"فخ ثيوسيديدس" في الجغرافيا الضيقة.. مضيق هرمز وإعادة إنتاج الصراع الدولى
31-3-2026

أنغام عادل حبيب
* مدرس مساعد- جامعة النهرين، العراق

في لحظات التحول الكبرى في التاريخ الدولي، لا تتجلى القوة في اتساع الجغرافيا بقدر ما تنكشف في ضيقها، حيث تتحول الممرات الضيقة إلى مسارح كثيفة للتوتر، ويغدو القرار الاستراتيجي أسيراً لإكراهات المكان قبل حسابات الإرادة، ومن بين هذه النقاط التي تختصر العالم في كيلومترات محدودة يبرز مضيق هرمز بوصفه عنق زجاجة النظام الطاقوي العالمي، ومختبراً حياً لإعادة إنتاج واحدة من أكثر المقولات الكلاسيكية إثارة في حقل العلاقات الدولية، وهي مقولة فخ ثيوسيديدس التي تفترض أن صعود قوة جديدة وما يرافقه من خوف لدى القوة المهيمنة يفتح المجال أمام انزلاق بنيوي نحو الصدام، ليس بوصفه خياراً واعياً بقدر ما هو نتيجة تراكمية لسوء الإدراك وتضخم الهواجس الأمنية وتضارب المصالح في بيئة دولية متحولة، وإذا كان غراهام أليسون قد أعاد إحياء هذا المفهوم في سياق التنافس بين الولايات المتحدة والصين، فإن إسقاطه على بيئة الشرق الأوسط يكشف عن نسخة أكثر تعقيداً وأشد سيولة، حيث لا تتواجه القوى في فضاء مفتوح بل تتقاطع داخل نقاط اختناق جيواقتصادية تجعل من أي احتكاك تكتيكي حدثاً قابلاً للتحول إلى أزمة استراتيجية شاملة.

إن مضيق هرمز لا يمثل مجرد ممر بحري، بل هو في جوهره بنية تحتية جيوسياسية تحمل في داخلها تناقضات النظام الدولي، فمرور نسبة تقارب خُمس تجارة النفط العالمية عبر هذا الشريان يجعل منه مساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع حسابات الفاعلين الإقليميين، وهو ما يخلق حالة من التداخل بين الأمن الطاقوي والأمن العسكري، حيث تصبح حماية التدفقات الاقتصادية مرادفاً لحماية المكان نفسه، وتتحول الجغرافيا إلى متغير مستقل قادر على فرض منطقه الخاص على صانع القرار، وفي هذا السياق تتجسد ملامح الفخ الثيوسيديدي بصورة مختلفة، إذ لا يتعلق الأمر بصعود قوة عالمية تقليدية بقدر ما يرتبط بظهور قوة إقليمية تمتلك قدرة عالية على التعطيل، وهنا تبرز إيران بوصفها فاعلاً يسعى إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك من خلال الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق المنع، حيث لا تهدف إلى الهيمنة المباشرة على المضيق بقدر ما تعمل على امتلاك القدرة على تهديده، وهي معادلة تعيد صياغة مفهوم القوة ذاته من السيطرة إلى التعطيل، ومن الامتلاك إلى الإنكار.

في هذا السياق، تتبنى الولايات المتحدة، بوصفها القوة المهيمنة، استراتيجية تقوم على ضمان حرية الملاحة وتأمين تدفق الطاقة، وهو ما يفسر الحضور البحري المكثف في المنطقة، غير أن هذا الحضور ذاته يتحول إلى مصدر توتر دائم، إذ يُقرأ من قبل الطرف الآخر كتهديد وجودي يستدعي تطوير قدرات غير تقليدية قادرة على كسر التفوق الكلاسيكي، وهنا تتداخل مفاهيم الردع التقليدي مع أنماط جديدة من الردع غير المتكافئ، حيث تعتمد إيران على مزيج من الأدوات يشمل الزوارق السريعة والألغام البحرية والصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة، في محاولة لبناء ما يمكن تسميته بمنطقة إنكار الوصول، وهو ما يحول المضيق إلى مساحة رمادية تتداخل فيها الحرب والسلم، وتصبح فيها الحدود بين الردع والاستفزاز غير واضحة، الأمر الذي يعزز من احتمالية الانزلاق غير المقصود، وهو أحد أهم آليات عمل الفخ الثيوسيديدي.

إن خطورة هذا الفخ في مضيق هرمز لا تكمن في نية الأطراف خوض حرب شاملة، بل في الطبيعة التراكمية للتوتر، حيث يمكن لحادثة صغيرة، كاحتكاك بحري أو استهداف ناقلة نفط أو حتى خطأ في التقدير العملياتي، أن تُفسَّر ضمن سياق أوسع من الشكوك المتبادلة، مما يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل التصعيدية التي تتجاوز الحدث الأصلي، وفي هذه اللحظة تحديداً يتحول الفعل التكتيكي إلى محفز استراتيجي، ويصبح القرار محكوماً بمنطق الهيبة والمصداقية أكثر من حسابات الكلفة والعائد، وهو ما يعيد إنتاج الفكرة الجوهرية التي طرحها ثيوسيديدس حول دور الخوف في دفع الدول نحو الحرب، حيث لا يكون الصراع نتيجة رغبة في التوسع بقدر ما يكون محاولة لتجنب الظهور بمظهر الضعف.

ومع إدخال إسرائيل في هذه المعادلة، تتعقد الصورة أكثر، إذ لم يعد الصراع ثنائياً بين قوة مهيمنة وأخرى صاعدة، بل أصبح شبكة متعددة العقد تتداخل فيها المسارح الجغرافية، حيث يمكن لأي تصعيد في ساحة ما أن ينعكس على ساحة أخرى، وهو ما يمنح مضيق هرمز بعداً إضافياً بوصفه أداة ضغط غير مباشر، إذ يمكن استخدامه كورقة ردع في مواجهة تهديدات خارج نطاقه الجغرافي المباشر، وبهذا المعنى يتحول المضيق إلى جزء من بنية ردع ممتدة تتجاوز حدوده الفيزيائية، وتندمج في شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية والدولية، وهو ما يمكن وصفه بانتقال الفخ من شكله الثنائي إلى شكله الشبكي، حيث لم يعد الصراع يدور بين طرفين محددين بل بين منظومات متداخلة من المصالح والهويات والتهديدات.

إن هذا التحول يعكس طبيعة النظام الدولي المعاصر الذي يتسم بدرجة عالية من التعقيد، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بالقدرات العسكرية التقليدية، بل بمدى القدرة على التأثير في التدفقات الحيوية، سواء كانت طاقة أو معلومات أو تجارة، وفي هذا الإطار يصبح مضيق هرمز مثالاً نموذجياً على ما يمكن تسميته بالجيواقتصاد العسكري، حيث تتداخل الأدوات الاقتصادية مع الوسائل العسكرية في تشكيل سلوك الفاعلين، ويغدو التحكم في الممرات البحرية وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، وهو ما يعيد تعريف مفهوم السيادة نفسه، إذ لم يعد مقتصراً على السيطرة على الأرض بل امتد ليشمل القدرة على التأثير في الفضاءات المشتركة.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن فخ ثيوسيديدس في مضيق هرمز لا يتمثل في مواجهة مباشرة بين قوتين، بل في دينامية مستمرة من التوتر منخفض الحدة عالي الخطورة، حيث تتراكم الأفعال الصغيرة لتنتج تأثيرات كبيرة، وتصبح إدارة الأزمة أكثر تعقيداً بسبب تعدد الفاعلين وتداخل المصالح، وهو ما يفرض على صانع القرار تبني مقاربات أكثر مرونة تعتمد على إدارة المخاطر بدلاً من محاولة القضاء عليها، غير أن هذه المقاربات تواجه تحديات كبيرة في بيئة يغلب عليها انعدام الثقة، حيث يُفسَّر أي تحرك دفاعي على أنه خطوة هجومية، وهو ما يعزز من حلقة الشك المتبادل ويزيد من احتمالية الوقوع في الفخ.

ومن منظور أعمق، يمكن النظر إلى مضيق هرمز بوصفه مسرحاً لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك في النظام الدولي، حيث تتجسد فيه التحولات من عالم أحادي القطبية إلى عالم أكثر تعددية، ومن حروب تقليدية إلى صراعات هجينة، ومن ردع قائم على التوازن إلى ردع قائم على الغموض، وفي هذا السياق يصبح الفخ الثيوسيديدي ليس مجرد تحذير تاريخي، بل إطاراً تفسيرياً لفهم كيفية تفاعل هذه التحولات مع بعضها البعض، وكيف يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير متوقعة، خاصة في بيئة تتسم بسرعة التغير وارتفاع درجة التعقيد.

إن القراءة الاستراتيجية لمضيق هرمز في ضوء هذا المفهوم تكشف عن حقيقة أساسية مفادها أن الجغرافيا لا تزال تلعب دوراً حاسماً في تشكيل السياسة الدولية، رغم كل ما قيل عن نهاية الجغرافيا في عصر العولمة، بل إن هذه الجغرافيا أصبحت أكثر أهمية في ظل الاعتماد المتزايد على سلاسل الإمداد العالمية، حيث يمكن لنقطة واحدة أن تؤثر في النظام بأكمله، وهو ما يجعل من إدارة هذه النقاط مسألة تتجاوز الحسابات الوطنية لتصبح قضية دولية بامتياز، غير أن هذا الطابع الدولي لا يلغي دور الفاعلين الإقليميين، بل على العكس، يمنحهم أدوات إضافية للتأثير، كما هو الحال في قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة تفاوضية في مواجهة الضغوط الدولية.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم الاستراتيجيات المختلفة للأطراف المعنية بوصفها محاولات لتجنب الوقوع في الفخ دون القدرة على الخروج الكامل منه، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الردع وعدم التصعيد، بينما تحاول إيران تعزيز قدراتها الردعية دون الوصول إلى نقطة اللاعودة، في حين تراقب القوى الأخرى، مثل الصين، الوضع عن كثب نظراً لاعتمادها الكبير على تدفقات الطاقة عبر هذا المضيق، وهو ما يضيف بعداً دولياً إضافياً للصراع، ويجعل من أي تصعيد محتمل قضية ذات تأثير عالمي.

غير أن هذه المحاولات تظل عرضة للفشل في ظل الطبيعة غير الخطية للتفاعلات الدولية، حيث يمكن لعوامل غير متوقعة أن تغير مسار الأحداث بشكل جذري، وهو ما يعيدنا إلى جوهر الفخ الثيوسيديدي، حيث لا تكون الحرب نتيجة حتمية بقدر ما تكون احتمالاً دائماً يتغذى على الخوف وسوء الفهم وتضارب المصالح، وفي مضيق هرمز، تتجسد هذه العوامل في أوضح صورها، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، والاقتصاد مع الأمن، والتكتيك مع الاستراتيجية، لتخلق بيئة شديدة التعقيد يصعب التنبؤ بمآلاتها.

وفي النهاية، يمكن القول إن مضيق هرمز يمثل أكثر من مجرد ممر مائي، بل هو مرآة تعكس التوترات العميقة في النظام الدولي، ومسرحاً تتجسد فيه ديناميات فخ ثيوسيديدس في سياق معاصر يتسم بالتعقيد والتشابك، حيث لا تكون الحرب خياراً سهلاً ولا السلام حالة مستقرة، بل يصبح كلاهما جزءاً من عملية مستمرة من التفاعل والتكيف، وفي هذا السياق، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تجنب الصراع فحسب، بل في إدارة التوتر بطريقة تمنع تحوله إلى مواجهة شاملة، وهو تحدٍ يتطلب فهماً عميقاً لطبيعة الفخ وآلياته، وقدرة على التفكير الاستراتيجي تتجاوز ردود الفعل الآنية إلى بناء رؤى طويلة الأمد قادرة على التعامل مع عالم يتغير بسرعة، وتبقى فيه الجغرافيا، رغم كل شيء، أحد أهم محددات المصير.


رابط دائم: