السيناريوهات المستقبلية للعلاقات الأمريكية-الأوروبية في ظل الحرب الإيرانية
30-3-2026

أحمد صلاح
* مستشار ورئيس المكتب الإعلامي الأسبق بباريس وبروكسل، الهيئة العامة للاستعلامات

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أدركت الولايات المتحدة الأمريكية المخاطر التي تحيط بأمنها على خلفية سيطرة بعض القوى على القارة الأوروبية، وترافق ذلك مع التخلي عن سياسة العزلة التي سبق أن نصح بها جورج واشنطن وأكد عليها في خطاب وداعه عام 1796. جاء ذلك مع إدراك الدول الأوروبية بحقها الطبيعى في الدفاع عن نفسها فرديًا أو جماعيًا لتأمين احتياجاتها، ولذلك فقد اتخذت إجراءات مختلفة بين ما هو اجتماعى واقتصادى لتجنب حالة الضعف التي كانت تعانى منها تلك الدول لمواجهة تحديين، يكمن أولاهما في استنهاض الاقتصاد المنهك بسبب الحرب وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، فيما يكمن الآخر في مواجهة مخاطر المد السوفيتى.

وجاءت خطة مارشال في يونيو 1947 لدول القارة الأوروبية شرقًا وغربًا ودورها الفاعل في تسريع وتيرة عملية التكامل الأوروبى، وهي الخطوة التي شجعتها الولايات المتحدة الأمريكية التي أيدت كذلك الفكرة التي أطلقها روبرت شومان مونيه في مايو 1950 لإنشاء "جماعة الفحم والصلب" للنهوض بست دول أوروبية اقتصاديًا وهي الفكرة التي اعتبرتها واشنطن خطوة جيدة في الاتجاه الصحيح.

ومنذ ذلك الحين تعمل واشنطن على دعم البناء الأوروبى تمهيدًا لدخول العلاقات مع الجانب الأوروبى مرحلة جديدة بتوقيع إتفاقية ماسترخت في أبريل 1990، والتي تؤكد في بندها الخامس على ضرورة ترسيخ الهوية الأوروبية والعلاقات عبر الأطلسى لإعادة توازن العلاقات الأمريكية-الأوروبية وتعريف أُطر العلاقات السياسية والأمنية المشتركة بين الجانبين الأوروبى والأمريكى، مما ساهم في تعزيز العلاقات الأمريكية-الأوروبية ليتعاظم الوزن السياسى والاقتصادي للمنطقتين الأوروبية والأمريكية ليكون حاسمًا على الصعيد الدولى وخاصة فيما يتعلق بتوسيع مساحة التعاون فيما بينهما ليمتد ويشمل مجالات جديدة ومتنوعة، مثل مكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، والطاقة والتنمية المستدامة، ومكافحة الفقر. هذا بالإضافة إلى الجانب العسكرى والمتمثل في تشكيل حلف الناتو عام 1949 وبذلك اكتمل مثلث التعاون عسكريا، وسياسيا، واقتصاديا لتصبح الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مصدر للغاز الطبيعى المسال لأوروبا وأكبر شريك تجارى لها.

مظاهر الاختلاف:

على الرغم من أن العلاقات الأوروبية-الأمريكية ظلت تتمتع بخصوصية وتوافق شديدين ليس فقط في القضايا الثنائية، ولكن أيضا فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية والدولية، إلا أن عودة ترامب للبيت الأبيض في يناير 2025 حملت في طياتها إنهاء تلك الخصوصية وبداية ظهور العديد من مظاهر الاختلاف على النحو التالى:

أولا- إعلان الرئيس ترامب منفردًا، بعيدًا عن الشريك الأوروبى، إنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية وتفاوضه مع الجانب الروسى في غياب القادة الأوروبيين، الأمر الذى مثًل بداية تخلى واشنطن عن حلفائها الأوروبيين وخاصة في ظل المشادة العلنية بين ترامب وزيلنسكى، مما دفع الأوروبيين، في حلف الناتو، لعقد لقاء"تحالف الراغبين"في لندن لدعم زيلنسكى وتأكيد الموقف الأوروبى تجاه كييف. واللافت في الأمر أن هذا الموقف قد تزعمته بريطانيا الحليف التاريخى والاستراتيجى لواشنطن.

ثانيًا- لقد أثر مبدأ "أمريكا أولا" الذى رفعه ترامب منذ عودته للبيت الأبيض في يناير 2025 سلبا على العلاقات عبر الأطلسى، ومطالبته أوروبا بزيادة ميزانية دفاعها عبر حلف الناتو من 2% إلى 5% من صافى الناتج المحلى، وهو ما دفع الأوروبيين للتوافق على ذلك بشكل مرحلى حتى عام 2030، في قمة الحلف بامستردام في يونيو 2025.وترتب على هذا الوضع ظهور دعوات أوروبية لعودة استقلال أوروبا عن واشنطن في مجال الأمن، وبدأت تتشكل قوات عسكرية أوروبية مع رصد ميزانية أمنية تتجاوز 800 مليار يورو.

ثالثًا- إعلان ترامب تقليص ملفات التعاون بين الجانبين الأمريكى والأوروبى ليس فقط بالانسحاب من عدد من المنظمات الدولية، ولكن أيضًا بالانسحاب من اتفاقيات دولية مهمة مثل اتفاقية باريس للمناخ 2015، الأمر الذى أحدث تراجعًا في مساحة التعاون بين الجانبين الأوروبى والأمريكى.

رابعا- تبنى ترامب خطابا تصعيديا تجاه أوروبا متهمًا إياها بأنها تمثل خطرًا على واشنطن، وهو ما دفعه إلى فرض رسوم جمركية عليها، كما وصل الأمر مداه بما أعلنه بشأن السيطرة على جزيرة "جرينلاند" مما دفع الأوروبيين لاتخاذ موقف صارم تجاه ترامب رافضين هذه الخطوة وإعلان إرسال قوات أوروبية إلى هناك هذا بالإضافة إلى الاستقبال الفاتر لترامب في دافوس بسويسرا الامر الذى أكد نهاية ما يسمى بـ"ربيع العلاقات الأمريكية-الأوروبية".

خامسًا- اللغة الخطابية المتعالية التي تبناها ترامب تجاه القادة الأوروبيين، والتي وصلت في بعض المواقف إلى التراشق اللفظى مثلما حدث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، هذا بالإضافة إلى لغة التهديد والوعيد التي تبناها ترامب تجاه كل أوروبى يخالفه الموقف مثلما حدث مع مدريد وخاصة حيال موقفها من التعريفات الجمركية والحرب الإيرانية.

الحرب الإيرانية.. ترسيخ الاختلاف:

على الرغم من تعدد مظاهر الاختلاف والتي تم رصدها، إلا أن الحرب الإيرانية، التي انطلقت في 28 فبراير 2026، جاءت لترسخ الاختلاف والتباعد الأمريكي-الأوروبى وخاصة أنها انطلقت دون مشاورات أو علم للشريك الأوروبى، مما دفع القادة الأوروبيين لأن يؤكدوا "لسنا في حالة حرب" وهو ما أكده الرئيس الفرنسي، هذا فيما أكدت رئيسة وزراء إيطاليا على "لا نريد خوض حرب"، هذا فيما أكد رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر "لن ننضم إلى الضربات الأمريكية-الإسرائيلية"، وبالتالي اتخذ الأوروبيون موقفا مترددا تارة ومحايدًا وحذرًا تارة أخرى في ظل حالة الهشاشة التي ضرب العلاقات عبر الأطلسى، هذا مع العمل على الاكتفاء بحماية الحدود الأوروبية فقط، مما دفع إيطاليا لنشر فرقاطة من أسطولها البحرى في قبرص لضمان أمن حدود الاتحاد الأوروبى في بادرة تضامن أوروبى وكإجراء وقائى مع استخدام بعض القواعد الأوروبية لتنفيذ عمليات دفاعية فقط ضد إيران، إلا أن العواصم الثلاث، باريس، وروما، ولندن، لم تسمح للجيش الأمريكى بشن ضربات من قواعدها، وهو موقف يرسخ التباعد الأمريكى-الأوروبى من جانب، ويمثل توازنًا دقيقًا يبرره القادة الأوروبيون بضرورة احترام إطار التعاون في حلف الناتو لتجنب التورط المباشر في الحرب من جانب آخر.

وفى الواقع يمكن التأكيد على أن عدم مشاورة واشنطن للشركاء الأوروبيين لقرار الحرب، إنما يعد تأصيلا لسياسة أمريكية جديدة تجاه الشركاء الأوروبيين تكمن في التهميش الأمريكى للشركاء الأوروبيين، الأمر الذى باعد بين الموقفين الأمريكى والأوروبى حيث يدعو الأول إلى التصعيد العسكرى واستخدام القوة الخشنة، بينما يتأسس الموقف الأوروبى على ضرورة تغليب الدبلوماسية والحلول السياسية تأسيسا لحقيقة جغرافية مفادها"تمثل إيران جارا جيوسياسى على أطراف أوروبا".

الحرب الإيرانية على أوروبا وتعميق الاختلاف:

جاءت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية لتعمق الاختلاف بين واشنطن والشريك الأوروبى ليس فقط بسبب عدم التشاور المسبق مع أوروبا كشريك استراتيجى، ولكن أيضًا لما تمخض عن هذه الحرب من انعكاسات شديدة السوء وخاصة مع التوترات في مضيق هرمز الذى تمر به20% من حجم التجارة العالمية، وترتب على ذلك ارتفاع في أسعار الطاقة مسجلا قفزات كبيرة في الأسواق العالمية حيث ارتفع سعر الغاز المسال الطبيعى إلى 65 يورو لكل ميجاوات/ساعة وهى زيادة لم يتم تسجيلها منذ يناير 2023، هذا مع ارتفاع أسعار الوقود للمستهلكين من 1.2 يورو نهاية فبراير 2026، إلى 1.574 يورو في الخامس من مارس 2026، كما أن 30% من الأسمدة العالمية تمر عبر المضيق، وترتب على ذلك ارتفاع طن اليوريا في الأسواق إلى 680 يورو للطن مقابل 557 قبل الحرب مسجلا بذلك ارتفاعا يقدر بنسبة 20%. كما حقق سعر الغاز الهولندي قفزات كبيرة في الأسواق بزيادة تقدر بنسبة 50%، هذا في ظل وضع خطر للغاية متمثلا في وصول الاحتياطي الأوروبى من الغاز إلى 30% فقط، هذا بالإضافة إلى اضطراب سلاسل الإمداد على خلفية إغلاق مضيق هرمز قد أثر سلبا على المواطن الأوروبى لما ترتب على ذلك من ارتفاع الأسعار. كما سيؤثر ارتفاع الغاز والمواد الهيدروكربونية أيضا على الاقتصاد الفرنسي الذى قد يشهد تراجعا في معدل النمو يتراوح بين 0.1 و0.2% ويرتفع معدل التضخم ما بين 0.5 و1%.

وفى الواقع فإن تعدد الانعكاسات السلبية على الحرب الإيرانية على المواطن الأوروبى قد أدت هي الأخرى إلى تعميق الاختلاف بين واشنطن وأوروبا على خلفية انعكاسات هذه الحرب بشكل مباشر على المواطن الأوروبى.

السيناريوهات المستقبلية:

تأسيسًا على ما تقدم، وفى ضوء ما تم رصده أعلاه من مظاهر للتباعد بين الجانبين الأمريكى والأوروبى، فيمكن رسم خريطة السيناريوهات المستقبلية بين واشنطن وأوروبا، رغم تعقدها وتشابكها، وذلك على النحو التالى:

السيناريو الأول- استمرار حالة الاختلاف المؤقت أو العابر حتى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى فى نوفمبر 2026، واحتمال سيطرة الديمقراطيين عليه الأمر الذى يُحد من مجال حركة ترامب في ملفات عديدة وفي القلب منها التقارب مع الشريك الأوروبى، وخاصة مع بداية تحول أوروبى نحو الصين وبداية تطور إيجابى في العلاقات مع روسيا وخاصة في ملف الطاقة، وهو السيناريو الأرجح إلى حد كبير.

السيناريو الثاني- تعميق حالة الاختلاف مع إمكانية تهديد الولايات المتحدة بمغادرة حلف الناتو ضمن مساعي مغادرة منظمات وظيفية دولية أخرى متعللة بعدم المساعدة في الحرب الإيرانية، مع توجه أوروبا نحو تشكيل قدراتها الردعية الإقليمية خارج نطاق المظلة الأمريكية. ويعتمد هذا السيناريو على احتمالات ظهور نظام دولي متعدد الأقطاب تكون فيه أوروبا إحدى القوى الدولية الفاعلة. كما يحمل هذا السيناريو في طياته فرضيتين تكمن الأولى في مساعى واشنطن نحو سرعة إنهاء الحرب الأوكرانية بما يناسب الطموحات الروسية والاحتفاظ بمناطق أو أقاليم استراتيجية شرق وجنوب أوكرانيا، مقابل عزل روسيا عن الصين بغية إضعاف الأخيرة في مجريات الصراع على مناطق النفوذ التي تسعى الصين لفرضها بسياساتها الناعمة والتدريجية، هذا فيما تكمن الفرضية الأخرى في تقارب أوروبى نحو بكين وموسكو بدرجات متفاوته.

السيناريو الثالث- التحول الأوروبى لتعزيز مستويات التعاون نحو الصين في مواجهة تقارب إدارة ترامب مع روسيا على حساب أوروبا وأمنها القومي، مقابل تحقيق تعاون أوروبي – صيني في مواقع جيوبولتيكية الصراعات الدولية، مثل أوكرانيا، والشرق الأوسط، وشرق آسيا فضلا عن المحيط الهادى.

ختامًا يمكن التأكيد على أن تحقيق أي من السيناريوهات سالفة الذكر إنما يعتمد على عدد من المؤشرات؛ في القلب منها أمد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، فكلما زاد أمدها كلما تآكلت أواصر العلاقات التاريخية بين الشريكين الأمريكي والأوروبى، هذا بالإضافة إلى مدى التقارب الأوروبى من موسكو وبكين، كما لا يمكن إغفال رد الفعل الأمريكي تجاه هذا التقارب والذى من الممكن أن يؤدى إلى مراجعة في علاقاته مع الشريك الأوروبى. ولكن في واقع الأمر، وبغض النظر عن المواقف الأمريكية، أو الروسية، أو الصينية، فمن الصعب عودة العلاقات الأمريكية-الأوروبية إلى ما قبل عودة ترامب للبيت الأبيض في 20 يناير 2025.


رابط دائم: