطرابات كبيرة فى سلاسل الإمداد العالمية.

• الأول- حرب محدودة:وهو يعنى استمرار المواجهة العسكرية فى إطار محدود دون توسع إقليمى كبير، بحيث تقتصر العمليات العسكرية على ضربات محددة تستهدف منشآت عسكرية أو بنية تحتية استراتيجية دون الدخول فى حرب شاملة، وعدم استهداف الطرفين لمنشآت النفط بشكل مباشر، واستمرار الملاحة فى الممرات البحرية فى المنطقة بشكل طبيعى،مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

هذا السيناريو تم تجاوزه بالفعل فى نهاية الأسبوع الأول من الحرب، حيث توسعت الحرب، وتم استهداف منشآت النفط، وتعطيل الملاحة فى مضيق هرمز، وهو ما جعل التأثيرات الاقتصادية للحرب لم تعد محدودة نسبيا، وبدأت تشهد الأسواق العالمية زيادة فى تقلبات الأسعار العالمية للنفط والغاز، حيث تجاوز سعر برميل النفط 90 دولارا، فى هذا الوقت، وبدأ يأخذ شكلا تصاعديا، ولكن ظلت الأسواق العالمية قادرة على التكيف مع هذه التداعيات نسبيا، خاصة أن إمدادات النفط لم تتأثر بقوة خلال الأسبوع الأول من الحرب.

• الثانى- حرب إقليمية واسعة:وهذا السيناريو بدأ يتحقق بعد توسع الحرب لتشمل لبنان، كما تشمل ضربات إيران كل دول الخليج، وتمتد الضربات لمنشآت النفط بشكل مباشر، وتعطيل الملاحة بشكل شبه كامل فى مضيق هرمز، وتعطيل كبير لصادرات النفط من المنطقة، وهو ما بدأ يحدث اضطرابات كبيرة فى أسواق الطاقة العالمية. وقد بدأت التأثيرات الاقتصادية لتحقق هذا السيناريو فى الظهور، حيث شهد الأسبوع الثانى من الحرب حدوث ارتفاع كبير فى أسعار النفط والغاز نتيجة انخفاض المعروض العالمى من الطاقة، كما تكاليف النقل والتأمين البحرى، وهذا انعكس بدوره على أسعار السلع العالمية.

• السيناريو الثالث والأخير- حرب ممتدة تؤثر فى سلاسل التوريد العالمية:وهذا السيناريو هو الأخطر، ويعنى استمرار الحرب لفترة طويلة، واستمرار تعطل الملاحة فى مضيق هرمز، واستمرار انخفاض أو توقف صادرات الطاقة من المنطقة.ولا شك فى أن التأثيرات الاقتصادية لهذا السيناريو، حال تحققه ستكون بمنزلة صدمة اقتصادية كبيرة تؤثر فى اقتصادات جميع دول العالم وتشكل أزمة دولية واسعة النطاق.

ثالثا- التداعيات الاقتصادية على الاقتصاد العالمى:

تعد الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أبرز مصدر للمخاطر التى تهدد استقرار الاقتصاد العالمى حاليا. وتمتد آثار هذه الحرب إلى الاقتصاد العالمى من خلال أربعة محاور، هى: أسواق الطاقة العالمية، وتدفقات التجارة الدولية وسلاسل التوريد، والأسواق المالية العالمية، بجانب تداعيات هذه الحرب على النمو الاقتصادى، وعلى التضخم، وعلى تدفقات الاستثمارات العالمية.

وقد نشر معهد تشاتام هاوس تقريرا فى 6 مارس 2026 بعنوان «كيف ستؤثر الحرب الإيرانية على الاقتصاد العالمى؟»(3)، وأكد أن العبء الأكبر سيقع على منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تؤكده تجارب الحروب السابقة فى المنطقة. فخلال الحرب التى استمرت 12 يوما فى يونيو 2025 انكمش اقتصاد إسرائيل بنحو 1% فى الربع الثانى. وإذا ظلت الحرب الحالية حربا قصيرة الأمد، فمن المرجح أن تواجه كل من إسرائيل واقتصادات دول الخليج تراجعا فى الناتج بمقدار مماثل تقريبا. أما إذا طال أمد الحرب، فمن المرجح أن تكون الأضرار الاقتصادية أشدوأكبر، حيث ستتراجع مستويات الإنتاج، وتتأجل الاستثمارات، وتتراجع السياحة بشكل واضح، وسيكون الاقتصاد الإيرانى الأكثر تضررا. وهناك توقعات بتراجع الناتج المحلى الإجمالى بأكثر من 10% (إيران لم تنشر بيانات رسمية للناتج المحلى منذ عام 2024).

وعلى صعيد الاقتصاد العالمى، يشير التقرير إلى أن حجم اقتصادات دول الخليج لا يمثل سوى نحو 2%–3% من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، ما يعنى أن أى ركود إقليمى حاد سيظل تأثيره المباشر على الإنتاج العالمى محدودا نسبيا. ولكن المخاطر الرئيسية ترتبط بتعطل إمدادات السلع التى تصدرها المنطقة إلى باقى دول العالم. على سبيل المثال، يمثل إنتاج قطر من الهيليوم المستخدم فى إنتاج أشباه الموصلات نحو 40%، كما تعد المنطقة مصدرا مهما للأسمدة والأمونيا والنيتروجين المستخدمين فى صناعة الأسمدة الصناعية.

أ- التداعيات على أسواق الطاقة العالمية:

تعد أسواق الطاقة العالمية من أكثر القطاعات الاقتصادية حساسية للتوترات الجيوسياسية، خاصة عندما ترتبط هذه التوترات بمنطقة تنتج نسبة كبيرة من النفط والغاز فى العالم، مثل منطقة الشرق الأوسط. وفى الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، فرضت طهران حصارا فعليا على مضيق هرمز، ما أدى إلى توقف نحو 94% من حركة الملاحة البحرية فى المنطقة(4). وحتى الأسبوع الثانى من الحرب، تم تداول أخبار عن استهداف نحو عشر ناقلات نفط فى مضيق هرمز، وقد مثل هذا الحصار لمضيق هرمز تهديدا كبيرا لاستقرار الاقتصاد العالمى، وأعاد التخوفات من تكرار ما حدث خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، حيث أدت الحرب فى ذلك الوقت -وما عرف بحرب الناقلات- إلى طفرة حادة فى أسعار النفط الخام، حيث ارتفع سعر البرميل بنسبة 252% بين عام 1979 وعام 1981، بعد تراجع حركة الشحن بنسبة 25% وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بشكل حاد(5).

وقد أخذت أسعار النفط فى الارتفاع مواكبة لتصاعد وتيرة الحرب واتساع نطاقها، حيث سجلت أسعار النفط قفزة حادة عقب الغلق الإيرانى للمضيق، إذ ارتفع خام برنت، وهو المؤشر المرجعى العالمى، أكثر من 5% ليصل مؤقتا إلى 82 دولارا للبرميل فى 3 مارس، كما قفز السعر القياسى للغاز فى أوروبا بنسبة 50% فى 2 مارس2026. وقد أدى انسحاب الشركات التجارية وشركات النفط الكبرى وشركات التأمين من الممر الملاحى إلى حدوث صدمات فى إمدادات النفط والغاز الطبيعى المسال، ما أسفر عن ارتفاع الأسعار. وعلى الرغم من استمرار عمليات التحميل، فإن حذر السفن وتأخير إبرام عقود الشحن أثرا فى إتمام عملية التسليم(6). وفى حال الإغلاق الكامل للمضيق، سوف يخرج من سوق النفط ما بين 17 و20 مليون برميل يوميا، الأمر الذى سوف يسبب أكبر صدمة تاريخية غير مسبوقة فى أسواق النفط تتجاوز صدمة الحظر العربى للنفط فى أثناء حرب عام 1973، وهذا سوف يسبب موجة تضخمية عالمية كبيرة، حيث أن زيادة أسعار النفط بنسبة 10% يرفع معدل التضخم العالمي بنحو 0.4%(7).

تشير تقديرات أسواق الطاقة إلى أن اتساع الحرب واستمرارها لفترة طويلة قد يؤدى إلى انخفاض الإمدادات العالمية من النفط،ودفع أسعاره إلى مستويات مرتفعة تتجاوز 130 دولارا للبرميل، حال استمرار الأزمة لفترة طويلة. وقد بدأت عوامل كثيرة تدفع فى هذا المجال، أهمها: إغلاق إيران لمضيق هرمز، وتقليص الإنتاج أو إغلاق بعض الحقول بالكامل بعدد من الدول النفطية، حيث بدأت السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران بنهاية الأسبوع الثانى للحرب بتقليص الإنتاج أو إغلاق بعض الحقول بالكامل، خشية امتلاء خزانات التخزين نتيجة لتكدس النفط الخام فى الخليج، وزيادة الهجمات الإضافية على حقول النفط والبنية التحتية للطاقة. ومع ذلك، قد يخفف من هذا الارتفاع فى الأسعار القرار الأمريكى برفع بعض العقوبات المفروضة على النفط الروسى مؤقتا، وهو قرار صدر بنهاية الأسبوع الأول من الحرب، ويتضمن تعليقا مؤقتا للعقوبات لمدة 30 يوما، وذلك لتهدئة المخاوف من نقص النفط وتخفيف ارتفاع، حيث واجه الأمريكيون ارتفاعا فى أسعار الوقود، وهو عامل جديد يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادى فى الولايات المتحدة التى فقدت بشكل غير متوقع 92 ألف وظيفة فى فبراير.وتشير بيانات جمعية السيارات الأمريكية إلى أن متوسط السعر الوطنى للبنزين العادى حتى 6 مارس 2026 ارتفع بنسبة 11%، مقارنة بالأسبوع السابق، وارتفع سعر الديزل بنسبة 15% مقارنة بالأسبوع السابق، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ نوفمبر 2023.


ب- التأثير على تدفقات التجارة العالمية وسلاسل الإمداد:

إلى جانب تأثير الحرب فى أسواق الطاقة، فإنها أدت أيضا إلى اضطرابات فى حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، بعد امتداد تداعياتها إلى الممرات البحرية الحيوية فى المنطقة، وبسبب التعطل الجزئى لحركة السفن التجارية أو تحويل مساراتها إلى طرق أطول وأكثر تكلفة، مثل الطريق حول رأس الرجاء الصالح.

هذا الأمر أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن البحرى وزيادة أسعار العديد من السلع فى الأسواق العالمية، بعد تأثر تدفقات التجارة العالمية للسلع غير النفطية، خاصة السلع الغذائية والمواد الأولية الصناعية. وقد نتجت هذه التأثيرات أساسا عن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية فى منطقة الشرق الأوسط، التى تمثل أحد أهم الممرات التجارية العالمية، ما انعكس على تكاليف النقل والتأمين، وكذلك على كفاءة سلاسل الإمداد والتوريد الدولية(9).

بحسب تقديرات منظمة التجارة العالمية، فإن الاضطرابات الجيوسياسية فى الممرات البحرية الرئيسية غالبا ما تؤدى إلى تباطؤ تدفقات التجارة العالمية نتيجة ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجيستية وتعطل بعض خطوط الشحن. وفى ظل الحرب الحالية، قامت العديد من شركات الشحن بإعادة تقييم مساراتها البحرية أو تقليص رحلاتها إلى بعض الموانئ القريبة من مناطق التوتر، ما أدى إلى زيادة زمن النقل وتكاليفه، وقد انعكس ذلك بشكل واضح على سلاسل الإمداد والتوريد العالمية(10)، حيث تعتمد العديد من الصناعات الدولية على شبكات لوجيستية معقدة تمر عبر عدة مراكز إنتاج وموانئ رئيسية.

ومع زيادة المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات، واجهت الشركات العالمية تأخيرات فى تسليم المكونات والمواد الخام، الأمر الذى أثر فى إنتاج عدد من الصناعات، مثل الصناعات الغذائية والإلكترونية وصناعة السيارات. وتشير بعض التقديرات إلى أن زمن الشحن فى بعض المسارات التجارية ارتفع بنسبة تتراوح بين 10% و15% بعد الأسبوع الأول من الأزمة نتيجة إعادة توجيه بعض خطوط النقل إلى مسارات أطول.

وقد تأثرت تجارة السلع الغذائية بشكل ملحوظ، حيث أدى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين إلى زيادة أسعار بعض السلع الأساسية، مثل القمح والحبوب والزيوت النباتية فى الأسواق العالمية. وتشير بيانات الأسواق الدولية إلى أن أسعار بعض السلع الغذائية ارتفعت بنسب تراوحت بين 5% و12% خلال الأسبوع الأول من الأزمة نتيجة المخاوف من تعطل الشحنات وتأخر وصولها إلى الأسواق المستوردة. وقد حذر صندوق النقد الدولى من أن استمرار الحرب قد يؤدى إلى زيادة الضغوط التضخمية العالمية، من خلال تأثيرها فى أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكاليف النقل والتجارة، وأن هذا سوف يؤثر فى أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية، خاصة فى الدول التى تعتمد على استيراد السلع الغذائية(11).


ج- التأثير فى الأسواق المالية وأسعار العملات والذهب:

مع اندلاع الحرب، زادت حالة عدم اليقين فى الأسواق المالية العالمية، ما أدى إلى تقلبات فى أسعار الأسهم والعملات والسلع، وارتفع توجه المستثمرين إلى تحويل أموالهم إلى الأصول الآمنة، مثل الذهب والسندات الحكومية. وقد شهدت البورصات الرئيسية فى أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية انخفاضا حادا فى مؤشرات الأسهم نتيجة مخاوف المستثمرين من توسع الحرب وتأثيرها فى النمو الاقتصادى العالمى، وهو ما انعكس فى ارتفاع أسعار الذهب خلال أسبوعين من اندلاع الحرب(13).

كما تأثرت أسواق العملات العالمية، حيث ارتفعت قيمة الدولار الأمريكى مقابل العملات الرئيسية الأخرى نتيجة الطلب على الملاذ الآمن، فيما شهدت بعض العملات المرتبطة بالتجارة والنفط انخفاضا ملحوظا بسبب المخاوف من اضطراب التجارة العالمية. وأدت الحرب إلى تقلبات حادة فى أسواق الطاقة، ما انعكس على أسواق الأسهم المرتبطة بالطاقة والسلع.وقد حذرت مؤسسات مالية دولية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدى إلى زيادة تقلبات أسواق المال العالمية، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وعرقلة الاستثمارات، ما قد يؤثر سلبا فى النمو الاقتصادى العالمى ويزيد المخاطر المالية الدولية(14)، وهو ما يوضحه جدول رقم (4).


د- التأثير فى معدلات النمو الاقتصادى والتضخم العالمى:

يعد ارتفاع أسعار الطاقة أحد أهم العوامل التى تؤدى إلى زيادة معدلات التضخم فى الاقتصاد العالمى. فعندما ترتفع أسعار النفط، ترتفع معها تكاليف النقل والإنتاج، ما يؤدى إلى زيادة أسعار العديد من السلع والخدمات، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولى إلى أن ارتفاع التضخم بنسبة 10% يؤدى إلى ارتفاع التضخم بنحو 0,2 نقطة مئوية. كما يؤدى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة بالتبعية إلى زيادة الضغوط التضخمية فى الاقتصادات النامية، ما قد يؤدى إلى تراجع مستويات المعيشة فى هذه الدول. وقد أدى ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات التجارة العالمية بسبب الحرب إلى تباطؤ النمو الاقتصادى العالمى، وسيتزايد هذا التباطؤ، وربما يتحول إلى ركود إذا استمرت الحرب لفترة طويلة(15).

ورغم أنه من المبكر معرفة التأثير الدقيق للحرب فى النمو الاقتصادى، فإن التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 90 دولارا للبرميل سيؤثر تأثير محدودا فى النمو الاقتصادى العالمى. ولكن لو وصل الارتفاع على 110 دولارات للبرميل،فسيؤدى إلى تباطؤ طفيف، ولكن لو وصل سعر البرميل إلى 130 دولارا سيؤدى ذلك إلى تباطؤ ملحوظ فى النمو الاقتصادى العالمى(16).

رابعا- التداعيات الاقتصادية على الشرق الأوسط:

تعد منطقة الشرق الأوسط الأكثر تأثرا بالحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، نظرا لأهميتها الاستراتيجية كمصدر رئيسى للطاقة العالمية، وكممر رئيسى للتجارة الدولية عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس. ويمكن تلخيص أبرز الآثار الاقتصادية المحتملة للحرب على المنطقة من خلال عدة محاور رئيسية، هى:

• الآثار على أسواق النفط والغاز الإقليمية: تتمثل أحد أبرز آثار الحرب على المنطقة فى التأثير المباشر على أسواق النفط والغاز. ومن المتوقع أن تستفيد بعض الدول المنتجة للطاقة من ارتفاع الأسعار العالمية، فيما قد تتعرض الدول الأخرى لضغوط على إنتاجها أو صادراتها، كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يعوض انخفاض الإنتاج فى بعض الدول، فيما قد تتأثر إيرادات الدول المتضررة مباشرة من الحرب، ولكن ستكون الأضرار كارثية على الدول الخليجية المنتجة للنفط إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، وتوقف صادرات النفط لفترة طويلة.كما أن اضطرابات الإمدادات قد تؤدى إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعى فى الأسواق الإقليمية، ما يزيد من تكاليف الطاقة على القطاعات الصناعية والاستهلاكية.

• الآثار على تدفقات التجارة والاستثمارات الإقليمية:من المؤكد أن الحرب تؤثر بشكل مباشر فى تدفقات التجارة والاستثمارات فى المنطقة. فمن المتوقع أن تشهد الاستثمارات الأجنبية المباشرة تراجعا نتيجة زيادة المخاطر الجيوسياسية، ويتوقع أيضا أن يتراوح التراجع بين 10 و20% فى الدول الأكثر تأثرا، فيما قد تتأثر المشروعات الإقليمية الكبرى، خصوصا فى القطاعات الصناعية والنفطية والبنية التحتية،كما قد تؤدى المخاطر الجيوسياسية إلى تراجع ثقة المستثمرين، وبالتالى انخفاض تدفقات رءوس الأموال إلى المنطقة.

• الآثار على الاستقرار المالى فى المنطقة:ستؤدى الحرب إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار المالى فى معظم دول المنطقة، حيث سيؤدى ارتفاع الإنفاق العسكرى وزيادة المخاطر السياسية إلى ضغوط مالية على ميزانيات بعض الدول فى المنطقة. فارتفاع الإنفاق العسكرى قد يأتى على حساب الإنفاق الاجتماعى والاستثمارى، ما قد يضعف النمو الاقتصادى على المدى المتوسط. كما أن ارتفاع تكاليف الاستيراد نتيجة الحرب قد يؤدى إلى ضغوط على موازنات الدول، وربما الحاجة إلى تمويل عجز الموازنة عبر الاقتراض أو استخدام الاحتياطيات النقدية، ما سيؤدى إلى ارتفاع الديون الخارجية.

خامسا- التداعيات الاقتصادية على الاقتصاد المصرى:

لا شك فى أن مصر ستكون إحدى الدول الأكثر تأثرا بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وذلك بسبب موقعها الجغرافى الاستراتيجى القريب من منطقة الحرب، وبسبب ارتباطها بعدد من القنوات التى يمكن أن تنقل آثار هذه الحرب مباشرة إلى الاقتصاد المصرى. وتتمثل هذه الآثار والتداعيات فيما يلى:

• تداعيات إغلاق مضيق هرمز على مصر: سيؤثر إغلاق مضيق هرمز بشكل كبير فى الاقتصاد المصرى، حيث يتوقع أن تشهد إيرادات قناة السويس تراجعا بعد اضطرار السفن إلى تحويل مسارها إلى رأس الرجاء الصالح. كما ستتأثر مصر بتوقف إمدادات الغاز العابر للمضيق، حيث تواجه مصر بالفعل عجزا فى إمدادات الغاز،بعد أن أصبحت مستوردا صافيا للغاز المسال منذ عام 2024. وقد يؤدى استمرار الحرب إلى تراجع تدفقات الغاز، ما يدفع القاهرة للبحث عن مصادر أخرى وبتكاليف أعلى.

• تداعيات الحرب على تدفقات رأس المال وسعر الصرف فى مصر:بعد اندلاع الحرب، شهدت استثمارات «الحافظة» الأجنبية فى مصر تدفقات خارجة صافية، وهناك توقعات باستمرار هذا الوضع،كما سيؤدى خروج الأموال الساخنة من مصر،إلى جانب عوامل أخرى -مثل تراجع تحويلات المصريين بالخارج، وتراجع إيرادات قناة السويس- إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبى، ما يؤدى إلى تراجع قيمة العملة المحلية وتسارع معدلات التضخم. وبالفعل، تراجعت قيمة الجنيه المصرى، وعادت السوق السوداء للعملة مرة أخرى بعد اندلاع الحرب، ليتجاوز حاجز 50 جنيها للدولار فى البنوك، مسجلا أدنى مستوياته منذ يونيو 2025، وسوف يستمر هذا الاتجاه حال استمرار أمد هذه الحرب.

• تداعيات الحرب على أسعار الطاقة فى مصر:من المعروف أن مصر تعتمد على واردات النفط والغاز لتلبية جزء كبير من احتياجاتها، ومن ثم فإنه من المنطقى أن يكون لأى ارتفاع فى أسعار الطاقة العالمية انعكاس مباشرة على فاتورة الاستيراد وعجز الموازنة ودعم الطاقة فى مصر. وبالتالى، فإن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية سيتسبب فى زيادة الضغوط على الميزانية العامة، وسوف يؤثر فى الإنفاق الاجتماعى والاستثمارى. وقد قامت الحكومة بالفعل برفع أسعار المحروقات يوم 10 مارس 2026 بنسبة تتراوح بين 14% و17% بحسب نوع الوقود، وذلك للتغلب على ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب.

• تأثير الحرب فى التضخم والأسعار فى مصر: يرتبط ارتفاع أسعار الطاقة والسلع، ومنها السلع الغذائية فى الأسواق العالمية مباشرة، بمعدلات التضخم المحلى فى مصر، وهو ما ينعكس على القدرة الشرائية للمواطنين. وقد أدت الحرب الحالية فى الشرق الأوسط إلى زيادة الضغوط التضخمية فى العديد من الاقتصادات، ومنها الاقتصاد المصرى، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع. وتعد مصر من الدول التى تتأثر بسرعة بهذه التطورات بسبب اعتمادها النسبى على استيراد جزء كبير من احتياجاتها من السلع الغذائية الأساسية، مثل القمح والزيوت النباتية، ومع ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، ترتفع تكاليف الإنتاج الزراعى، ما يؤدى فى النهاية إلى زيادة أسعار الغذاء فى السوق المحلية.

كما أن اضطرابات التجارة الدولية وارتفاع أسعار الأسمدة ومدخلات الإنتاج الزراعى يؤديان إلى زيادة تكلفة الإنتاج الزراعى، الأمر الذى ينعكس على أسعار السلع الغذائية المستوردة. وتعد السلع الغذائية من أكثر المكونات تأثيرا فى معدل التضخم فى مصر نظرا لارتفاع وزنها النسبى فى سلة إنفاق الأسر. ومع استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية، يتوقع أن تستمر الضغوط التضخمية على الاقتصاد المصرى، خاصة فيما يتعلق بأسعار الغذاء والسلع الأساسية(17).

• تأثير الحرب فى السياحة والاستثمار فى مصر: تتأثر السياحة فى مصر بشكل مباشر بالحرب الحالية فى منطقة الشرق الأوسط، بسبب زيادة المخاوف وارتفاع مخاطر السفر وعدم اليقين لدى المستثمرين والسائحين، وكذلك بسبب اضطراب حركة النقل الجوى والبرى والبحرى فى المنطقة، وهو انعكس على حركة السياحة والاستثمار فى مصر. وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن الحرب الحالية أدت إلى تباطؤ الحجوزات السياحية وإلغاء بعض الرحلات إلى دول المنطقة بسبب المخاوف الأمنية، حتى وإن كانت هذه الدول بعيدة عن مناطق الصراع المباشر. كما بدأت بعض شركات السياحة العالمية فى تأجيل أو إلغاء تعاقدات سياحية جديدة نتيجة تصاعد الحرب وتوسع نطاقها(18)، وهو ما سوف يؤثر فى إيرادات السياحة قى مصر خلال موسم الذروة السياحى لعام 2026. كما أن استمرار الحرب قد يؤدى إلى تراجع الطلب السياحى نتيجة التصورات السلبية عن الاستقرار فى المنطقة، حيث تشير بعض التقديرات إلى احتمال انخفاض عدد السياح بنسبة تتراوح بين 10% و15%، حال استمرار الصراع لفترة طويلة، ولا شك فى أن هذا يمثل ضغوطا إضافية على الاقتصاد المصرى خلال الفترة المقبلة(19).

• تأثير الحرب فى تحويلات العاملين المصريين بالخارج: تشير التقديرات إلى أن ملايين المصريين يعملون فى دول الخليج ويرسلون مليارات الدولارات سنويا إلى مصر، حيث بلغت تحويلاتهم نحو 41.5 مليار دولار فى عام 2025، ما يمثل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للبلاد(20). ومن ثم، سوف تتأثر تحويلات المصريين العاملين فى الخارج بسبب الحرب الحالية، وبسبب تركز جزء كبير من العمالة المصرية فى دول الخليج العربى. فمع اندلاع الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ثمة مخاوف شديدة من تأثير هذه الحرب فى اقتصادات دول الخليج، التى تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار الإقليمى وحركة التجارة والطاقة، ما يعنى التأثير فى دخول العاملين المصريين وقدرتهم على تحويل الأموال إلى مصر.

تشير بعض التقديرات الاقتصادية إلى أن أكثر من 65٪ من تحويلات المصريين تأتى من دول الخليج. وبالتالى، فإن أى اضطراب اقتصادى فى تلك الدول قد يؤثر بشكل مباشر فى تدفقات هذه التحويلات إلى مصر، كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة فى دول الخليج، نتيجة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب، قد يؤديان إلى خفض حجم التحويلات المالية المرسلة إلى الخارج، خاصة مع توجه بعض الشركات إلى تقليل التوظيف أو تأجيل مشروعات جديدة، وهو ما قد يؤثر فى العمالة الأجنبية، ومن بينها العمالة المصرية. ولذلك، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدى إلى تراجع أو تباطؤ نمو تحويلات المصريين العاملين بالخارج، ما يشكل ضغطا آخر على ميزان المدفوعات والاحتياطيات الأجنبية فى مصر(21).

نخلص من التحليل السابق إلى ما يلى:

عالميا:الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران قد تكون لها تداعيات اقتصادية واسعة النطاق على الاقتصاد العالمى، خاصة من خلال تأثيرها فى أسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية والأسواق المالية. ويعتمد حجم هذه التداعيات إلى حد كبير على طبيعة الحرب ومدتها الزمنية، حيث قد تظل التأثيرات محدودة نسبيا حال بقاء الحرب فى نطاق محدود، فى حين قد تؤدى إلى صدمة اقتصادية عالمية حال تحولها إلى حرب إقليمية واسعة أو صراع طويل الأمد.

إقليميا:سيكون للحرب الحالية آثار واسعة على اقتصادات منطقة الشرق الأوسط، تشمل:ارتفاع أسعار الطاقة الإقليمية، وزيادة الإيرادات لبعض الدول المنتجة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وتأجيل المشروعات الإقليمية الكبرى، وضغوط على الموازنات الحكومية بسبب زيادة الإنفاق العسكرى، وارتفاع تكاليف الواردات، وتعطل الملاحة البحرية، وارتفاع تكاليف التجارة الإقليمية والدولية. ويمكن القول إن الاقتصاد الإقليمى فى المنطقة سيكون أكثر عرضة لتقلبات الحرب من الاقتصاد العالمى نظرا لارتباطه المباشر بمصادر الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

بالنسبة للاقتصاد المصرى: فإن التداعيات الرئيسية للحرب على الاقتصاد المصرى تتركز فى انخفاض حركة التجارة والإيرادات عبر قناة السويس، وارتفاع تكلفة واردات الطاقة وتأثيرها فى الميزانية العامة، وارتفاع معدل التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتراجع إيرادات السياحة والاستثمار الأجنبى، وانخفاض تحويلات العاملين بالخارج، وزيادة الضغوط على الأمن الغذائى وأسعار الغذاء.

أما من حيث الفرص، فإنه رغم التداعيات الاقتصادية السلبية للحرب، فإن هناك فرصا عدة يمكن استغلالها لتعزيز الوضع الاقتصادى المصرى والإقليمى، وتشمل:استفادة بعض الدول من ارتفاع أسعار الطاقة، وفرص زيادة الإيرادات النفطية أو إدارة عقود الغاز بأسعار مناسبة، وزيادة أهمية قناة السويس، وتعزيز الإيرادات، وزيادة دور مصر كمركز عبور إقليمى، وفرص جذب الاستثمارات إلى مصر لتجنب المخاطر فى مناطق الحرب، مع التركيز على التصنيع والخدمات اللوجيستية والطاقة المتجددة. والملاحظ أنه فور اندلاع الحرب، بدأت الحكومة المصرية بالفعل اتخاذ سياسات وإجراءات متكاملة، وكلها سياسات وإجراءات تستهدف تحويل التحديات الناتجة عن هذه الحرب إلى فرص استراتيجية يمكن أن تعزز الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى فى مصر على المديين المتوسط والطويل.

الهوامش:

(1) https://2u.pw/3tlYap

(2) الصراع الإيرانى يبرز الأهمية المتزايدة للممر الأوسط، على الرابط:           https://2u.pw/Uml1Wh

(3) How will the Iran war affect the global economy? On: https://2u.pw/khEeZU

(4) https://2u.pw/k550Kb

(5) https://2u.pw/bB6QXH

(6) Oil and gas prices jump as conflict escalates, on: https://2u.pw/v7R0gG

(7) Iran says Strait of Hormuz closed, will torch ships trying to pass, on: https://2u.pw/Rn0FxN

(8) Sources:

• Reuters – Oil jumps to highest since 2022 amid Iran war.

• Wikipedia – Economic impact of the 2026 Iran war.

• Wikipedia – 2026 Strait of Hormuz crisis.

• Wikipedia – Price of oil.

• The Guardian – Oil prices above $100 during Iran war.

(9) International Monetary Fund. (2026). Statement on Middle East Developments and Global Economic Risks, on: https://2u.pw/NfasGS

(10) Institute for Supply Management. (2026). The Impacts of the Iran Attack on Supply Chains and Global Business, on: https://2u.pw/TPmcBz

(11) World Economic Forum. (2026). How Geopolitical Tensions Are Affecting Global Trade and Supply Chains, on: https://2u.pw/nyjkru

(12) Food and Agriculture Organization and FAO Food Price Index.

(13) Kitco News. (2026). Gold prices hit record levels amid Middle East tensions, on: https://2u.pw/mP7g5J

(14) World Bank. (2026). Financial Markets under Geopolitical Stress, on: https://2u.pw/Urzr8r

(15) International Monetary Fund. (2026). Middle East conflict could push global inflation higher due to rising oil prices, on:https://2u.pw/BV6GlA

(16) https://2u.pw/EIZRyw

(17) International Monetary Fund. (2026). Middle East conflict could push global inflation higher due to rising oil prices. Washington, DC, on: https://2u.pw/BV6GlA

(18) شركات السياحة العالمية ترجئ إبرام تعاقدات جديدة بسبب حرب إيران، على الرابط:          https://2u.pw/xxIWsr

(19) هل تهدد حرب إيران طفرة السياحة فى مصر؟                                                                       https://2u.pw/KIh4yd

(20) Amid US-Israel war on Iran, Egyptians living in Gulf say they cannot afford to return home, on: https://2u.pw/CF6iBi

(21) كيف تؤثر حرب إيران على الاقتصاد المصرى؟على الرابط:                                                  https://2u.pw/BJZSCb

*نشر فى عدد مجلة السياسة الدولية - أبريل 2026/ ملف خاص: الحرب على إيران


رابط دائم: