ورحلت الدكتورة هالة مصطفى، الكاتبة ورئيسة تحرير مجلة الديمقراطية الأسبق، لكن رحيلها لم يكن نهاية حكاية، بل بداية استدعاءٍ كثيف لكل ما تركته من أثرٍ لا يُمحى. كانت من تلك الشخصيات التي لا تمر في الحياة مرورًا عابرًا، بل تترك بصمتها في العقول قبل القلوب، وفي التجربة قبل الذاكرة.
كان من حسن حظي أن التقيت بها في لحظة فارقة، مع صدور العدد التجريبي لمجلة «الديمقراطية» عام 2000. يومها بدت كما هي دائمًا: مفعمة بالحيوية، مؤمنة بما تفعل، ومتحمسة لمشروع لم يكن مجرد إصدار صحفي، بل رؤية متكاملة تسعى إلى ترسيخ معنى مختلف للعمل السياسي والفكري. لم تكن فقط أول سيدة تتولى رئاسة تحرير إصدار سياسي في مصر والمنطقة، بل كانت أيضًا نموذجًا استثنائيًا في كسر القوالب التقليدية، وفرض حضورها بالكفاءة والجدية والاستحقاق.
لم تكن قيادتها تقليدية، بل كانت ملهمة بالمعنى الحقيقي. كانت ترى في كل فرد طاقة يمكن أن تُصقل، وكانت تمنح الثقة قبل أن تُطلب، وتدفع الجميع إلى تجاوز حدودهم. لم تكن رئيسة تحرير فحسب، بل كانت أمًا وأختًا وموجهة، تعرف متى تدعم، ومتى تُصحح، ومتى تترك المساحة للنمو. جمعت فريقها على الاحترام قبل العمل، وعلى المحبة قبل الالتزام، فصارت المؤسسة معها كيانًا حيًا لا مجرد مكان.
تميّزت رؤيتها بالصدق والوضوح، وبقدرٍ عالٍ من المسؤولية تجاه ما تكتب وما تدير. لم تكن تبحث عن حضور شخصي بقدر ما كانت تصنع تأثيرًا ممتدًا، وكانت تدرك أن القيمة الحقيقية لأي تجربة تُقاس بما تتركه من أثرٍ في الآخرين. لذلك بقيت في الذاكرة نموذجًا يُحتذى، ليس فقط في المهنية، بل في الإنسانية أيضًا.
رحلت في هدوء يليق بها، دون ضجيج، لكن أثرها باقٍ لا يزول. تركت خلفها سيرة ناصعة من العمل المخلص، وذكريات لا تُنسى، ودروسًا مستمرة في العطاء دون انتظار مقابل. رحمها الله، فقد كانت قلبًا كبيرًا وعقلًا مضيئًا، ووجودًا نادرًا لن يتكرر بسهولة.
رابط دائم: