مصر ترسم خرائط الاتزان في زمن العاصفة
25-3-2026

أمانى القصاص
* مساعد رئيس تحرير الأهرام

فى لحظاتٍ يختلط فيها صخب المدافع بنداءات العقل، وتعلو رائحة البارود فوق خرائط الإقليم، لا تعود السياسة رفاهية ولا الزيارات بروتوكولًا عابرًا، بل تصبح فعل نجاة مكتوبًا بحبر القلق ومسؤولية التاريخ. هناك، عند حافة الاشتعال، تتحرك الدول التي تعرف وزنها جيدًا، وتدرك أن كل خطوة قد تغيّر مصيرًا، وكل صمت قد يفتح بابًا للفوضى. في هذا السياق، جاءت زيارة الرئيس المصري إلى الخليج، لا كتحرك عادي، بل كإشارة وعيٍ في زمن الاندفاع، وكأن مصر تقول بهدوءها المعتاد نحن هنا لنمنع الانهيار لا لنشارك فيه.

المنطقة اليوم ليست فقط على صفيح ساخن، بل داخل معادلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحروب المباشرة مع الصراعات غير المعلنة، وتتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع حسابات الإقليم. ومع اتساع رقعة التوتر، لم يعد السؤال من ينتصر، بل من ينجو دون أن يخسر نفسه. وهنا تحديدًا، تظهر قيمة التحرك المصري، الذي ينطلق من إدراك عميق بأن الانجرار إلى حرب لم تُختر، هو خسارة مؤكدة مهما كانت نتائجها.

زيارة الرئيس إلى دول الخليج في هذا التوقيت تحمل دلالات تتجاوز ظاهرها السياسي. فهي أولًا إعادة تأكيد على أن العمق العربي لا يزال ممكنًا، وأن لحظة الخطر تستدعي استدعاء المعنى قبل المصالح. فالعلاقة بين مصر والخليج لم تكن يومًا مجرد أرقام واستثمارات، بل شبكة أمان ممتدة، يتداخل فيها الأمن بالاقتصاد، والمصير بالجغرافيا. وفي زمن الحرب، تتحول هذه الشبكة من خيار إلى ضرورة.

أحد أبرز ما تكشفه هذه الزيارة هو إعادة تفعيل التنسيق الاستراتيجي العربي في مواجهة حالة السيولة التي تضرب الإقليم. فبينما تتجه أطراف عديدة نحو التصعيد، اختارت مصر أن تعيد تثبيت فكرة التوازن، لا باعتبارها موقفًا حياديًا، بل كخيار واعٍ يحمي الداخل من الانهيار، ويحافظ على القدرة على التأثير دون الوقوع في فخ الاشتباك المباشر. هذا النوع من السياسة لا يراهن على اللحظة، بل على ما بعدها.

في خلفية المشهد، تتصاعد أحداث كبرى، من عمليات عسكرية تتسع جغرافيًا، إلى تهديدات مفتوحة بتوسيع نطاق الحرب، مرورًا باضطراب أسواق الطاقة، وارتباك خطوط التجارة العالمية. كل حدث من هذه الأحداث لا يقف عند حدوده، بل يترك أثره الممتد على الإقليم كله. وهنا، يمكن قراءة التحرك المصري كجزء من محاولة لاحتواء هذه التداعيات، عبر بناء مسارات بديلة تقلل من حجم الخسائر، وتمنع انتقال الفوضى إلى الداخل العربي.

اقتصاديًا، لا يمكن فصل الزيارة عن إدراك مصري متزايد بأن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في الأسواق أيضًا. فالتوترات تضغط على العملة، وتربك سلاسل الإمداد، وتعيد تشكيل خريطة الاستثمارات. في هذا السياق، يصبح التنسيق مع دول الخليج، بما تملكه من ثقل اقتصادي وموارد طاقة، خطوة ضرورية لإعادة ضبط الإيقاع، وتوفير مظلة دعم قادرة على امتصاص الصدمات. ليس فقط لإنقاذ الحاضر، بل لضمان ألا يتحول المستقبل إلى عبء.

أما سياسيًا، فالدلالة الأعمق للزيارة تكمن في الرسالة التي تحملها، وهي أن مصر لا تنحاز إلى الحرب، بل إلى استقرار الإقليم. لا تبحث عن دور في الصراع، بل عن دور في منع توسعه. هذه ليست لغة تراجع، بل تعبير عن فهم مختلف للقوة، قوة تعرف متى تتدخل، ومتى تكتفي بأن تكون نقطة توازن تمنع الانفجار.
اللافت أيضًا أن توقيت الزيارة جاء في ذروة التصعيد، وكأنها محاولة واعية لقطع الطريق على احتمالات الانزلاق الجماعي نحو مواجهة أوسع. هذا التوقيت يمنح التحرك المصري بعدًا وقائيًا، يهدف إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، حتى في أكثر اللحظات توترًا. فالحروب تبدأ حين تُغلق الأبواب، وتنتهي حين يجد أحدهم شجاعة فتحها من جديد.

وفي عمق هذا المشهد، يمكن قراءة محاولة مصرية لرسم خريطة إقليمية مختلفة، لا تقوم على محاور الصدام، بل على توازنات مرنة، تسمح لكل طرف بالحفاظ على مصالحه دون أن يدفع المنطقة إلى حافة الانهيار. هذه الخريطة لا تُرسم في يوم، لكنها تبدأ بخطوة، وربما كانت هذه الزيارة إحدى أهم هذه الخطوات.
ورغم كل التعقيدات، يظل الرهان الحقيقي على قدرة هذا النهج على الصمود. فالإقليم لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات، والتحديات تتجاوز حدود السياسة إلى عمق المجتمعات. ومع ذلك، فإن الحفاظ على خط ثابت من الاتزان، وسط هذا الاضطراب، هو في حد ذاته إنجاز، وربما يكون هو الفارق بين دولة تنجرف، وأخرى تنجو وتُبقي الباب مفتوحًا للآخرين.

في النهاية، لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن سياق أوسع، تحاول فيه مصر أن تعيد تعريف دورها، ليس كطرف في الصراع، بل كحارس لتوازن هش، يعرف أن سقوطه يعني سقوط الجميع. وبين ضجيج الحرب، يبقى الصوت الهادئ أحيانًا هو الأكثر تأثيرًا، لأنه لا يضيف نارًا، بل يحاول أن يطفئها.

في زمنٍ تتكلم فيه المدافع بصوت أعلى من الحكمة، اختارت مصر أن تهمس بما يشبه النجاة. تمضي فوق خيط النار، لا لأنها لا تخشى السقوط، بل لأنها تعرف أن البقاء يتطلب شجاعة مختلفة. لا تنجر إلى حرب لم تختَرها، ولا تنسحب من دور يفرضه عليها موقعها وتاريخها. وبين الاشتعال والاتزان، تكتب مصر سطرها الخاص في كتاب إقليمٍ مرتبك، سطرًا يقول إن القوة ليست دائمًا في الاشتباك، بل أحيانًا في القدرة على تجنبه دون أن تفقد حضورك.


رابط دائم: