برحيل هالة مصطفى، أجد نفسي أمام لحظة يصعب فيها على الكلمات أن تُسعف القلب. لم تكن مجرد زميلة عابرة في مسار الحياة، بل كانت الصديقة التي يُطمأن إليها، والأخت التي يُستند إليها، والمعلمة التي لا تكتفي بأن تنقل المعرفة، بل تُشكّل الوعي وتترك أثرًا ممتدًا لا يزول.
كانت هالة مصطفى حالة إنسانية خاصة؛ شعاعًا للبهجة لا ينضب، وحضورًا يسبقها إلى القلوب قبل أن تتحدث. وجهها المضيء لم يكن فقط انعكاسًا لملامح هادئة، بل كان تعبيرًا صادقًا عن سلام نفسي عميق، وقدرة نادرة على بث الطمأنينة فيمن حولها. مع كل لقاء، كانت تمنحك إحساسًا بأن العالم، رغم تعقيداته، لا يزال قابلًا للفهم، وأن الإنسان قادر على أن يظل متماسكًا مهما اشتدت الضغوط.
عرفتها عن قرب، في تفاصيل الأيام التي تكشف جوهر البشر. كانت دقيقة في التزامها، صادقة في مشاعرها، لا تعرف التكلّف ولا تميل إلى الادعاء. تعطي دون حساب، وتساند دون ضجيج، وتترك أثرًا عميقًا دون أن تسعى إليه. كانت معلمة بالفعل، ليس فقط في قاعات البحث، بل في طريقة العيش نفسها؛ كيف يكون الاتزان، وكيف تُصان القيم، وكيف يظل الإنسان وفيًا لما يؤمن به مهما تبدلت الظروف.
لم تكن قوتها في صوت مرتفع أو حضور صاخب، بل في ثبات هادئ، وفي وضوح رؤية، وفي احترام عميق للعقل والإنسان. كانت تعرف متى تتكلم، ومتى تكتفي بالصمت الذي يحمل من المعاني ما يفوق الكلمات. وهذا ما جعلها قريبة من القلوب، راسخة في الذاكرة.
جاء رحيلها مفاجئًا وقاسيًا، كأنه اقتطع جزءًا من طمأنينة كانت تسكننا. ترك غيابها فراغًا لا يُملأ بسهولة، ووجعًا لا يُخففه إلا الإيمان بأن الأرواح الطيبة لا ترحل عبثًا، وأن ما تتركه من أثر يبقى شاهدًا عليها. لعلها الراحة التي تستحقها بعد سنوات من العطاء الصادق والنقي.
وحتى نلتقي، ستظل حاضرة فينا؛ في الذكريات التي لا تغيب، وفي المواقف التي تعلمنا منها، وفي ذلك النور الهادئ الذي كانت تزرعه أينما حلّت. لروحك السلام، ولنا الصبر، أيتها الغالية التي ستبقى دائمًا أقرب مما نظن، وأبقى مما يظن الغياب.
رابط دائم: