البحر الأحمر…حين تصبح الكابلات خرائط قوة
25-3-2026

د. خالد وليد محمود
* باحث متخصص في السياسة السيبرانية

يعتمد العالم المعاصر على بنية تحتية غير مرئية تمتد في أعماق البحار أكثر مما تمتد على سطح اليابسة. فهناك اليوم ما يزيد على 550 نظام كابل بحري نشط، بطول يتجاوز 1.2 مليون كيلومتر، تنقل عبرها أكثر من 95% من حركة البيانات الدولية، وتُدار من خلالها معاملات مالية تُقدّر بنحو 10 تريليونات دولار يومياً. هذه الكابلات، التي لا يتجاوز قطر الواحد منها بوصتين، أصبحت الشريان الحقيقي للاقتصاد الرقمي العالمي، بفضل قدرتها على نقل “تيرابيتات” من البيانات بزمن انتقال منخفض، ما يجعلها الخيار الحاسم للحوسبة السحابية، والتداول عالي التردد، والبث المباشر، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي مقابل ذلك، تبقى الأقمار الصناعية—على أهميتها—محدودة التأثير في حركة البيانات العابرة للقارات، بسبب ارتفاع زمن التأخير وانخفاض السعة النسبية.

ضمن هذه الخريطة البنيوية، يبرز البحر الأحمر بوصفه أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه عقدة مركزية في جغرافيا البيانات العالمية. فالمسار الذي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس جعل من مصر، لعقود، نقطة ارتكاز رئيسية لعبور البيانات، بما وفر لها عوائد اقتصادية مباشرة ونفوذاً تنظيمياً وأمنياً مرتبطاً بإدارة نقاط الإنزال ومسارات العبور. غير أن الأعطال التي طالت بعض الكابلات في السنوات الأخيرة، بالتوازي مع تصاعد التوترات الأمنية في محيط البحر الأحمر، كشفت حدود هذا النموذج القائم على الاعتماد المكثف على مسارات جغرافية ضيقة. صحيح أن نحو 70% من الأعطال تعود إلى أنشطة بشرية عرضية كالصيد وإلقاء المراسي، لكن أثرها يتجاوز نطاقها المحلي ليطال تدفقات البيانات عبر قارات بأكملها، ما أعاد تعريف “المرونة الشبكية” بوصفها مسألة أمن قومي، لا مجرد اعتبار تقني.

في هذا السياق، يمكن قراءة المشروع السعودي–المصري الذي يربط ضباء بشرم الشيخ باعتباره تحوّلاً في هندسة العبور داخل البحر الأحمر، لا مجرد إضافة سعة نقل جديدة. فإدخال نقطة إنزال استراتيجية جديدة يعني عملياً إعادة توزيع الوزن النسبي داخل الممر الرقمي بين آسيا وأوروبا. الدولة التي تستضيف مساراً مباشراً لا تكتسب فقط قدرة تشغيلية أعلى، بل موقعاً تفاوضياً داخل منظومة العبور ذاتها: جذب مراكز البيانات، توقيع عقود سعات طويلة الأجل، والتعامل مع شركات التكنولوجيا الكبرى من موقع الشريك لا المستخدم. وبهذا المعنى، يمثّل الكابل انتقالاً في تموضع السعودية من هامش الشبكة إلى أحد مفاصلها.

وتتبلور هذه الديناميكية بصورة أوضح مع دخول الأردن عبر مشروع “Coral Bridge”، الذي يربط العقبة بمصر، ممهداً لظهور بنية ثلاثية (مصر–السعودية–الأردن) بدلاً من الاعتماد شبه الأحادي على عقدة واحدة. هذه الهندسة الجديدة لا تعني فقط توزيعاً أفضل للمخاطر وتقليص احتمالات الاختناق، بل توسيع دائرة الفاعلين المؤثرين في تدفقات البيانات العابرة. فكل نقطة إنزال إضافية تخلق هامشاً سيادياً، وكل مسار بديل يقلّص من احتمالات الضغط أو التعطيل في لحظات التوتر.

على المستوى الإقليمي، يدفع هذا التحول المنطقة العربية إلى قلب المنافسة على عقدة العبور الرقمية في شرق المتوسط والبحر الأحمر. ففي الوقت الذي سعت فيه إسرائيل إلى ترسيخ موقعها كبوابة رقمية عبر مشاريع مثل Blue Raman وCenturion، يأتي تنويع المسارات العربية ليحدّ من احتمالية تمركز العبور في نقطة واحدة. لا يعني ذلك إقصاءً كاملاً لأي طرف، بقدر ما يعكس انتقالاً نحو تعددية المسارات وتراجع مركزية العقدة المنفردة. ومع اتساع البدائل، يتآكل منطق الاحتكار، وتزداد قدرة الفاعلين الآخرين على إعادة صياغة شروط العبور.

ومع ذلك، فإن مدّ الكابلات بحد ذاته لا يكفي لبناء قوة سيادية في الفضاء الرقمي. فالقيمة الاستراتيجية الحقيقية تتحدد بما يُبنى حول هذه الكابلات: مراكز بيانات، شبكات برية مكملة، أطر تنظيمية فعّالة، وبيئة استثمارية مستقرة. في حال تكامل هذه العناصر، قد يتحول البحر الأحمر إلى ممر رقمي يحمل طابعاً سيادياً عربياً جزئياً، قادراً على استقطاب حركة البيانات الإقليمية وتقديم نفسه كبديل موثوق بين آسيا وأوروبا. أما في غياب هذا التكامل، فستظل هذه المشاريع أجزاءً من شبكة عالمية أوسع تتحكم فيها تحالفات دولية وشركات عابرة للقارات.

خلاصة القول، لم تعد الكابلات البحرية مجرد بنية تحتية تقنية، بل تحولت إلى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي. فالدول التي تقع على مفاصل العبور-مثل مصر التي يمر عبرها أكثر من ستة عشر كابلاً رئيسياً- تمتلك وزناً جيو-رقمياً يتجاوز في أهميته كثيراً ما تعكسه سياساتها الاستثمارية أو أطرها التنظيمية الحالية. وبينما تحمل هذه الكابلات نبض الاقتصاد العالمي لحظة بلحظة، فإن هشاشتها البنيوية وغياب إطار دولي ملزم لحمايتها يجعلانها واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في النظام العالمي المعاصر.

في النهاية، لا يُعاد تشكيل النظام الدولي فقط فوق الخرائط، بل في الأعماق التي لا تُرى. فالكابلات التي تمتد بصمت تحت البحار لم تعد مجرد وسائل نقل للبيانات، بل خطوط تماس جديدة تُرسم عليها خرائط النفوذ والاعتماد والتبعية. ومع تسارع الاقتصاد الرقمي، سيغدو السؤال الحاسم ليس من يمتلك المعلومة، بل من يملك الطريق الذي تمرّ عبره. وفي هذه المعادلة، قد لا تكون السيطرة الكاملة ممكنة، لكن القدرة على التأثير في مسارات العبور ستصبح شكلاً جديداً من أشكال السيادة. وهنا تحديداً، يتحدد موقع الدول: إما عقدة في الشبكة تُصاغ عندها القرارات، أو مجرد ممر تعبره البيانات دون أن تترك فيه أثراً!


رابط دائم: