منذ أواخر 2023، برزت مخاطر متصاعدة على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، لا سيما في محيط مضيق باب المندب، مما دفع العديد من شركات الشحن إلى تعديل طرق مرور بعض السفن أو تأجيلها لتفادي المخاطر. وتشير تقارير دولية، مثل UNCTAD(2024) والمنظمة البحرية الدولية (IMO)، إلى أن حركة بعض فئات السفن شهدت انخفاضات ملحوظة خلال فترات ذروة التوتر مقارنة بالمستويات السابقة للأزمة، مع تراجع أكبر في حركة سفن الحاويات، نظرا لحساسية الجدول الزمني والتكلفة. ويمكن قراءة هذه الانخفاضات كمؤشر على هشاشة سلاسل الإمداد العالمية واعتمادها الكبير على نقاط عبور محددة، مما يجعل البحر الأحمر من أكثر المناطق عرضة للمخاطر الجيوسياسية على الصعيد الدولي.
وعلى المستوى الطاقوي، يحتل البحر الأحمر موقعًا محوريًا في نقل النفط والغاز من الخليج إلى أوروبا والأسواق العالمية، حيث تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط البحري عبر مضيق باب المندب وقناة السويس. وأي اضطراب في هذا المسار يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وزيادة عدم اليقين في الأسواق، بما ينعكس على أسعار الطاقة وسلاسل التوريد الدولية. كما أن ارتباطه بشبكات الملاحة الممتدة بين الشرق الأوسط وشرق إفريقيا وأوروبا يمنحه وظيفة مزدوجة تجمع بين الأبعاد التجارية، واللوجستية، والاستراتيجية ضمن منظومة مترابطة يصعب فصل مكوناتها.
لا تقتصر أهمية البحر الأحمر على البعد المادي للتجارة والطاقة، بل تمتد لتشمل البنية التحتية الرقمية العالمية، إذ يمر عبره عدد من الكابلات البحرية الأساسية لنقل البيانات بين أوروبا، وآسيا، وإفريقيا. وقد أظهرت عدة تقارير إخبارية وشهادات فنية أن انقطاع أو تضرر هذه الكابلات تحت البحر الأحمر يؤدي إلى اضطرابات ملحوظة في خدمات الإنترنت والاتصالات الرقمية في مناطق واسعة من آسيا والشرق الأوسط، بما في ذلك زيادة زمن الاستجابة وتباطؤ الشبكات، وهو ما يظهر الحساسية العالية لهذه البنى التحتية وتأثيرها المباشر على تدفق المعلومات والاتصال العالمي، وليس فقط على تدفقات السلع والطاقة.
ويرتبط هذا البعد الرقمي بحساسية جيوسياسية إضافية، إذ إن أي تهديد للبنية التحتية للكابلات البحرية في البحر الأحمر قد يؤثر على الاتصال بين القارات ويضاعف التعقيدات التي يواجهها النظام التجاري والرقمي العالمي. ومن ثم يمكن فهم البحر الأحمر باعتباره عقدة استراتيجية تتقاطع فيها اعتبارات الجغرافيا مع الاقتصاد السياسي والتكنولوجيا، حيث تتداخل عوامل تقليل الزمن والتكلفة في التجارة عبر قناة السويس، وتركيز تدفقات الطاقة في ممر ضيق، وارتباطه بالبنية الرقمية العابرة للقارات، في منظومة مترابطة يصعب فصل مكوناتها. اكتسب البحر الأحمر بعدًا إضافيًا يتجاوز وظيفته التجارية التقليدية، نتيجة تصاعد المخاطر والاضطرابات الأمنية في الممرات البحرية الحيوية خلال الفترة الممتدة من أواخر 2023 حتى 2026، خاصة في ظل النزاعات الممتدة في منطقة الشرق الأوسط التي أثرت على حركة الشحن والطاقة. مع تدهور الوضع الأمني في الخليج وارتفاع التوتر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتحالفات إقليمية ودولية، أصبح البحر الأحمر ومضيق باب المندب جزءًا من شبكة أوسع من المخاطر الاستراتيجية التي تربط بين الخليج وشرق البحر المتوسط ‒وهو ما يمكن وصفه بـِ "حزام احتكاك استراتيجي". في السنوات الأخيرة ارتفعت مستويات المخاطر المرتبطة بأمن الملاحة التجارية في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، في ظل تزايد الهجمات غير التقليدية وتأثيراتها على تدفقات الشحن العالمية، مما انعكس في ارتفاع تكلفة التأمين البحري وتوسع الاعتماد على مسارات التفاف أطول في بعض الحالات، خاصة مع توترات مرتبطة بالصراع الدائر في المنطقة، والتي أثّرت أيضًا على مضيق هرمز. وتشير تقارير رسمية، مثل دعوة International Maritime Organizationلإنشاء ممرات آمنة في الخليج، إلى حجم التحديات التي تواجه الملاحة الدولية في هذه المرحلة.
وقد رافق هذا الواقع توسع في جهود الحماية البحرية متعددة الجنسيات، مع مشاركة قوات من الولايات المتحدة ودول أخرى في ترتيبات دفاعية تهدف إلى حماية السفن التجارية من المخاطر البحرية المحتملة في المنطقة. يعكس هذا التحول تغيرًا في آليات إدارة المخاطر بدلًا من الاعتماد على الأمن التقليدي الكامل، إذ تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التوازنات الاستراتيجية الأوسع الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، مما يعزز من مركزية هذا الممر ليس فقط كممر تجاري، بل كعنصر فعال في بنية التنافس الدولي والإقليمي.
بالتالي تظهر أهميّة البحر الأحمر في عام 2026، كنقطة تماس ضمن شبكة من العلاقات الجيوسياسية المتشابكة، حيث تتقاطع الاعتبارات الاقتصادية، والأمنية، والتكنولوجية ضمن سياق أوسع من المنافسات الدولية، مما يجعل استقرار الملاحة في هذا الفضاء عنصرًا حيويًا ليس فقط للاقتصاد العالمي، بل أيضًا للأمن الإقليمي والدولي.
ثانيًا- تصاعد التنافس الدولي والإقليمي على النفوذ:
أدى اضطراب الملاحة في البحر الأحمر منذ أواخر 2023، إلى تأثيرات ملموسة على التجارة العالمية، إذ أظهر أن حركة المرور عبر قناة السويس شهدت انخفاضات ملحوظة في أوقات ذروة التوتر خلال 2024، مقارنة بالفترات السابقة، مع تحول جزء من حركة الشحن إلى مسارات أطول عبر رأس الرجاء الصالح، مما زاد من زمن الرحلات بنحو 12–15 يومًا وزاد من تكاليف التشغيل والتأمين في بعض الفترات. وتشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) إلى أن البحر الأحمر يندرج ضمن نقاط الاختناق البحرية الأكثر حساسية في النظام التجاري، حيث لا يقتصر تأثير اضطرابات الملاحة فيه على الإقليم فحسب، بل يمتد ليطال البنية الكلية للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد. وقد أدت هذه التحولات إلى إعادة تقييم أمن سلاسل التوريد، خاصة في القطاعات الصناعية المرتبطة بنموذج "الإنتاج في الوقت المحدد"، مما يعكس عمق تأثير هذه الاضطرابات على أنماط التجارة العالمية.
على المستوى العسكري شهد البحر الأحمر وخليج عدن تكثيفا في العمليات الأمنية متعددة الأطراف في أعقاب تصاعد الهجمات على الملاحة منذ أواخر 2023، مما دفع الولايات المتحدة إلى إعلان تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات تهدف إلى حماية حرية الملاحة والتجارة البحرية في المنطقة. وقد أعلن البنتاجون في ديسمبر 2023، إطلاق ما يُعرف باسم تحالف "حارس الازدهار"، بمشاركة دول عدة، من أجل تعزيز الأمن البحري في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن في مواجهة التهديدات غير التقليدية على السفن التجارية. وتعمل هذه الجهود ضمن إطار القوة البحرية المشتركة 153 (CTF153)، التي تضم سفنا من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وعدد من الدول الأخرى، بهدف مراقبة وتأمين خطوط الشحن الممتدة من باب المندب إلى شمال البحر الأحمر، وهو ما يعكس توجها نحو إدارة أمنية متعددة الأطراف بدل الاعتماد على آليات أُحادية فقط.
في المقابل اتخذت الصين مسارا مختلفا يرتكز على تعزيز حضورها البحري والاقتصادي في المنطقة، وذلك عبر قاعدة عسكرية دائمة في جيبوتي منذ عام 2017، والتي تمثل أول وجود عسكري بحري صيني دائم في الخارج، وتُستخدم كمنصة استراتيجية لحماية مصالحها التجارية. وخاصة خطوط الإمداد البحرية ضمن مبادرة الحزام والطريق. وتشير الدراسات والتحليلات إلى أن هذا التمركز يتيح لبكين نفوذا بعيدا عن نمط الانتشار العسكري التقليدي، حيث تربط بين الوجود الأمني والإطار الاقتصادي والتجاري للممرات البحرية الحيوية.
أما في الجانب الروسي، فقد برزت تحركات روسيا الهادفة إلى إنشاء موطئ قدم بحري في بورتسودان في السودان، في إطار سعي موسكو لتعزيز حضورها في البحر الأحمر وإفريقيا، وذلك عبر اتفاق مبدئي يسمح بإنشاء قاعدة بحرية روسية لفترة طويلة، رغم أن عدم الاستقرار السياسي والأمني في السودان حال دون تفعيل هذا المشروع بشكل كامل حتى الآن. وفي موازاة ذلك اعتمدت موسكو على أدوات بديلة لتعزيز نفوذها الإقليمي، من بينها توظيف شركات عسكرية شبه نظامية مثل Africa Corps، إلى جانب توسيع صفقات السلاح والتعاون العسكري مع عدد من دول المنطقة.
إقليميًا توسعت المملكة العربية السعودية في استثماراتها على ساحل البحر الأحمر عبر تطوير موانئ استراتيجية، مثل ميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع التجاري ضمن رؤية 2030، بهدف تعزيز الربط بين شبكات التجارة العالمية وتحسين البنية التحتية اللوجستية. وفي السياق ذاته تشهد منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي تناميًا في الاستثمارات المرتبطة بالموانئ والبنية التحتية اللوجستية من قبل فاعلين إقليميين ودوليين، في إطار تنافس متزايد على التحكم في مسارات التجارة البحرية.
وفي دول القرن الإفريقي، مثل الصومال، وإريتريا، والسودان، تحولت الموانئ إلى بؤر جذب للتنافس الدولي والإقليمي، حيث تسعى جهات مختلفة إلى الاستثمار في البنية التحتية أو تأمين قواعد وحضور استراتيجي. ويعكس هذا التداخل بين القوى الدولية والإقليمية تحولا في معايير النفوذ في البحر الأحمر، بما لا يقتصر على السيطرة العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى التحكم في الموانئ والبنى التحتية اللوجستية وسلاسل الإمداد -مما يجعل البحر الأحمر نظاما جيوسياسي مركبا تتقاطع فيه الاعتبارات الاستراتيجية، والتجارية، والاقتصادية بشكل شديد الحساسية.
ثالثًا- البحر الأحمر كساحة صراع غير مباشر وتحديات الأمن الإقليمي:
شهد البحر الأحمر منذ عام 2023 انتقالًا واضحًا من كونه ممرًا تجاريًا بالغ الأهمية إلى فضاء صراع غير مباشر متعدد المستويات، حيث تداخلت العمليات العسكرية المحدودة مع أنماط من الهجمات غير المتناظرة التي استهدفت الملاحة التجارية. وخلال عام 2024، ارتفعت معدلات استهداف السفن في محيط باب المندب بصورة غير مسبوقة منذ عقود، مع تسجيل عشرات الحوادث المرتبطة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، الأمر الذي أدى إلى اضطراب واسع في حركة الشحن البحري. هذا النمط من التهديدات دفع شركات الشحن العالمية إلى تقليص المرور عبر البحر الأحمر بنسب كبيرة في بعض الفترات، الأسطول التجاري المقرر عبوره، وهو ما يعكس حجم التأثير المباشر لهذه الهجمات على استقرار الممر.
وفي هذا السياق، تحولت منطقة البحر الأحمر إلى مجال اشتباك غير مباشر بين أطراف إقليمية ودولية، حيث ارتبطت الهجمات على الملاحة بتطورات أوسع في بيئة الصراع الممتدة من الشرق الأوسط إلى القرن الإفريقي. وقد أسهم التفاعل بين الفاعلين المسلحين غير الدوليين وأنماط الدعم الخارجي غير المباشر لبعض الأطراف في تعقيد المشهد الأمني، بحيث لم يعد من الممكن فصل أمن البحر الأحمر عن ديناميات الصراع في اليمن، والسودان، ودول القرن الإفريقي. هذا الترابط البنيوي أعاد تعريف الممر البحري بوصفه جزءًا من منظومة صراعات ممتدة، تتجاوز حدود الإقليم المباشر إلى نطاقات أوسع من التنافس الجيوسياسي.
وقد جاءت الاستجابة الدولية لهذه التطورات في شكل عمليات عسكرية متعددة الأطراف، حيث نفذت الولايات المتحدة وبريطانيا خلال عام 2024، ضربات جوية وبحرية محدودة استهدفت مواقع مرتبطة بتهديد الملاحة، بالتوازي مع تعزيز الوجود البحري ضمن مهام حماية السفن التجارية. كما جرى توسيع نطاق عمل قوات التحالف البحري المشترك، مع زيادة الاعتماد على أنظمة الرصد والاستخبارات البحرية لمتابعة التهديدات في الزمن الفعلى، وهو ما يعكس انتقال إدارة الممر من منطق الحماية التقليدية إلى نمط أكثر تعقيدًا قائم على الاستجابة السريعة للمخاطر المتغيرة.
في المقابل انعكس هذا التصعيد بشكل مباشر على استقرار الدول المطلة على البحر الأحمر، حيث واجهت مصر ضغوطًا اقتصادية نتيجة تراجع إيرادات قناة السويس، بينما تعرضت السعودية واليمن لضغوط أمنية مرتبطة بامتداد التهديدات إلى سواحلها. كما تأثرت دول، مثل السودان، والصومال، وإريتريا، حيث تداخلت الأزمات الداخلية مع تنافس القوى الخارجية، مما أدى إلى تراجع قدرة هذه الدول على فرض سيطرة كاملة على سواحلها وموانئها، وأدخلها في معادلات نفوذ تتجاوز قدراتها المؤسسية.
وتزامن ذلك مع توسع استخدام التكنولوجيا العسكرية منخفضة التكلفة في المجال البحري، مثل الطائرات المسيّرة، والصواريخ قصيرة المدى، والزوارق غير المأهولة، وهو ما أعاد تشكيل طبيعة التهديدات البحرية التقليدية. هذا التحول أضعف فعالية أنماط الردع الكلاسيكية، وجعل تأمين البحر الأحمر أكثر تعقيدًا، نظرًا لأن التهديد لم يعد مرتبطًا بقدرات دول نظامية فقط، بل بفاعلين مرنين قادرين على العمل خارج الأطر التقليدية للردع والسيطرة.
وعلى المستوى الاقتصادي، أظهرت بيانات الملاحة البحرية خلال عام 2024، ارتفاعًا ملحوظًا في تكاليف التأمين على السفن العابرة للبحر الأحمر، حيث ارتفعت أقساط التأمين ضد المخاطر الحربية بشكل حاد، وهو ما انعكس مباشرة على تكلفة الشحن العالمية. كما أدت إعادة توجيه مسارات التجارة إلى زيادة الضغط على الموانئ البديلة، خاصة في جنوب إفريقيا وبعض الموانئ الآسيوية، مما خلق اختناقات جديدة داخل سلاسل الإمداد الدولية، وأعاد توزيع مراكز الثقل اللوجستي بشكل مؤقت.
وفي هذا الإطار برزت مقاربة الأمن البحري الجماعي كآلية لإدارة الأزمة، لكنها لم تصل إلى مستوى إنتاج نموذج استقرار دائم. فقد أدى تعدد القوى العسكرية الدولية والإقليمية في البحر الأحمر إلى خلق نمط من "الأمن المتداخل"، بدلًا من نظام أمني موحد، حيث تتعايش عمليات الحماية مع احتمالات التصعيد دون القدرة على معالجة الجذور البنيوية للصراع. ومن ثم تحول البحر الأحمر إلى فضاء لإدارة الأزمات المستمرة، أكثر من كونه بيئة مستقرة يمكن ضبطها بشكل كامل.
ومع دخول عام 2026، تزامن تصاعد التوتر في البحر الأحمر مع تطورات عسكرية واسعة في الخليج العربي ومضيق هرمز، خاصة في ظل المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهو ما انعكس مباشرة على أنماط الملاحة البحرية في الإقليمين. فقد أظهرت بيانات بحرية خلال مارس 2026 توقفًا شبه كامل لحركة السفن في مضيق هرمز الذي يمر عبره 11% من التجارة العالمية وثلث النفط المنقول بحرًا خلال فترات متقطعة، نتيجة سلسلة من الهجمات على ناقلات النفط وارتفاع مستوى التهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مما دفع شركات الشحن إلى إعادة توجيه جزء كبير من تدفقات الطاقة العالمية نحو مسارات بديلة تمر عبر المحيط الهندي ثم البحر الأحمر وصولًا إلى قناة السويس، أو نحو رأس الرجاء الصالح بشكل مباشر.
وقد ارتبط هذا التحول بارتفاع حاد في تكاليف التأمين البحري داخل منطقتي الخليج والبحر الأحمر على حد سواء، حيث تضاعفت أقساط التأمين ضد المخاطر الحربية عدة مرات خلال فترة قصيرة، نتيجة اتساع نطاق التهديد ليشمل مضيق هرمز وباب المندب في آن واحد. وتعكس مؤشرات سوق التأمين البحري في لندن خلال مطلع عام 2026، ارتفاعًا في تقييم المخاطر وإعادة تسعير أقساط التأمين ضد المخاطر الحربية مع ارتفاع تكلفة التأمين على السفن العابرة للممرات الاستراتيجية.
شكل رقم (2)
بحار مضطربة.. أسعار شحن الحاويات ترتفع وتتقلب وسط الاضطرابات
هذا الترابط بين المضيقين أفرز حالة من "الضغط المزدوج" على أمن الملاحة في الشرق الأوسط، حيث أصبح البحر الأحمر يتأثر مباشرة بأي اضطراب في مضيق هرمز، والعكس صحيح، من خلال إعادة توزيع الأساطيل البحرية الدولية ورفع مستوى الانتشار العسكري في الاتجاهين. وقد تزامنت عمليات الانتشار الأمريكية والأوروبية في الخليج مع تعزيز الوجود البحري في البحر الأحمر وخليج عدن، بهدف تأمين مسارات الطاقة البديلة التي أصبحت الأسواق العالمية تعتمد عليها في ظل اضطراب الإمدادات القادمة من الخليج.
وفي ضوء ذلك لم يعد من الممكن التعامل مع البحر الأحمر بمعزل عن ديناميات مضيق هرمز، إذ أصبح الممران يشكلان نظامًا مترابطًا لأمن الطاقة العالمي، تتداخل فيه اعتبارات الردع العسكري مع ضرورات استمرارية التدفقات الاقتصادية. هذا التشابك يعكس تحولًا أعمق في طبيعة الجغرافيا الاستراتيجية، حيث تتكامل الممرات البحرية ضمن شبكة واحدة من الاعتماد المتبادل عالي الحساسية.
وعليه يظهر البحر الأحمر بوصفه ساحة صراع غير مباشر تتقاطع فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع التهديدات غير التقليدية والتنافس الدولي والإقليمي، في إطار يعكس هشاشة متزايدة في بنية الأمن الإقليمي.
ختامًا، لم يعد البحر الأحمر كبوابة تجارة عالمية، وإنما تحول إلى فضاء صراع يُدار اقتصاديًا. تُظهر التحولات المتراكمة في بنية البحر الأحمر أنه لم يعد مجرد ممر بحري وظيفي ضمن شبكة التجارة العالمية، بل تحوّل إلى مكوّن أساسي في هندسة الأمن الدولي في مرحلته الراهنة، حيث تتقاطع اعتبارات الاقتصاد السياسي مع منطق الردع العسكري وإدارة المخاطر الجيوسياسية. فقد أسهمت التطورات الممتدة منذ العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين في إعادة تعريف هذا الفضاء بوصفه نظامًا مترابطًا للأمن البحري، يتأثر بشكل مباشر بتوازنات القوى في الشرق الأوسط، ولا سيما التفاعلات الممتدة بين إيران، والولايات المتحدة، وإسرائيل، فضلًا عن ارتباطه البنيوي بمضيق هرمز باعتباره امتدادًا وظيفيًا لمنظومة أمن الطاقة العالمي.
وفي هذا الإطار لم تعد إدارة البحر الأحمر تقوم على منطق السيطرة أو الهيمنة المباشرة، بل انتقلت إلى نمط أكثر تعقيدًا يقوم على "إدارة عدم الاستقرار"، حيث تتعايش عمليات الحماية العسكرية مع استمرار مستويات مرتفعة من المخاطر غير المتماثلة. هذا التحول يعكس انتقالًا أوسع في طبيعة النظام الدولي، من نموذج الأمن المستقر إلى نموذج الأمن الهجين، الذي يجمع بين الردع والاحتواء والتكيّف مع تهديدات غير خطية يصعب إخضاعها بشكل كامل. كما أن تزايد الترابط بين البحر الأحمر ومضيق هرمز يعزز من فكرة أن الممرات البحرية لم تعد كيانات منفصلة، بل حلقات متصلة داخل شبكة واحدة لأمن الطاقة والتجارة العالمية، بحيث يؤدي أي اضطراب في أحدها إلى ارتدادات مباشرة في الآخر.
ومن منظور استشرافي من المرجح أن يستمر البحر الأحمر في أداء دور مزدوج، يجمع بين كونه شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي وساحة لتنافس جيوسياسي منخفض الكثافة في الوقت ذاته. غير أن هذا الدور سيظل رهينًا بقدرة القوى الدولية والإقليمية على بناء ترتيبات أمنية مرنة ومستدامة، في ظل غياب إطار حوكمة بحرية شامل وملزم قادر على ضبط التفاعلات داخل هذا الفضاء. وفي المقابل فإن استمرار تداخل الصراعات الإقليمية مع مسارات التجارة العالمية يرفع من احتمالية بقاء المنطقة ضمن دائرة "اللااستقرار المُدار" لفترة ممتدة، مع قابلية دورية للتصعيد كلما اختلت توازنات الردع أو أعيد تشكيل معادلات القوة.
وعليه يظل السؤال المركزي مفتوحًا حول مستقبل هذا الفضاء الحيوي: هل يتجه البحر الأحمر نحو ترسيخ نموذج حوكمة بحرية جماعية قادرة على تقليص هشاشته البنيوية، أم سيظل خاضعًا لمنطق الصراع غير المباشر وإعادة إنتاج الأزمات ضمن بنية نظام دولي يتسم بالتعقيد والتشابك المتزايد؟
المصادر:
1- د. محمد إبراهيم، "القرن الإفريقي وإعادة تشكيل ميزان القوى في البحر الأحمر في ظل التحولات الإقليمية", مجلة السياسة الدولية، 2 فبراير 2026.https://2u.pw/IIev3u
2- د. جيهان عبدالرحمن، "تفاعلات متزايدة.. البحر الأحمر في استراتيجية المتنافسين بالقرن الإفريقي "، مركز راع للدراسات الاستراتيجية، 12 أبريل 2025.https://2u.pw/eSGO6
3- د. أماني الطويل، التدافع الدولي في البحر الأحمر.. الواقع والتداعيات، https://2u.pw/yXP6Fu58
4- وليمبيتر،تصاعد نفوذ تنظيم عفر البحر الأحمر.. الدلالات السياسية الإقليمية للتوتر الإثيوبي–الإريتري الجديد، مجلة قراءات إفريقية، 22 ديسمبر 2025.https://2u.pw/21qOeC
5- UNCTAD. "Red Sea Crisis and Implications for Trade Facilitation in Africa." United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), accessed March 17, 2026.https://2u.pw/rfopW9
6- UNCTAD. "Unprecedented Shipping Disruptions Raise Risk to Global Trade, UNCTAD Warns." United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). Accessed March 18, 2026.https://2u.pw/qQbutm
رابط دائم: